أسرته العلمية وطلبه للعلم وشيوخه ومن تفقَّه عليهم
نشأ صدر الشريعة في أسرة عريقة النسب على ما مرَّ، ولها مكانتها العلمية المرموقة كما سيأتي بعد قليل عند ترجمة أجداده، ووجد عنايةً كبيرةً منهم ولا سيما من جدِّه مؤلِّف «الوقاية»، إذ ألَّفها من أجلِه لكي يحفظها كما صرَّح في ديباجتِها، وذلك بعد أن أتمَّ دراسة بعض العلوم الأخرى فقال: إنَّ الولدَ الأعزَّ عبيدَ الله صرف الله أيامه
_________________
(١) من «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ).
(٢) وهو علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، له: «فتح باب العناية بشرح النقاية»، و«مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، و«الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة»، و«شرح مسند الإمام»، (٩٣٠ - ١٠١٤ هـ). ينظر: «الكواكب السائرة» (١: ٤٤٥ - ٤٤٦). «طرب الأماثل» (ص ٥١٥ - ٥١٧). «الإمام علي القاري» (ص ٤٤).
(٣) من «الأثمار الجنية في طبقات الحنفية» (ق ٣٦/أ).
(٤) من «الأثمار الجنية» (ق ٥٠/ب).
(٥) من «النافع الكبير» (ص ٥١).
(٦) من «الأعلام» (٤: ٣٥٤).
[ ١ / ٣٤ ]
بما يحبُّه ويرضاهُ لما فرغَ من حفظ الكتب الأدبيَّة، وتحقيق لطائف الفضل، ونكت العربية، أحببت أن يحفظ في علم الأحكام كتابًا رائعًا، ولعيون مسائل الفقه راعيًا، مقبول الترتيب والنظام، مستحسنًا عند الخواص والعوامّ، وما ألفيت في المختصرات ما هذا شأنه، فألفتُ في رواية كتاب «الهداية» - وهو كتاب فاخر، وبحر مواج زاخر، كتاب جليل القدر عظيم الشأن، زاهر الخطر، باهر البرهان، قد تمَّت حسناته، وعمَّت بركاته، وبهرت آياته - مختصرًا جامعًا لجميع مسائله، خاليًا عن دلائله، حاويًا لما هو أصح الأقاويل والاختيارات، وزوائد فوائد الفتاوى والواقعات، وما يحتاج إليه من نظم الخلافيات، موجزًا ألفاظه نهاية الإيجاز، ظاهرًا في ضبط معانيه، مخايلُ السحر ودلائل الاعجاز، موسومًا بـ «وقاية الرواية بمسائل الهداية»، والله المسؤول أن ينفع حافظيه والراغبين فيه عامةً، والولد الأعزَّ عبيد الله خاصة. انتهى.
[ ١ / ٣٥ ]
وقال صدر الشريعة في ديباجة «شرح الوقاية»: «وقاية الرِّوايةِ في مسائلِ الهداية» … ألَّفها جَدِّي وأستاذي مولانا الأعظم، أستاذُ علماءِ العالَم، برهانُ الشَّريعةِ والحقِّ والدِّين، محمودُ بنُ صدرِ الشَّريعة، جزاهُ اللهُ عنِّي وعن جميعِ المسلمينَ خيرَ الجزاء؛ لأجلِ حفظي، والمولى المؤلِّفُ لمَّا ألَّفها سَبَقًا سَبَقًا، وكنتُ أجري في ميدانِ حفظِهِ طَلَقًَا طَلَقًَا، حتى اتَّفقَ اتمامُ تأليفِهِ مع اتمامِ حفظي. انتهى.
ومثله قال في ديباجة «مختصر الوقاية» المسمَّاة بـ «النقاية» (^١).
ولم يكتف صدر الشريعة على حفظه «الوقاية» فحسب، بل كان ذا اهتمام كبير بتعلّم دقائق العلم، والوقوف على نكاته ولا سيما من جدِّه حتى قال الكفوي (^٢) عنه: كان ذا عناية بتقييد نفائس جدِّه وجمع فوائده. انتهى. ولاحظت ذلك منه بوضوح في شرحه على «الوقاية» إذ في بعض المسائل يعلِّق، مرجعًا ذلك إلى جدِّه، كما سيأتي في موضعه.
