في الاصطلاحات الفقهية في «شرح الوقاية» وكتب الأحناف
أذكر هنا على عجالة أشهر مصطلحات الأحناف الفقهية التي ترد كثيرًا في كتبهم، وكذا شيئًا من ألفاظ الترجيح والفتوى التي يستخدمونها، على أن في البال أن أجمعها في دراسة خاصة بها أوفيها فيها حقّها من البحث والتحرير؛ وهذه الاصطلاحات تذكر في كتب أصحابنا باسم رسم المفتي، وهي تمثّل المفاتيح في التعامل مع كتب المذهب في فهم مرادهم، ومعرفة الراجح عندهم والمفتى به دون سواه، وكثير من الناس يقولون في المذهب الحنفي اختلاف كثير، فلا نعرف الراجح فيه، وسبب قولهم هو جهلهم بما في رسم المفتي من القواعد والاصطلاحات التي لو عرفها المرء لما قال ذلك، ومن هذه الاصطلاحات:
[ ١ / ٨٩ ]
(قالوا: يستعمل فيما فيه اختلاف المشايخ (^١). وأيضًا: يمكن أن يفيد الضعف مع الخلاف (^٢).
(قيل، ويقال: صيغ للتمريض لا يجزم بالضعيف بها إلا بقرينة السياق أو التزام قائله كمؤلف «الملتقى»؛ لأنها ليست موضوعة لذلك، ولا مقيّدة بذلك كليًّا، بل يعلم ذلك إمّا بالتزام قائلِه وإمّا بقرينةِ سياقه وسباقه ومقامه (^٣).
(ذهبَ إليه عامّة المشايخ، ونحوه: المراد به أكثرهم (^٤).
(يجوز: قد يقال بمعنى: يصحّ، وقد يقال بمعنى: يحلّ (^٥)؛ ولذلك تراهم يطلقون على الصلاة المكروهة ونحوها: جاز ذلك أو صحّ ذلك، ويريدون به نفس الصحّة المقابل للبطلان من غير القصدِ إلى الإباحةِ أو نفي الكراهة، ولهذا فسَّر الشرَّاح والمحشّون كثيرًا قولهم: جاز وصحّ؛ بقولهم: أي مع الكراهة (^٦).
(لا بأس: أكثرُ استعمالها في المباح وما تركه أولى (^٧)، وقد تستعمل في المندوب (^٨).
(ينبغي: يستعمل في المندوب وغيره في عرف المتقدِّمين، وفي عرفِ المتأخِّرين غلبَ استعماله في المندوبات (^٩).
(المشايخ: المراد بها في قولهم: هذا قول المشايخ: مَن لم يُدرك الإمام (^١٠).
(المتقدِّمون من فقهائنا: المراد بهم الذين أدركوا الأئمّة الثلاثة، ومَن لم يدركهم فهو من المتأخِّرين، هذا هو الظاهر من إطلاقاتهم في كثيرٍ من المواضع (^١١).
_________________
(١) ينظر: «العناية» (١: ٣٩٨).
(٢) ينظر: «فتح القدير» (٢: ٣٣٠).
(٣) ينظر: «مقدمة العمدة» (ص ١٧). «أدب المفتي» (ص ٥٧٤).
(٤) ينظر: «فتح القدير» (١: ٤٧٧).
(٥) ينظر: «المجموع» (١: ١٢٣).
(٦) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٥).
(٧) ينظر: «فتح القدير» (٥: ٥١١، ٧: ٢٦٠)، و«مجمع الأنهر» (٢: ٥٣٢).
(٨) ينظر: «البحر الرائق» (٥: ٩٩). «رد المحتار» (١: ١١٩).
(٩) ينظر: «رد المحتار» (٤: ١٣٠).
(١٠) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٥).
(١١) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٥).
[ ١ / ٩٠ ]
(الخلف: عند الفقهاء من محمّد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) إلى شمسِ الائمّة الحَلْوَانِي (ت ٤٥٦ هـ) (^١).
(السلف: من أبي حنيفة - ﵁ - إلى محمّد بن الحسن - ﵁ - (١٨٩ هـ) (^٢).
