ومَن شاءَ إحرامَهُ توضَّأ، وغسلُهُ أحبّ، ولَبِسَ إزارًا ورداءً طاهرين، وتطيَّبَ وصلَّى شفعًا. وقال المفردُ بالحجّ: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ فيسرْهُ لي، وتقبلْهُ منِّي، ثُمَّ لَبَّى ينوي به الحجّ، وهي: لبيكَ اللَّهُمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك، ولا يُنْقِصُ منها، وإن زادَ جاز. وإذا لَبَّى ناويًا فقد أحرم، فيتَّقي الرَّفثَ، والفسوقَ، والجدالَ
(ولِمَن سكن (^١) بمكَّة للحجِّ الحرم، وللعمرةِ الحلّ)؛ لأنَّ الحجَّ في عرفات، وهي في الحلّ، فإحرامُهُ من الحرم، والعمرةُ في الحرم، فإحرامُهُ من الحلّ؛ ليتحقَّقَ نوعُ سفر.
[بابُ الإحرام] (^٢)
(ومَن شاءَ إحرامَهُ توضَّأ، وغسلُهُ أحبّ، ولَبِسَ إزارًا ورداءً (^٣) طاهرين، وتطيَّبَ وصلَّى شفعًا (^٤).
وقال المفردُ بالحجّ: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ فيسرْهُ لي، وتقبلْهُ منِّي، ثُمَّ لَبَّى ينوي به الحجّ، وهي: لبيكَ اللَّهُمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك، ولا يُنْقِصُ منها، وإن زادَ جاز.
وإذا لَبَّى ناويًا فقد أحرم، فيتَّقي الرَّفثَ، والفسوقَ، والجدالَ).
الرَّفث: الجماع، أو الكلامُ الفاحش، أو ذِكْرُ الجماعِ بحضرةِ النِّساء، فقد رُوِيَ أنّ ابنَ عبَّاس لِمَّا أنشدَ قولَه:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيْسًَا … إِنْ يَصْدُق الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيْسَا
_________________
(١) زيادة من أ وب وس.
(٢) زيادة من م.
(٣) هذا بيانُ الأقلِّ الأفضل، وإلاَّ فلو اكتفى على واحد، أو لَبِس أكثر جاز، والشرطُ هو الاجتنابُ عن المخيط. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٣٢٦).
(٤) شفعًا: أي ركعتين عند إحرامه. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٢٦).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وقتلَ صيدِ البَرِّ لا البحر، والإشارةَ إليه، والدَّلالةَ عليه، والتَّطيب، وقَلْمَ الإظفار، وسترَ الوجهِ والرَّأس، وغسلَ رأسِهِ ولحيتِه بالخِطْمِي، وقَصَّها، وحلقَ رأسِه وشعرِ بدنِه، ولُبْسَ قميصٍ وسراويل، وقباءٍ وعِمامة، وقَلَنْسُوة، وخُفَّين، وثوبًا صُبِغ بما له طِيِبٌ إلاَّ بعد زوالِ طيبه، لا الاستحمام، والاستضلالَ ببيتٍ ومَحمِل، وشدَّ
قيل له: أترفُثُ وأنت محرم، فقال (ابن عبَّاس) (^١): إنِّما الرَّفثُ ما خُوطِبَ به النِّساء (^٢).
والضِّميرُ في هُنَّ يرجعُ إلى الإبل، والهَمِيس: صوتُ نَعْلِ أخفافِها، واللَمِيسُ اسمُ جارية، والمعنى نفعلُ بها ما نريدُ إن يَصْدُقَ الفَأْل (^٣).
والفسوقُ: هي المعاصي.
والجِدالُ: أن يجادلَ رفيقَه، وقيل: مجادلةُ المشركين في تقديم وقتِ الحجِّ وتأخيره.
(وقتلَ صيدِ البَرِّ لا البحر، والإشارةَ إليه، والدَّلالةَ عليه، والتَّطيب، وقَلْمَ الإظفار وسترَ الوجهِ والرَّأس، وغسلَ رأسِهِ ولحيتِه بالخِطْمِي، وقَصَّها، وحلقَ رأسِه وشعرِ بدنِه، ولُبْسَ قميصٍ وسراويل، وقباءٍ وعِمامة، وقَلَنْسُوة (^٤)، وخُفَّين (^٥)، وثوبًا صُبِغ بما له طِيِبٌ إلاَّ بعد زوالِ طيبه، لا (^٦) الاستحمام، والاستضلالَ ببيتٍ ومَحمِل): المَحمِل بفتح الميم الأولى (^٧)، وكسر الثَّانية (^٨)، وعلى العكس (^٩): الهَوْدَجُ الكبير (^١٠)، (وشدَّ
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) ورد هذا الأثر في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣: ٣١٠)، واللفظ له، و«سنن البيهقي الكبرى» (٥: ٦٧): عن أبي العالية عن ابنِ عبَّاس - ﵁ -، قال تمثَّل هذا البيت: وهو محرم، قال: إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيْسَا وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيْسًَا قال: فقيل له: تقول هذا وأنت محرم، فقال: إنِّما الفجشُ ما روجعَ به النِّساء وهم محرومون. اهـ.