قال الكفوي (^٣) عن نشأته: نشأ في حجر الفضل ونال العلى، وحمل على أكتاف فحول الفقهاء وأسود العلماء، كفلَ به وربَّاه جدُّه، وعلَّمه في صباه، سعد جدّه وأنجح جده حتى حاز قصب السبق في الفروع والأصول، وكان فارس ميدانه في المعقول والمنقول، أخذ العلم عن جدِّه الإمام الفاضل. انتهى.
ومن أجداده الذين يفخر بهم علماء المذهب الحنفي، وقد ترجموا لهم وجعلوهم في طبقات فقهائهم؛ لِمَا كانوا عليهم من الاعتماد في الفروع والأصول:
الأول
جدُّه الفاسد، مؤلِّف «الوقاية»، ومن تعلَّم ودرَّس عليه: محمود بن أحمد بن عبيد الله
ابن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ الحنفي، برهانُ الشَّريعة (^٤).
قال الكفوي (^٥): عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، بارع متورع، محقّق مدّقق، صاحب التصانيف الجليلة.
من مؤلفاته: «وقاية الرواية في مسائل الهداية» وسيأتي تفصيل الكلام فيها في فصل الدراسة الخاصّ بها وبشرحها، و«الواقعات»، و«الفتاوى».
وقد أخطأ الكفوي في نسبة «شرح الهداية» له؛ لأنه لأخيه تاج الشريعة عمر، وغلط ابن الحنائيّ (^٦) في نسبة «معراج الدراية شرح الهداية» له، فإنه للكاكي (^٧).
ذكر عمر كحالة (^٨) أنه توفِّي سنة (٦٧٣ هـ)، وقال إسماعيل باشا (^٩) توفّي في حدود سنة (٦٧٣ هـ) (^١٠).
وقال عبد الباقي الخطيب في «المدينة المنورة»: مات في كِرمان، ودفن فيها (^١١).
_________________
(١) النقاية» (ص ٣).
(٢) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٣) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٨٧/أ).
(٤) ترجمته في: «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ). «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٦٥/أ-ب). «الكشف» (٢: ٢٠٢٠). «الفوائد» (ص ٣٣٨ - ٣٣٩)، «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ٢٠). «دفع الغواية» (١: ٢ - ٦). «هدية العارفين» (٢: ٤٠٦). «معجم المؤلفين» (٣: ٨١٨). «معجم المطبوعات العربية والمعربة» لإلياس سركيس (١: ١١٩٩ - ١٢٠٠).
(٥) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٦٥/أ).
(٦) في «طبقات الحنفية» (ق ٢٥/أ).
(٧) وهو محمد بن محمد بن أحمد السنجاري، المعروف بالبُخَارِيّ الكاكي، قوام الدين، ومن مؤلفاته: «عيون المذهب» قال اللكنوي: وهو مختصر نافع، (ت ٧٤٩ هـ). ينظر: «الجواهر» (٤: ٢٩٤ - ٢٩٥). «الفوائد» (ص ٣٠٦). «الكشف» (٢: ٢٠٣٣).
(٨) في «معجم المؤلفين» (٣: ٨١٨).
(٩) في «هدية العارفين» (٢: ٤٠٦).
(١٠) وعليه فإن ما وقع من شيخنا وهبي سليمان غاوجي حفظه الله في «التعليق الميسر على الملتقى» (١: ٩): في أن وفاته سنة (٧٨١ هـ) زلة قلم. والله أعلم.
(١١) كما في «الفوائد» (ص ١٨٥). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ١٩). و«دفع الغواية» (١: ٣).
[ ١ / ٣٦ ]
الثاني
جدُّه الصحيح، شارح «الهداية»: عمر بن أحمد بن عبيد الله المحبوبي الحنفي، تاج الشريعة، جد صدر الشريعة الأصغر الصحيح (^١).
أخذ العلم عن أبيه صدر الشريعة الأكبر أحمد.
قال طاشكبرى زاده (^٢): عالم فاضل حبر كامل.
من مؤلفاته: «نهاية الكفاية في دراية الهداية»: أوله: نصر من الله وفتح قريب هو المحمود جلّ شأنه … الخ.