(المتأخِّرون: قال عبد النبي: المراد بها: من الحَلْوانِيّ (ت ٤٥٦ هـ) إلى حافظِ الدين البُخاريّ (ت ٦٩٣ هـ) (^٣). (^٤) قال الذهبي (^٥): إنّ الحدَّ الفاصلَ بين المتقدّمين والمتأخّرين هو رأس ثلاثمئة. قال اللكنوي: ويخدشُ ما ذكرَه عبد النبيّ أنّهم كثيرًا ما يطلقون المتأخّرين على من قبل الحَلْوَانيّ؛ فقد قال في «الهداية» (^٦): هذا مختار بعض المتأخّرين. انتهى. قال في «العناية» (^٧): منهم أبو عبد الله الجُرْجَانيّ، والإمامُ الرُّسْتُغَفنِيّ. انتهى. وكلاهما متقدم على الحَلْوانِيّ.
(الصدر الأول: لا يقال إلا على السلف، وهم أهل القرون الثلاثة الأول الذين شهد النبي - ﷺ - لهم بأنهم خير القرون، وأما من بعدهم فلا يقال في حقهم ذلك (^٨).
(الإمام والإمامِ الأعظم: المراد بهما في كتب الحنفية أبو حنيفة - ﵁ -، وأما في كتب التفسير والأصول والكلام فالمراد بالإمام حيث أطلق غالبًا هو الإمام فخر الدين الرازي (^٩).
(صاحب المذهب: المراد به أبو حنيفة - ﵁ - (^١٠).
_________________
(١) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٢).
(٢) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٢).
(٣) وهو محمد بن محمد بن نصر البخاري، أبو الفضل، حافظ الدين الكبير، قال أبو العلاء البخاري: كان إمامًا عالمًا ربانيًا صمدانيًا زاهدًا عابدًا مفتيًا مدرِّسًا نحريرًا فقيهًا قاضيًا محقِّقًا مدقِّقًا محدِّثًا جامعًا لأنواع العلوم. ينظر: «الجواهر» (٣: ٣٣٧). «الفوائد» (ص ٣٢٥ - ٣٢٦).
(٤) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٢).
(٥) في «الميزان» (١: ١١٥).
(٦) الهداية» (١: ١٢٩).
(٧) في «العناية شرح الهداية» (٢: ٢٨٧).
(٨) ينظر: «الفوائد» (ص ٤١١).
(٩) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(١٠) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
[ ١ / ٩١ ]
(الصاحبان: المراد بها: أبو يوسفَ - ﵁ - ومحمّد - ﵁ - (^١).
(الشيخان: المرد بها: أبو حنيفةَ - ﵁ - وأبو يوسف - ﵁ - (^٢).
(الطرفان: المراد بها: محمّد - ﵁ - وأبو حنيفة - ﵁ - (^٣).
(الإمام الثاني (^٤): المراد بها: أبو يوسف - ﵁ - (^٥).
(الإمامِ الربانيّ: المراد بها محمّد - ﵁ - (^٦).
(عند أئمّتنا الثلاثة: المراد بها: أبو حنيفةَ وأبو يوسف ومحمد - ﵃ - (^٧).
(الأئمّة الأربعة: أبو حنيفةَ ومالك والشافعي وأحمد - ﵃ -؛ أصحاب المذاهبِ المشهورة (^٨).
(عنده: الضمير فيه في قول الفقهاءِ هذا الحكم عنده أو هذا مذهبه إذا لم يكن مرجعه مذكورًا سابقًا يرجعُ إلى الإمام أبي حنيفة - ﵁ - وإن لم يسبق له ذكر؛ لكونه مذكورًا حكمًا (^٩).
(عندهما، ولهما، وقالا؛ الضمير يرجع إلى أبي يوسفَ - ﵁ - ومحمّد - ﵁ - إذا لم يسبق مرجعه، وقد يرادُ به أبو يوسف - ﵁ - وأبو حنيفة - ﵁ -، أو محمد - ﵁ - وأبو حنيفة - ﵁ - إذا سبق لثالثهما ذكر في مخالفِ ذلك الحكم، مثلًا: إذا قالوا: عند محمّد - ﵁ - كذا، وعندهما كذا، يراد به أبو حنيفة - ﵁ - وأبو يوسف - ﵁ -: يعني الشيخين، وإذا قالوا: عند أبي يوسف - ﵁ - كذا، وعندهما كذا: يرادُ به أبو حنيفةَ - ﵁ - ومحمّد - ﵁ -: يعني الطرفين (^١٠).
