هو سُنَّةٌ للفرائضِ فَحَسْبُ في وقتِها، فيعادُ لو أذَّنَ قبلَه، ويؤذِّنُ عالمًا بالأوقات لينالَ الثَّواب
باب الأذان
(هو سُنَّةٌ للفرائضِ فَحَسْبُ (^١) في وقتِها): أي هو سُنَّةٌ للفرائض الخمس والجُمُعة، وليس بسُنَّةٍ في النَّوافل، وقولُهُ: في وقتِها، احترازٌ عن الأذانِ قبلِ الوقت، وعن الأذان بعد الوقت؛ لأجل الأداء، فأمَّا الأذانُ بعد الوقتِ للقضاء، فهو مسنونٌ أيضًا، ولا (^٢) يَرِدُ إشكالٌ (^٣)؛ لأنَّه في وقتِ القضاء، ولا يضرُّ كونُهُ بعد وقتِ الأداء؛ لأنَّه ليس للأداء، بل للقضاءِ في وقتِه، قال - ﷺ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» (^٤)، وعند (^٥) أبي يوسف والشَّافِعيِّ (^٦) - ﵃ - يجوزُ للفجرِ في النِّصفِ الأخيرِ
من اللَّيل.
(فيعادُ لو أذَّنَ قبلَه (^٧)، ويؤذِّنُ عالمًا بالأوقات لينالَ الثَّواب): أي الثَّواب الذي
_________________
(١) احترز عن الوتر وصلاة العيدين والكسوف والخسوف والتراويح والسنن والرواتب وغيرها. ينظر: «رمز الحقائق» (١: ٣٢).
(٢) في م: فلا.
(٣) لأن مراده ليس وقت الأداء فحسب، بل وقت ذلك الفرض الذي يؤديه أداء كان أو قضاء، والوقت الذي يقضى فيه الصلاة وإن لم يكن وقتًا لأدائها، لكنها وقت للقضاء البتة، فصدق أن الأذان في وقت الفرض المؤدى؛ لأنه ليس إلا للقضاء لا للأداء، فهو في وقته. ينظر: «السعاية» (٢: ١٠).
(٤) روي الحديث بألفاظ مختلفة في «صحيح البخاري» (١: ٢١٥)، و«صحيح مسلم» (١: ٤٧١)، و«سنن الدارمي» (١: ٣٠٥)، و«مسند أبي عوانة» (١: ٧٠)، و«المنتقى» (١: ٧٠)، بدون زيادة «فإن ذلك وقتها»، ورواها الدارقطني في «سننه» (١: ٤٢٣)، والبيهقي في «سننه الكبير» (٢: ٢١٩) عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «فوقتها إذا ذكرها»، قال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (١: ١٥٥) عن هذه الزيادة: ضعيفة جدًا، وقال ابن الملقن «خلاصة البدر المنير» (١: ٧٠) عنها: ضعيفة.
(٥) في ص وف وم: وعن.
(٦) ينظر: «التنبيه» (ص ٢٠).
(٧) أي قبل وقت الأداء؛ لعدم الاعتداد بما قبله. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٠٠).
[ ٢ / ١١٠ ]
مستقبل القبلة، وأُصْبَعاهُ في أُذُنَيه، ويَتَرَسَّلُ فيه، بلا لَحْنٍ وترجيع، ويُحَوِّلُ وجهَهُ في الحَيْعلتيْن يَمْنةً ويَسْرة، ويَسْتَدْيرُ في صومعتِهِ إن لم يمكنْ التَّحويل مع الثَّبات في مكانِه ويقولُ: بعد فلاحِ الفجرِ الصَّلاة خيرٌ من النَّوم مرَّتين، والإقامةُ مثلُه
وُعِدَ للمؤذِّنين، (مستقبل القبلة (^١)، وأُصْبَعاهُ في أُذُنَيه (^٢)، ويَتَرَسَّلُ فيه): أي يتمهَّل (^٣)، (بلا لَحْنٍ وترجيع): لَحَّنَ في القراءة: طربَ وتَرَنَّمَ، مأخوذٌ من ألحان الأغاني (^٤)، فلا يُنْقِصُ شيئًا من حروفِه، ولا يزيد في أثنائِه حرفًا، وكذا لا يُنْقِص، ولا يزيدُ من كيفياتِ الحروف، كالحركاتِ والسَّكنات، والمدَّات، وغيرِ ذلك؛ لتحسين الصَّوت، فأمَّا مجرَّدُ تحسينِ الصَّوتِ بلا تغييرِ لفظٍ فإنَّه حَسَن، والتَّرجيعُ في الشَّهادتين أن يخفضَ بهما، ثُمَّ يرفعُ الصَّوت بهما.