ونسب إليه إسماعيل باشا (^٣): «مآثر الإقبال في مفاخر الشال» في التاريخ، فارسي من البعثة إلى خلافة علي - ﵁ -.
وقد غلط الشُّرُنْبُلالِيّ (^٤) في بعض رسائله بنسبة «الكفاية شرح الهداية» له فإنها لجلال الدين الكرلاني.
وذكر حاجي خليفة (^٥) أنه توفِّي سنة (٦٧٢ هـ) وتبعه على ذلك عمر كحالة (^٦)، مع أن حاجي خليفة ذكر بعدها بسطرين نقلًا عن تاج الشريعة كما مر سابقًا أنه أتمَّ كتاب الإيمان من شرحه للـ «هداية» سنة (٦٧٣ هـ)، فيعلم أن وفاته كانت بعد ذلك، والله أعلم. وذكر إسماعيل باشا (^٧) أنه وفاته سنة (٦٧٣ هـ).
وقال عبد الباقي الخطيب في «المدينة المنورة»: مات في كِرمان، ودفن فيها (^٨).
الثالث
والد جدِّه الصحيح والفاسد، وهو الذي أخذوا العلم عنه: أحمد بن عبيد الله
_________________
(١) ترجمته في: «مفتاح السعادة» (٢: ٢٤٠ - ٣٤١). «الكشف» (٢: ٢٠٣٣). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ٢٠). «دفع الغواية» (١: ٢ - ٦). «هدية العارفين» (١: ٧٨٧). «معجم المؤلفين» (٢: ٥٥٢).
(٢) في «مفتاح السعادة» (٢: ٢٤١).
(٣) في «هدية العارفين» (١: ٧٨٧).
(٤) كما نبه على ذلك اللكنوي في «الفوائد» (ص ١٠٠ - ١٠١).
(٥) في «الكشف» (٢: ٢٠٣٣).
(٦) في «معجم المؤلفين» (٢: ٥٥٢).
(٧) في «هدية العارفين» (١: ٧٨٧).
(٨) كما في «الفوائد» (ص ١٨٥). «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٨ - ١٩). و«دفع الغواية) (١: ٣).
[ ١ / ٣٧ ]
ابن إبراهيم العُبادي المَحْبُوبيّ البُخاريّ، شمس الدين، صدر الشريعة الأكبر، أو الأوَّل (^١).
قال عبد القادر القرشي (^٢) والتميمي (^٣): الإمام ابن الإمام الكبير.
قال الكفوي (^٤): كان من كبار العلماء، بلغ عند أبيه في الفقاهة مبلغًا عظيمًا، وله قدرة كاملة في الأصول والفروع.
تفقَّه على: أبيه الإمام الكبير عبيد الله بن إبراهيم.
وتفقه عليه: ابنه محمود بن أحمد المَحْبُوبيّ.
من مؤلَّفاته: «تنقيح (^٥) العقول في فروق المنقول» (^٦).
توفِّي سنة (٦٣٥ هـ) (^٧).
الرابع
والد والد جدِّه أبي أبيه وأبي أمه، وهو الذي إليه في العلم استنادهم: عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد العُباديّ المَحْبُوبِي البُخَاريّ الحَنَفيّ، جمال الدين، المعروف بأبي حنيفة الثاني (^٨).
_________________
(١) ترجمته في: «الجواهر المضية» (١: ١٩٦). «تاج التراجم» (ص ١١٥). «كتائب أعلام الأخيار» (٢٣٨/ب-٢٣٩/أ). «الطبقات السنية» (١: ٢٧٦). «الفوائد» (ص ٤٨). «الكشف» (١: ٤٨١،٢: ١٢٥٨). «معجم المؤلفين» (١: ١٩١).
(٢) في «الجواهر المضية» (١: ١٩٦).
(٣) في «الطبقات السنية» (١: ٢٧٦)
(٤) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢٣٨/ب).
(٥) وقع في «تاج التراجم» (ص ١١٥)، و«الفوائد» (ص ٤٨): تلقيح. وسمَّاه صاحب «معجم المؤلفين» (١: ١٩١): «تلقيح العقود في الفروق بين أهل النقول».