_________________
(١) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٢) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٣) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٤) وتطلق الثاني بدون الإضافة للإمام ويراد بها أبو يوسف، وكذا الرباني بالنسبة لمحمد.
(٥) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٦) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٧) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٨) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٩) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٧).
(١٠) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٧). «مقدمة فتح باب العناية» (١: ١٨).
[ ١ / ٩٢ ]
(عنده وعنه: الفرق بينهما: أنّ الأوّل دالٌ على المذهب، والثاني على الرواية، فإذا قالوا: هذا عند أبي حنيفة - ﵁ - دلّ ذلك على أنّه مذهبه، وإذا قالوا: وعنه كذا، دلّ ذلك على أنّه رواية عنه (^١).
(روايتان: المراد بها في قولهم: فيه عن الإمام روايتان: أي عدم معرفة الأخير منهما (^٢).
(رواية عنه: المراد بها في قولهم: في رواية عنه كذا: أي يعلمون أنها قوله الأول، أو لكون هذه الرواية رويت عنه في غير كتب الأصول، وهذا أقرب (^٣).
(الكراهة: إذا أطلقت في كلامِهم فالمرادُ الكراهة التحريميّة؛ إلاَّ أن ينصَّ على كراهة التَّنْزيه، أو يدلّ دليلٌ على ذلك (^٤).
(السُّنةُ إذا أطلقت فالمرادُ به السنّة المؤكَّدة، وكذا سنّة الرسول - ﷺ - وإن كانت هو تطلق على سنّة الصحابة أيضًا (^٥). وتطلق السنة كثيرًا ويرادُ بها المستحبّ وبالعكس،
ويعلم ذلك بالقرائن الحاليّة والمقاليّة (^٦).
(يطلقون عباراتهم كثيرًا في موضعٍ اعتمادًا على التقييد في محلِّه، وقصدهم بذلك أن لا يدّعي علمهم إلا مَن زاحمهم بالركب، وليعلم أنّه لا يحصلُ إلا بكثرةِ المراجعة وتتبّع عباراتهم، والأخذ عن الأشياخ (^٧).
(الواجب: يطلق كثيرًا ويراد به أعمّ منه ومن الفرض، كما قالوا في (بحث الصيام)، وغيره (^٨).
_________________
(١) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٧). «أدب المفتي» (٥٧٤).
(٢) ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ٢٣).
(٣) ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ٢٣).
(٤) ينظر: «البحر الرائق» (١: ١٣٧).
(٥) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٨). «أدب المفتي» (٥٧٤).
(٦) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٨). «أدب المفتي» (٥٧٤).
(٧) ينظر: «رد المحتار» (١: ٤٥٠).
(٨) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٨). «أدب المفتي» (٥٧٤).
[ ١ / ٩٣ ]
(الفرض: يطلق كثيرًا على ما يقابلُ الركن، فيطلقون على ما لا يصحّ الشيء بدونه، وإن لم يكن ركنًا كما ذكروا أنّ من فرائضِ الصّلاة التحريمة، وقد يطلق على ما ليس بفرض ولا شرط (^١).
(الحَسَن: إذا ذكرَ مطلقًا في كتبِ الحنفيّة فالمرادُ به ابن زياد، تلميذ أبي حنيفة، وإذا ذكرَ مطلقًا في كتب التفسيرِ فالمرادُ به الحسن البَصْريّ (^٢).
(شمسُ الأئمّة: عند الإطلاقِ يرادُ به شمس الأئمّة السَّرَخْسِيّ، وفيما عداه يذكرُ مقيَّدًا كشمس الأئمّة الحَلْوَانِيّ، وشمس الأئمّة الزَّرَنْجَريّ (^٣)، وشمس الأئمّة الكَرْدَريّ (^٤)، وشمس الأئمة الأُوزْجَنْدِيّ (^٥). (^٦)
(الفَضْلي: المرادُ به: أبو بكرْ محمد بن الفضل الكماريّ البُخاريّ (ت ٣٨١ هـ) (^٧).