(ويُحَوِّلُ وجهَهُ في الحَيْعلتيْن يَمْنةً ويَسْرة (^٥)، ويَسْتَدْيرُ في صومعتِهِ (^٦) إن لم يمكنْ التَّحويل مع الثَّبات في مكانِه): المرادُ أنَّه إذا كان المئذنة (^٧) بحيث لو حوَّلَ وجهَهُ مع ثباتِ قدميه لا يحصلُ الإعلام، فحينئذٍ يستديرُ فيها، فيخرجُ رأسَهُ من الكَوَّة (^٨) اليُمْنى، ويقول: حيِّ على الصَّلاة ثُمَّ يذهبُ إلى الكَوَّة اليُسرى، ويُخْرِجُ رأسَه، ويقول: حيَّ على الفلاح.
(ويقولُ: بعد فلاحِ الفجرِ الصَّلاة خيرٌ من النَّوم مرَّتين، والإقامةُ مثلُه) خلافًا
_________________
(١) ويكره تركه تنْزيهًا، ولو قدَّم في الأذان والإقامة مؤخرًا أعاد ما قدَّم فقط، كما لو قد الفلاح على الصلاة يفيده فقط ولا يستأنف الأذان من أوله. ينظر: «رد المحتار» (١: ٢٦٠).
(٢) أي يجعل أصبعيه في صماخ أذنيه، فأذانه بدونه حسن، وبه أحسن. ينظر: «الدر المختار» (١: ٢٦٠).
(٣) بأن يفصل بين كل جملتين منه بسكتة يسع فيه الإجابة. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٠٢).
(٤) ينظر: «اللسان» (٦: ٤٠١٣).
(٥) ولو وحده أو لمولود؛ لأنه سنة الأذان مطلقًا. ينظر: «الدر المختار» (١: ٢٥٩).
(٦) أي المنارة، وفي الأصل هي منارة الرَّاهب التي يتعبد بها فيها. كذا في «رمز الحقائق» (١: ٣٢).
(٧) في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨: ٤١٩): عن أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله - ﷺ - مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره. قال السيوطي في «الوسائل إلى معرفة الأوائل» (ص ٢٧): أول من رقى منارة بمصر للأذان شرحبيل بن عامر المرادي، وبنى مسلمة المنائر للأذان بأمر معاوية، ولم تكن قبل ذلك.
(٨) الكَوَّة: الخرق في الحائط. ينظر: «اللسان» (٦: ٣٩٦٤).
[ ٢ / ١١١ ]
لكن يَحْدِرُ فيها، ويقولُ بعد فلاحِها: قد قامت الصَّلاةُ مرَّتين، ولا يتكلَّمُ فيهما، واستحسنَ المتأخِّرونَ تثويبَ الصَّلاةِ كلِّها، ويجلسُ بينَهما إلاَّ في المغرب، ويؤذِّنُ للفائتة، ويقيم
للشَّافِعِيِّ (^١) - ﵁ - فإن عنده الإقامةُ فُرادَى إلاَّ قد قامَت الصَّلاة. (لكن يَحْدِرُ (^٢) فيها، ويقولُ بعد فلاحِها: قد قامت الصَّلاةُ مرَّتين، ولا يتكلَّمُ فيهما): أي لا يتكلَّمُ في أثناءِ الأذان، ولا في أثناءِ الاقامة.
(واستحسنَ المتأخِّرونَ تثويبَ الصَّلاةِ كلِّها) (^٣)، التَّثويبُ (^٤) هو الإعلامُ بعد الإعلام (^٥).
(ويجلسُ بينَهما (^٦) إلاَّ في المغرب، ويؤذِّنُ للفائتة، ويقيم): أي إذا صلَّى فائتة
_________________
(١) ينظر: «المنهاج» (١: ١٣٦).
(٢) حدر في قراءته وفي أذانه: أسرع. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ١٢٦).
(٣) قال التُّمُرْتَاشِيُّ في «منح الغفار في شرح تنوير الأبصار» (ق ١: ٥٠/أ): أفادَ صاحبُ «الوقايةِ» بمفهومِهِ أنه ليسَ بمستحسنٍ عندَ المتقدِّمين، وهو كذلك. فقد صرَّح في «البحرِ»، وغيرِه: أنه مكروهٌ عندهم في غيرِ الفجر، وهو قولُ الجمهور، كما حكاهُ النَّوَوِيُّ في «المجموع شرح المهذب» (٣: ١٠٦). وأفادَ بإطلاقِهِ أنَّهُ لا يخصُّ شخصًا دون شخص، فالأميرُ وغيرُهُ سواء، وهو قولُ محمَّد.
(٤) اختلف الفقهاء في التثويب على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يكره في جميع الصلوات إلا الفجر؛ لكونه وقت نوم وغفلة. الثاني: أنه يجوز للأمراء ولكل من كان مشغولًا بمصالح المسلمين كالقاضي والمفتي، وهو ما قاله أبو يوسف واختاره قاضي خان. والثالث: ما اختاره المتأخرون أن التثويب مستحسن في جميع الصلوات لجميع الناس؛ لظهور التكاسل في أمور الدين ولا سيما في الصلاة. وتفصيل الأقوال وأدلتها في «التحقيق العجيب في التثويب».
