تلاميذ صدر الشريعة ومنهجه في التدريس
لا شكَّ في أنه قد تلقَّى عليه العلم عدد لا يحصى من التلاميذ، وإن لم تكن المصادر التاريخية تسعفنا بذلك، وكان له اهتمام فائق بطلاب العلم نلاحظه عند الحديث عن مصنفاته التي ألَّفها لهم، وللارتقاء بحالهم، ومن ذلك كتابه «النُّقاية»، وهو في فروع الحنفية، اختصر فيه «الوقاية» لمن لا ترتقي نفوسهم لحفظ «الوقاية»، فقال في ديباجتها (^٣): إنِّي لمَّا وجدتُ قصورَ هممِ بعضِ المحصِّلين عن حفظ «الوقاية»، اتخذتُ منه هذا «المختصر» مشتملًا على ما لا بد منه لطالب العلم عن حفظها، فكل من أحب استحضار مسائل «الهداية» فعليه حفظ «الوقاية»، ومن أعجلَه الوقتُ فليصرف إلى حفظ هذا «المختصر» عنان العناية، إنه ولي الهداية. انتهى.
ومن منهجه في التدريس أنه يأتِي للطلبة بالتدقيقات واللطائف البديعة والنكات الفائقة والتحريرات والأبحاث التي لم يسبقه إليها أحد من العلماء، فهو في دروسه وكتبه لا يسلِّم لمن يشرح كتابه إن رآه خالف قواعد العلم، أو مسألة من مسائله؛ لذا نرى بينه وبين العلماء الكبار ممن جاء بعده أبحاث عديدة، وسيأتي تفصيل الكلام فيه عند الحديث عن منهجه في «شرح الوقاية»، ويدلُّ على ذلك أكمل دلالة ما قاله طاشكبرى زاده (^٤) عنه:
يحكى أن العلامة قطب الدين الرازي (^٥) أراد أن يجتمع مع صدر الشريعة ويتباحث معه، فأرسل إليه أوّلًا من تلامذته مولانا مبارك شاه - وكان من غلمان الرازي، ربَّاه صغيرًا وعلَّمه كبيرًا، وتبنَّاه، فصار مشهورًا في الآفاق - ليتعرف الحال، فحضر مبارك شاه درس صدر الشريعة، وهو يومئذ بهرات، والعلامة بالرَّيّ، فوجده يدرس كتاب
_________________
(١) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٦٢).
(٢) في «فتح باب العناية» (١: ٣٤).
(٣) أي «النقاية» (ص ٣ - ٤).
(٤) في «مفتاح السعادة» (٢: ١٧١).
(٥) وهو محمد بن محمد الرازيّ، أبو عبد الله، قطب الدين، المعروف بالقطب التحتاني، قال ابن السبكي: كان إمامًا في المنطق والحكمة، عالمًا بالتفسير والمعاني والبيان، مشاركًا في النحو يتوقّد ذكاءً، له: «الرسالة القطبية»، ورسالة في التصور والتصديق، و«شرح المطالع»، و«شرح الشمسية»، و«شرح الإشارات»، (ت ٧٦٦ هـ). ينظر: «مفتاح السعادة» (١: ٢٧٥). «التعليقات السنية» (ص ٢١٢).
[ ١ / ٤٢ ]
«الإشارات» لابن سينا (^١)، ولا يتابع فيه المصنِّف ولا واحدًا من شارحيه: الإمام (^٢) والطوسي (^٣)، فكتب مبارك شاه إلى مولاه العلامة أن الرجل نارٌ وقَّادة، والإقدام ربَّما يورث الملام، فعمل العلامة برأيه، وقبل نصحه ولم يتجاسر على ما قصده. انتهى.
وممَّن تفقَّه ودرس وأجيز بجميع مقروءات ومسموعات صدر الشريعة حافظ الحقِّ والدين أبو طاهر محمّد بن محمّد بن الحسن بن عليّ الطاّهري، قال الكفوي (^٤): كان زبدة أرباب الفتوى وبقيّة أعلام الهدى، عارف أسرار الطريقة، كاشف رموز الحقيقة، فقيهًا أصوليًا محدّثًا مفسّرًا، أخذ عن صدر الشريعة، ووقع له الإجازة منه في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وسبعمئة في بخارا، وأجاز أبو طاهر في آواخر شعبان سنة ستّ وسبعين وسبعمئة لخواجه بارسا محمد بن محمد بن محمود الحافظي (^٥) صاحب «فصل الخطاب»، وكان خواجه بارسا في هذه السنة ابن عشرين، وأخذ عن خواجه بارسا العالم العامل والفاضل الكامل المولى إلياس بن يحيى بن حمزة الرومي، قال طاشكبرى زاده (^٦) عنه: كان مدرسًا وقاضيًا ومفتيًا بمرزيفون، وذلك يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان المعظَّم سنة إحدى وعشرين وثمانمئة ببخارا. انتهى.
_________________
(١) وهو الحسين بن عبد الله بن الحسن البلخي البخاري، ويقلب بالشيخ الرئيس، أبو علي، الشهير بابن سينا، له: «القانون في الطب»، و«الموجز الكبير في المنطق»، و«لسان العرب في اللغة»، (٣٧٠ - ٤٢٨ هـ). ينظر: «الكشف» (١: ٩٤).
(٢) وهو محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري الرازي، أبو عبد الله، فخر الدين، له: تفسير القرآن المسمَّى «مفاتيح الغيب»، و«لوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات»، و«أسرار التنْزيل»، (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ). ينظر: «وفيات» (٤: ٢٤٨). «النجوم الزاهرة» (٦: ١٩٧ - ١٩٨).
(٣) وهو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، له: «حواش على كليات القانون»، و«أساس الاقتباس»، و«قواعد العقائد»، (٥٩٧ - ٦٧٢ هـ). ينظر: «الكشف» (١: ٩٥). «معجم المؤلفين» (٣: ٦٣٦ - ٦٣٧).
(٤) في «كتائب أعلام الأخيار» (ق ٣٠٨/ب-٣٠٩/أ). وينظر: «الفوائد» (ص ٣٠٧). «الشقائق» (ص ٦٤).
(٥) المتوفى بالمدينة الطيّبة سنة (٨٢٢ هـ). ينظر: «مقدمة عمدة الرعاية» (١: ١٩).
(٦) في «الشقائق النعمانية» (ص ٦٤).
[ ١ / ٤٣ ]