«(الأصل»: في قولهم: هذا الحكم ذكرَه في «الأصل» ونحوه: يراد به «المبسوط»: تصنيفُ الإمامِ محمّد، سمّي به؛ لأنّه صنّفه أوّلًا، ثمّ «الجامع الصغير» ثمّ «الجامع الكبير»، ثم «الزيادات» (^٨).
«(المبسوط»: المرادُ بـ «مبسوط السَّرَخْسِيّ» في شروح «الهداية» و«شرح الوقاية»، وغيرها عند الإطلاق، وهو شرُحه على «الكافي» الذي ألَّفه الحاكمُ الشهيد (ت ٣٤٤ هـ) (^٩).
_________________
(١) ينظر: «رد المحتار» (١: ٤٤٢). «أدب المفتي» (٥٧٤).
(٢) ينظر: «الفوائد» (ص ٤٢١). «مقدمة العمدة» (١: ١٦).
(٣) وهو بكر بن محمد بن علي بن الفضل، الزَّرَنْجَريّ، شمس الأئمة، نسبة إلى قرية زرنكر من قرى بخارا، قال الكفوي: الإمام المتقن الذي كان يضرب به المثل في حفظ المذهب، وكان له معرفة في الأنساب والتواريخ، (٤٢٧ - ٥١٢ هـ). ينظر: «الجواهر» (١: ٤٦٥ - ٤٦٧). «الفوائد» (ص ٩٦).
(٤) وهو محمَّد بن عبد الستَّار بن محمد العِمَادِيّ الكَرْدَرِيّ البَرَاتَقِينِي الحنفي، أبو الواجد، شمس الأئمة، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، (٥٩٩ - ٦٤٢ هـ) ينظر: «الجواهر» (٣: ٢٢٨ - ٢٣٠). «تاج التراجم» (ص ٢٦٧ - ٢٦٨). «النجوم الزاهرة» (٦: ٣٥١).
(٥) وهو محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِيّ، شيخ الإسلام، شمس الأئمة، جد قاضي خان، تفقه على السَّرَخْسِي. ينظر: «الجواهر» (٣: ٤٤٦). «الفوائد» (ص ٣٤٢).
(٦) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٤).
(٧) ينظر: «الفوائد» (ص ٤١٨).
(٨) ينظر: «مقدمة العمدة» (١: ١٧).
(٩) ينظر: «كشف الظنون» (ص ٢: ١٣٨٧). «مقدمة العمدة» (١: ١٧).
[ ١ / ٩٤ ]
«(المحيط»: المراد به «المحيط البُرْهَانيّ» عند إطلاقه لغير واحد: كصاحب «الخلاصة» و«النهاية» و«شرح الوقاية» لا «المحيط» للإمامِ رضيّ الدين السَّرَخْسِيّ (^١).
(المتون: المراد بها المتون المعتبرة كـ «البداية»، و«مختصر القدوري»، و«المختار»، و«النقاية»، و«الوقاية»، و«الكنْز»، و«الملتقى»، فإنها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية، بخلاف «متن الغرر» لملا خسرو و«متن التنوير» للتمرتاشي فإنها فيها كثيرًا من مسائل الفتاوى (^٢).
(ظاهر الروايةِ وظاهر المذهب والأصولِ في قولهم: هذا في ظاهرِ الرواية، وهو ظاهر المذهب، وهو موافقٌ لروايةِ الأصول: هي مسائل رويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - ﵃ -، وقد يلحق بهم زفر - ﵁ - والحسن - ﵁ - وغيرهما ممن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم، وسمِّيت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات: فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة عنه (^٣). وبين العلماء اختلاف في تحديد كتبها، وفي التفريق بين ظاهر الرواية وبين الأصول:
أما الخلاف في تحديد كتبها:
فمنهم (^٤): من قال: هي الكتب الستة المشهوة للإمامِ محمّد - ﵁ - «الجامع الصغير» و«الجامع الكبير» و«السير الصغير» و«السير الكبير» و«المبسوط» و«الزيادات».
ومنهم: من لم يعدّ «السير الصغير».
ومنهم: من إنّ بعضَهم لم يعدّ «السير» بقسميه منها: كالبابرتي (^٥) وقاضي زاده (^٦)، إذا قالا: المرادُ بظاهر الرواية عند الفقهاء: رواية «الجامعين» و«المبسوط» و«الزيادات»، ويعبَّر عنها بظاهر الرواية، والمرادُ بغير ظاهرِ الرواية: روايةُ غيرها.
