المنهج المتبع في تحقيق الكتاب
إن المحقق عندما يقبل على تحقيق كتاب فإنه يخدمه ويخرجه من ظلمات دور المخطوطات إلى نور المكتبات العامة والخاصة، وهذه الخدمة تختلف من علم إلى علم ومن فن إلى فن، فكلُّ منها يحتاج إلى لون من الخدمة يتوافق مع حاجة المستفيدين منه، وهذه الخدمة التي يقدمها المحقق تمثّل خطّة عمله في الكتاب، فينبغي عليه قبل الشروع فيه أن يسأل نفسه: بماذا سأخدم هذا الكتاب؟ والجواب سيكون هو المنهج الذي سيتبعه في تحقيقه.
[ ١ / ١٠٨ ]
وفي عملي في تحقيق «شرح الوقاية» سرت في منهجٍ يمكن بيانه في النقاط الآتية:
جمعت لهما بعض النسخ المخطوطة المضبوطة القديمة والطبعات القديمة أيضًا وقابلتها، وأثبت الصحيح في الأعلى وسجلت غيره من الفروق في الهامش عندما كانت رسالة دكتوراه، وبعدما أعدت تصحيحها وإخراجها على هيئة كتاب حذفت هذه الفروق التي في الهوامش ولم أبق إلا ما فيه زيادة من بعض النسخ في الأغلب؛ لأن الفروق بين النسخ كثيرة جدًا، وكلها كما يظهر من أيدي النساخ إذ لا فائدة فيها فقد كانت كل صفحة تصل عدد الفروق إلى عشرة أو أكثر، واستعملت بدل المعكوفين تكرار رقم الهامش بقوس واحد منه هكذا (١ … ١) إذا كانت الزيادة في أكثر من كلمة، أما إذا كانت في كلمة واحدة فإنني أكتفي بذكر الهامش مباشرة.
خرَّجت أحاديثه بذكر رواته من الصحابة - ﵃ -، والكتب التي خرّجته، وحكمه من حيث الصحة والضعف من قبل كبار المحدِّثين، وأتيت له بالشواهد التي تقوّيه إن كان فيه ضعف، وذكرت لفظ الحديث المذكور في كتب السنة إن ذكره الشارح بمعناه، واكتفيت بذكر الجزء والصفحة بدل الكتاب والباب خوف التطويل؛ لأن غالبية الأحاديث غير مذكورة في الصحاح فأحتاج إلى ذكر عدد كبير من كتب السنة الوارد فيها، فلو ذكرت الكتاب والباب لاستغرق تخريج كثير منها أكثر من صفحة.
ترجمت لما ورد فيه من الأعلام بذكر اسمه ونسبه وكلمة لأحد العلماء فيه وبعض مؤلفاته وولادته ووفاته إن وجدت.
وثّقت ما ورد فيه من الآيات بذكر السورة ورقم الآية، ووتتمتها إن احتيج لذلك.
أرجعت ما ورد فيه من النصوص إلى مظانِّها مطبوعة كانت أو مخطوطة، فوضعت نهاية نقله في الهامش: انتهى من … أي الكتاب الذي أخذ منه.
ضبطت ما يشكل من الكلمات بالشكل وكذا أواخرها؛ للإعانة على فهم العبارة.
راعيت فيه قواعد الإملاء الحديثة مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وفصَّلت عباراته إلى مقاطع قصيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
[ ١ / ١٠٩ ]
جعلت المتن منفصلًا في أعلى الصحفة، وفصلت بينه وبين الشرح والمتن بخط؛ لتسهيل قراءة المتن لوحده لمن أراد ذلك، وميَّزت بين الشرح والمتن بوضع المتن داخل قوسين بخط أسود غامق.
بيَّنت معاني كثير من مفرداته الغريبة والصعبة من أمّهات كتب اللغة.
اعتمدت على توثيق رأي أصحاب المذاهب الذين يذكرهم الشارح من الكتب المعتمدة في مذاهبهم ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
خرجت من اختلاف النسخ بصيغة الصلاة على الرسول بإثبات شكل الصلاة كالآت ي (- ﷺ -)، وكذا اختلاف النسح بصيغة بين الترحم والترضي على مَن يذكر من العلماء وعدمه بذكر شكل الترضي (- ﵁ -) بدون الإشارة إلى ذلك.
زدت بعض العناوين في الكتاب كما رأيتُها في كتب الفقه الحنفيّ الأخرى بوضعها بين معكوفتين دون الإشارة إلى ذلك.
صنعت فهارس علمية للكتاب تساعد على الإفادة منه.
لما كانت عبارات الكتاب محكمة وغامضة ومختصرة تحتاج إلى من يفكّها ويحلّها ويبيِّن مراد الشارح منها؛ ولذا كثرت الحواشي والتعليقات عليه، وقد راجعت لفهمها كثيرًا من الحواشي والكتب، ووقفت على عبارات لطيفة في ذلك رأيت أن أثبتها في الهامش لتعين على توضيح مقصود كلام الشارح، وخوفًا عليها من الضياع.
ولما كان الكتاب من أشهر كتب الأحناف وأكثرها اعتمادًا فقد اعتنيت ببيان المصحح في المذهب وما عليه الفتوى كما بيّنته الكتب التي جاءت بعده ولا سيما «حاشية ابن عابدين» التي عليها التعويل في بيان ما عليه الفتوى في جلّ مسائل الحنفيّة، وهذا كان تكملة لغرض الكتاب.
تتبعت الشارح كثيرًا في مسامحاته التي نبَّه عليها العلماء ببيان إن كان الحقّ معه أو مع غيره ببسط كلام العلماء في ذلك.
[ ١ / ١١٠ ]