(٥) ويكون التثويب بما تعورف كتنحنح، أو قامت قامت، أو الصلاة الصلاة، ولو أحدثوا إعلامًا مخالفًا لذلك جاز. ينظر: «رد المحتار» (١: ٢٦١).
(٦) ليس المراد به خصوص الجلوس، بل الفصل بين الأذان والإقامة مقدار ما يحضر القوم ويصلون السنن مع مراعاة الوقت المستحب، أما في المغرب فقال أبو حنيفة: الأفضل أن لا يجلس فيه، بل يكتفي فيه بالسكوت بمقدار ثلاث آيات قصار أو ثلاث خطوات؛ لئلا يلزم تأخير المغرب المنهي عنه، وقالا: يجلس بينهما جلسة خفيفة كجلسة الخطيب. ينظر: «السعاية» (٢: ٢٨).
[ ٢ / ١١٢ ]
وكذا لأولى الفوائت، ولكلِّ من البواقي يأتي بهما، أو بها. وجازَ أذانُ المحدث، وكُرِه إقامتُه، ولم تعاد، وكُرِه أذانُ الجُنُبِ وإقامتِه، ولا تعادُ هي، بل هو، كأذان المرأة، والمجنون، والسَّكران، ويأتي بهما المسافر، والمصلِّي في المسجدِ جماعة، أو في بيتِه في مصر، وكُرِه تَرْكُهما للأولين لا للثَّالِث
واحدة، (وكذا لأولى الفوائت): أي إذا صلَّى فوائتَ كثيرة، (ولكلِّ من البواقي يأتي بهما، أو بها (^١).
وجازَ أذانُ المحدث، وكُرِه إقامتُه (^٢)، ولم تعاد، وكُرِه أذانُ الجُنُبِ وإقامتِه، ولا تعادُ هي، بل هو)؛ لأنه لم يُشْرَعْ تكرارُ الإقامة؛ لأنَّها لإعلام الحاضرين، فتكفي الواحدة، والأذانُ لإعلامِ الغائبين، فيحتملُ سماعُ البعضِ دون البعض، فتكرارُه مفيد. (كأذان المرأة (^٣)، والمجنون، والسَّكران) (^٤): أي يُكْرَه، ويستحبُّ إعادتُه.
(ويأتي بهما المسافر، والمصلِّي في المسجدِ جماعة، أو في بيتِه في مصر، وكُرِه تَرْكُهما للأولين لا للثَّالِث): أي كُرِهَ (تركُهما: أي) (^٥) تركُ كلِّ واحدٍ منهما للمسافر، والمصلِّي في المسجدِ جماعة، أمَّا تركُ واحدٍ منهما، فلم يذكره، فنقول: أمَّا المصلِّي في المسجدِ جماعة، فيكرَهُ له تركُ واحدٍ منهما، وأمَّا المسافر فيجوزُ له الاكتفاءُ بالإقامة.
و(أمَّا) (^٦) المصلِّي في بيتِهِ في مصرٍ إن تَرَكَ كلًا منهما فيجوز (^٧)؛ لقولِ ابن مسعود - ﵁ -:
_________________
(١) في «الدر المختار» (١: ٢٦٢): يخير في الأذان للباقي لو في مجلس، وفعله أولى، ويقيم للكل، وفي «نور الإيضاح» (١: ٢٢٣): وكره ترك الإقامة دون الأذان في البواقي إن اتحدّ المجلس.
(٢) أي المحدث؛ لأن الإقامة لم تشرع إلا متصلة بصلاة المقيم، ولم يكره أذانه؛ لأنه ذكر يستحب فيه الطهارة، فلا يكره بدونها كقراءة القرآن، وقيل: يكره. ينظر: «فتح باب العناية» (ص ١: ٢٠٨).
(٣) لأنه لم ينقل عن السلف حين كانت الجماعة مشروعة في حقهن، فيكون من المحدثات ولاسيما بعد انتساخ جماعتهن، ولأنها منهية عن رفع صوتها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، وينبغي أن تكون الخنثى كالمرأة. ينظر: «التبيين» (١: ٩٤)، و«البحر» (١: ٢٧٧).
(٤) لعدم الوثوق بقولهما ولفقد تميزهما، فيتعين إعادة أذانهما وإقامتهما، وكذا يعاد أذان الصبي الذي لا يعقل. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٠٩).
(٥) زيادة من ص وف وم.
(٦) زيادة من م.
(٧) ينظر: «درر الحكام» (١: ٥٦ - ٥٧).
[ ٢ / ١١٣ ]
ويقومُ الإمامُ والقومُ عند حيِّ على الصَّلاة، ويَشْرَعُ عند قد قامت الصَّلاة. والله أعلم.