_________________
(١) ينظر: «الفوائد البهية» (ص ٤١٨ - ٤١٩).
(٢) ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ٣٧).
(٣) ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ١٦).
(٤) كحاجي خليفة في «كشف الظنون» (٢: ١٢٨٣). وابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٤٧)، و«شرح رسم المفتي» (ص ١٦). وشيخ الإسلام محمد تقي العثماني في «أصول الإفتاء» (ص ٢٣). والمجددي في «أدب المفتي» (ص ٥٧٠).
(٥) في «العناية» (٨: ٣٧١).
(٦) في «نتائج الأفكار» (٨: ٣٧١،٩: ١٠٤).
[ ١ / ٩٥ ]
وأمَّا الخلاف في التفريق بين ظاهر الرواية وبين الأصول:
فذهب الجمهور: أنه لا فرق بينهما، وانتصر لهم ابن عابدين (^١).
وذهب بعضهم كابن كمال باشا (^٢) وطاشكبرى زاده إلى الفرق بينهما، فقال طاشكبرى (^٣): إنّهم يعبّرون عن «المبسوط» و«الزيادات» و«الجامعين» برواية الأصول، وعن «المبسوط» و«الجامع الصغير» و«السير الكبير» بظاهر الرواية، ومشهور الرواية. انتهى.
(غير ظاهر الرواية: وهي المسائلُ التي رويت عن الأئمّة، لكن في غير الكتب المذكورة، وهي على ثلاثة أقسام:
الأول: قسم في كتب أخر لمحمّد لم تشتهرِ عن محمّد - ﵁ -، ولم تروَ عنه بطرقٍ كطرقِ الكتب الأول، وهي:
«الكيانيات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل يسمى كيان، وقد يوجد في بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى (^٤): لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول.
«الرقيَّات»: وهي مسائل جمعها محمد حين كان قاضيًا بالرقّة.
«الجُرجانيّات»: وهي مسائل جمعها محمد بجرجان.
«الهارونيّات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون.
الثاني: قسم في كتبِ غير محمّد، كـ «المجرَّد» للحسن بن زياد، ومنها: كتب «الأمالي». والإملاء: أن يقعدَ العالم وحوله تلامذه بالمحابر والقراطيس، فيتكلَّمُ العالم بما فتحَ الله عليه من العلم، وتكتب التلامذةُ ما تكلَّمَ مجلسًا مجلسًا، ثمَّ يجمعون ما كتبوا، فيصير كتابًا، ويسميّ بـ «الأمالي»، وكان هذا عادة المتقدّمين.
_________________
(١) في «شرح رسم المفتي» (ص ١٦ - ١٨).
(٢) ينظر: رأي ابن كمال باشا في «شرح رسم المفتي» (ص ١٧ - ١٨).
(٣) من «مفتاح السعادة» (٢: ٢٣٧).
(٤) في «مفتاح السعادة» (٢: ٢٣٧).
[ ١ / ٩٦ ]
الثالث: الرواياتُ المتفرّقةُ: النوادر: وهي كتب غير ظاهر الرواية عن محمد بن الحَسَن، وهي ثمان: «نوادر هشام (^١)»، و«نوادر ابن سماعه (^٢)»، و«نوادر ابن رستم (^٣)»، و«نوادر داود بن رشيد»، و«نوادر المعلى»، و«نوادر بشر»، و«نوادر بن شجاع البلخي أبى نصر»، و«نوادر أبى سليمان» (^٤).
(علاماتِ الفتوى والترجيح، وهي:
للترجيح الصحيح ألفاظ بعضُها أقوى من بعض، وسأوردها مرتبة على حسب قوّتها:
عليه عمل الأمة.
عليه الفتوى، وبه يفتى.
الفتوى عليه.
الصحيح أو الأصح على الخلاف الآتي ذكره.