(٦) قال صاحب «الكشف» (٢: ١٢٥٨): «فروق الكرابيسي» المسمَّى بـ «تلقيح المحبوبي» ذكره صاحب «الأشباه» في أول الفروق.
(٧) انفرد بذكر وفاته صاحب «معجم المؤلِّفين» (٢: ١٩١).
(٨) ترجمته في: «العبر» (٥: ١٢٠). «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢١٧/أ-٢١٨/ب). «النافع الكبير» (ص ٥١ - ٥٢). «الفوائد» (ص ١٨٢ - ١٨٣). «الجواهر المضية» (٢: ٤٩٠). «طبقات ابن الحنائي» (ق ٢٥/أ). «الأثمار الجنية» (ق ٣٥/ب).
[ ١ / ٣٨ ]
أخذ العلم عن: الشيخ الإمام المفتي إمام زاده صاحب «شرعة الإسلام»، والشيخ الإمام عماد الدين عمر بن بكر بن محمد الزرنجري، وهما عن شمس الأئمة بكر بن محمد ابن علي الزرنجري عن شمس الأئمة السرخسي عن شمس الأئمة الحَلْوانِيّ عن أبي علي النسفي عن أبي بكر محمد بن الفضل عبد الله السبذموني عن أبي عبد الله أبي حفص
الصغير عن أبيه أبي حفص الكبير عن محمد عن أبي حنيفة - ﵁ -.
وتفقّه أيضًا على: بهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجابي (^١)، والظهير أبي بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخي، والشيخ الإمام الكاساني، والشيخ الإمام قاضي خان الأوزجندي، وغيرهم.
وتفقّه عليه: ابنه: شمس الدين أحمد، وحميد الدين الضرير علي بن محمد بن علي الرامشي البخاري، وحافظ الدين الكبير محمد بن محمد بن نصر البخاري، وغيرهم.
قال الذهبي (^٢): عالم الشرق، وشيخ الحنفية (^٣). وقال (^٤): شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب.
وقال الكفوي (^٥): وكان إمامًا كاملًا معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله في أوانه، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب والخلاف.
وقال ابن الحنائي (^٦): كان شيخ الحنفية في عصره.
_________________
(١) وهو محمد بن أحمد بن يوسف المَرْغِينانيّ الأَسْبِيجَابِيّ، أبي المحامد، بهاء الدين، المنسوب إلى أَسْبِيجاب، أستاذ الإمام جمال الدين عبيد الله البخاري المَحْبُوبِيّ. من مؤلفاته: «زاد الفقهاء شرح القدوري». ينظر: «الجواهر» (٣: ٧٤). «الفوائد» (ص ٢٦٠).
(٢) وهو محمد بن أحمد بن عثمان التُّرْكُماني الفاروقي الدِّمَشْقِيّ الذَّهَبِيّ الشَّافِعِيّ، أبو عبد الله، شمس الدين، له: «سير أعلام النبلاء»، و«العبر»، «تاريخ الإسلام»، (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ). ينظر: «الدرر الكامنة» (٣: ٣٣٦). «فوات الوفيات» (٣: ٣١٥ - ٣١٦). «طبقات الأسنوي» (١: ٢٨٢).
(٣) ينظر: «الجواهر المضية» (٢: ٤٩٠).
(٤) أي الذهبي في «العبر» (٥: ١٢٠).
(٥) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٢١٧/ب).
(٦) في «طبقات الحنفية» (ق ٢٥/أ).
[ ١ / ٣٩ ]
وهو المشهور في كتب الفقه بالمحبوبي، فإنه إذا أطلق ينظر إليه لا إلى صدر الشريعة.
ومن مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، وقد اتفق مَن ترجم له على نسبته إليه، وأما كتاب «الفروق»، فقد نسبه إليه الكفوي واللكنوي (^١).
مولده في خامس عشرين جمادى الأولى، سنة ست وأربعين وخمسمئة.
ومات ليلة الخميس، ثامن جمادى الأولى، سنة ثلاثين وستمئة، وعمره أربع وثمانون سنة، وصلَّى عليه ابنه الإمام شمس الدين أحمد. ووفاته في هذه السنة باتفاق من ترجم له إلا القاري (^٢) فإنه ذكره أنه توفِّي سنة اثنتين وستمئة (^٣).