به نأخذ، أو عليه فتوى مشايخنا، أو هو المعتمد، أو هو الأشبه (^٥)، أو هو الأوجه (^٦)، أو به يعتمد، أو عليه الاعتماد، أو عليه العمل اليوم، أو هو الظاهر أو
_________________
(١) وهو هشام بن عبيد الله الرَّازِيّ، مات محمد بن الحسن في مَنْزله بالرَّيِّ، ودفن في مَقْبَرِتِهم، من مؤلفاته: «النوادر»، و«صلاة الأثر»، قال: لقيت ألفًا وسبعمئة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمئة ألف درهم. ينظر: «الجواهر» (٣: ٥٦٩ - ٥٧٠). «طبقات ابن الحنائي» (ص ٢٨). «الفوائد» (ص ٣٦٤).
(٢) وهو محمد بن سَماعة بن عبيد الله التَّميميّ، أبو عبد الله، وكان سبب كتابةِ ابن سماعة النوادر عن محمد أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حينئذ، فكتب عنه النوادر. من مؤلفاته: «أدب القضاء»، و«المحاضر والسجلات»، (ت ٢٣٣ هـ). ينظر: «التقريب» (ص ٤١٧)، «الجواهر» (٣: ١٦٨ - ١٧٠).
(٣) وهو إبراهيم بن رستم المَرْوزيّ، أبوبكر، تفقه على محمد، وروى عن نوح الجامع، وسمع مالك، (ت ٢١١ هـ). ينظر: «الفوائد» (ص ٢٧).
(٤) ينظر التفصيل السابق في: «مفتاح السعادة» (٢: ٢٣٧). «الكشف» (٢: ١٢٨٣). «شرح رسم المفتي» (١٦ - ١٧). «النافع الكبير» (ص ١٧ - ١٩). «أدب المفتي» (ص ٨٧٠). وغيرها.
(٥) معنى الأشبه: الأشبه بالنصوص رواية، والراجحُ دراية - دليلًا ـ، فيكون عليه الفتوى. ينظر: «رد المحتار» (١: ٤٩).
(٦) أي الأظهر وجهًا من حيث إن دلالة الدليل عليه متجهةٌ ظاهرةٌ أكثر من غيره. ينظر: «رد المحتار» (١: ٧٢).
[ ١ / ٩٧ ]
هو الأظهر، أو هو المختار، أو به جرى العرف اليوم، أو هو المتعارف، أو به أخذ علماؤنا، وغيرها، فجميع هذه الألفاظ متساوية غير أن صيغ التفضيل تجري على الاختلاف الآتي ذكره في الأصح والصحيح (^١)، قال محمد تقي العثماني (^٢): والراجح أن اسم التفضيل من بين هذه الألفاظ أرجح على غيره.
الخلاف في الصحيح والأصح أيهما أقوى:
قال بعضهم: إن الأصح أقوى من الصحيح؛ لكونه اسم تفضيل.
وقال الآخرون: إن الصحيح أقوى من الأصح؛ لأن الصحيحَ مقابله خطأ (^٣)، والأصح مقابله الصحيح، وما كان مقابله خطأ آكد ممَّا كان مقابله صحيحًا.
قال محمد تقي العثماني (^٤): والقول الفصل في هذا الباب أنه إذا كان قائل كلا اللفظين واحدًا، فالأصح مقدَّم على الصحيح بالاتفاق. وأما إذا كان قائل الصحيح غير قائل الأصح، فهو على الخلاف المذكور، والراجح في مثله أن الصحيح مقدم على الأصح. وليتنبه هاهنا أن هذا التفضيل يجري في الأقوال المختلفة، أما إذا استعمل لفظ: الأصح في ترجيح تصحيح على تصحيح آخر فلا شك في أن الأصح راجح على الصحيح، وهذا كما لو ذكر واحد تصحيحين عن إمامين ثم قال: إن هذا التصحيح الثاني أصح من الأول مثلًا فلا شكّ أن مرادّه ترجيح ما عبر عنه بكونه أصحّ (^٥).
وعليه إذا ذيلت رواية في كتاب معتمدٍ في الأصحّ، أو الأولى، أو الأوفق، أو نحوها؛ فله أن يفتي بها وبمخالفها أيًّا شاء، وإذا ذيِّلت بالصحيح أو المأخوذ، أو به يفتى، أو عليه الفتوى، لم يفت بمخالفته إلا إذا كان في «الهداية» مثلًا: هو
_________________
(١) ينظر: «أصول الإفتاء» (ص ٣٦). «الدر المختار» (١: ٥٠) «رد المحتار» (١: ١٨٦).
(٢) في «أصول الإفتاء» (ص ٣٦).
(٣) قال بيري: ينبغي أن يقيّد ذلك بالغالب؛ لأنا وجدنا مقابل الأصح الرواية الشاذة. ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ٣٨).
(٤) في «أصول الإفتاء» (ص ٣٦).
(٥) وقريب منه قال ابن عابدين في «شرح رسم المفتي» (ص ٣٨). وينظر: «الدر المختار» (١: ٥٠).
[ ١ / ٩٨ ]
الصحيح؛ وفي «الكافي» بمخالفه: هو الصحيح؛ فيخيّر فيختارُ الأقوى عنده، والأليق، والأصلح (^١).
وأيضًا: إذا صحح كل من الروايتين بلفظ واحد كأن ذكر في كل واحدة منهما هو الصحيح أو الأصح أو به يفتى تخير المفتي. وإذا اختلف اللفظ؛ لأنه كان أحدهما لفظ: الفتوى؛ فهو أولى؛ لأنه لا يفتى إلا بما هو صحيح، وليس كل صحيح يفتى به؛ لأن الصحيح في نفسه قد لا يفتى به؛ لكونه غير أوفق لتغيّر الزمان وللضرورة ونحو ذلك، فما فيه لفظ الفتوى يتضمن شيئين أولهما الإذن بالفتوى به، والآخر صحته؛ لأن الإفتاء به تصحيح له، بخلاف ما فيه لفظ الصحيح أو الأصح مثلًا، وإن كان لفظ الفتوى في كل منهما فإن كان أحدهما يفيد الحصر مثل به يفتى أو عليه الفتوى فهو الأولى ومثله بل أولى لفظ: عليه عمل الأمة؛ لأنه يفيد الإجماع (^٢).
والقول بالتخيير فيما إذا وجد قولان مصححان أو متعارضان ورجح كلٌّ منهما فليس على إطلاقه، وإنما في المسألة تفصيل:
أولًا: إذا كان الترجيحان من رجل واحد عمل بالمتأخر منهما إن عرف التاريخ وإن لم يعرف التاريخ رجح المفتي أحدهما بمرجحات سيأتي ذكرها.
ثانيًا: إذا كان الترجيحان من رجلين مختلفين رجح المفتي أحدهما بمرجحات، وهي:
إذا كان أحد التصحيحين صريحًا والآخر التزامًا عمل بالصريح.
إذا كان أحد التصحيحين بلفظ أقوى بالنسبة إلى تصحيح آخر رجّح ما لفظه أقوى.
إذا كان أحدهما مذكورًا في المتون والآخر مذكورًا في غيرها فالراجح ما في المتون.
إذا كان أحدهما ظاهر الرواية والآخر غيره فالراجح ما هو ظاهر الرواية.
إذا كان أحدهما قول الإمام والآخر قول صاحبيه فالراجح قول الإمام.
إذا كان أحدهما مختار أكثر المشايخ والآخر مختار قليل منهم فالراجح ما اختاره الأكثر.
_________________
(١) ينظر: «الدر المختار» (١: ٥٠).
(٢) ينظر: «شرح رسم المفتي» (ص ٣٨ - ٣٩).
[ ١ / ٩٩ ]
إذا كان أحدهما قياسًا والآخر استحسانًا فالراجح الاستحسان.
إذا كان أحدهما أوفق بالزمان كان راجحًا على غيره.
إذا كان أحد القولين أقوى في الدليل عند مفتٍ أهل للنظر في الدليل فهو أولى من غيره.
إذا كان أحد القولين أنفع للفقراء فهو أولى من غيره في باب الزكاة.
إذا كان أحد القولين أنفع للوقف فهو أولى من غيره.
إذا كان أحد القولين أدرأ للحدّ فهو أولى من غيره.
إذا كان التعارض بين الحل والحرمة فالراجح هو المحرم.
أما إذا لم يظهر للمفتي شيء من المرجِّحات فهو بالخيار ويأخذ أحدهما بشهادة قلبه مجتنبًا عن التشهي وطالبًا للصواب من الله تعالى (^١).