(٣) الفأْل: بسُكُونِ الهمزة ويجوزُ التَّخْفِيفُ: هُوَ أَنْ تَسْمَعَ كلامًا حَسَنًا فَتَتَيَمَّنَ به، وإنْ كَانَ قَبِيحًا فَهُوَ الطِّيَرَةُ، وَجَعَلَ أَبُو زَيْدٍ الفأْلَ فِي سَمَاعِ الكلاميْنِ، وَتَفَاءَلَ بِكَذَا تَفَاؤُلًا. ينظر: «المصباح» (ص ٤٨٥).
(٤) زيادة من أ وب س.
(٥) إلا أن لا يجد نعلين، فيقطع أسفل من الكعبين. ينظر: «درر الحكام» (١: ٢٢٣).
(٦) أي لا يتَّقي.
(٧) في أ وب وس وص وف: الأول.
(٨) في أ وب وس وص وف: الثاني.
(٩) أي بكسر الميم الأولى وفتح الميم الثانية.
(١٠) ينظر: «المغرب» (ص ١٣٠).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
هِمْيان في وسطِه، وأكثرَ التَّلْبيةَ متى صلَّى، أو علا شرفًا، أو هَبَطَ واديًا، أو لَقِيَ رُكْبانًا، أو أسحر. وإذا دَخَلَ مكَّةَ بدأ بالمسجد، وحين رأى البيتَ كَبَّرَ وهلَّل، ثُمَّ استقبلَ الحَجَرَ الأسودَ، وكبَّرَ وهَلَّل، يرفعُ يديه كالصَّلاة واستلمَه، إن قَدِرَ غير مؤْذ وإلاَّ يُمِسُّ شيئًا في يدِه، ثُمَّ قبَّلَه، وإن عَجَزَ عنهما استقبلَه، وكبَّرَ وهلَّل، وحَمِدَ الله تعالى، وصلَّى عليه وسلم، وطافَ طوافَ
هِمْيان (^١) في وسطِه): يعني الهِمْيان مع أنه مَخِيطٌ لا بأسَ بشدِّه على حِقْوِه (^٢).
(وأكثرَ التَّلْبيةَ (^٣) متى صلَّى، أو علا شرفًا، أو هَبَطَ واديًا، أو لَقِيَ رُكْبانًا، أو أسحر (^٤).
وإذا دَخَلَ مكَّةَ بدأ بالمسجد (^٥)، وحين رأى البيتَ كَبَّرَ وهلَّل، ثُمَّ استقبلَ الحَجَرَ الأسودَ (^٦)، وكبَّرَ وهَلَّل، يرفعُ يديه كالصَّلاة واستلمَه): أي تناولَهُ باليد، أو بالقبلة، أو مسحَهُ بالكفّ، من السَّلِمة بفتحِ السِّين وكسرِ اللام وهي الحَجَر (^٧)، (إن قَدِرَ غير مؤْذ): أي من غيرِ أن يؤَذي مُسْلِمًا ويزاحِمَه، (وإلاَّ يُمِسُّ شيئًا في يدِه، ثُمَّ قبَّلَه (^٨)، وإن عَجَزَ عنهما (^٩) استقبلَه، وكبَّرَ وهلَّل، وحَمِدَ الله تعالى، وصلَّى عليه وسلم، وطافَ طوافَ
_________________
(١) هِمْيان: كيسٌ يجعلُ فيه النفقةُ ويشدُّ على الوسطِ، وجمعُهُ هَمَايين قال الأزهريّ: وهو معربٌ دخيلٌ في كلامهم. ينظر: «المصباح المنير» (ص ٦٤٢).
(٢) حِقْوه: الخصر، ومشد الإزار من الجنب. ينظر: «اللسان» (٢: ٩٤٨).
(٣) أي ندبًا. كما في «الدر المختار» (٢: ١٦٤).
(٤) أي دخل في وقت السحر.
(٥) أي بأن لا ينْزل منْزلًا، ولا يزور أحدًا، بل يقصد المسجد الحرام، ويكون بعد أن يأمن على أمتعته. ينظر: «شرح ملا مسكين» (ص ٧٦)، و«فتح الله المعين» (١: ٤٧٤).
(٦) زيادة من س.
(٧) استلام الحجر الأسود لمسه بفمٍ أو يد، وقيل: هو استعمالٌ مأخوذٌ من السَّلِمة بكسر اللام بعد فتح السين، وهي الحجر، وجمعه السلام بكسر السين، كما يقال اكتحل: أي استعمل الكحل، فكذلك استلم: أي استعمل السَّلِمة. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣٠)، و«العناية» (٢: ٤٥٠)، و«البحر» (٢: ٣٥٦).
(٨) أي يقبل الشيء. ينظر: «الدر المختار» (٢: ١٦٦).
(٩) أي الاستلام والامساس. ينظر: «درر الحكام» (١: ٢٢٢).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
القدوم، وسُنَّ للآفاقيّ، وأخذَ عن يمينِه، فيبتدئُ ممِّا يلي الباب، جاعلًا رداءَه تحت إبطه اليمين مُلقيًا طرفَه على كتفِهِ اليُسْرى، ووراءَ الحطيمِ سبعةُ أشواط
القدوم، وسُنَّ للآفاقيّ، وأخذَ عن يمينِه (^١)، فيبتدئُ (^٢) ممِّا يلي الباب)، الضِّميرُ في يمينِهِ يرجعُ إلى الطَّائف، فالطَّائفُ المستقبلُ للحجر يكونُ يمينُه إلى جانبِ الباب، فيبتدئُ من الحجرِ ذاهبًا إلى هذا الجانب، وهو المُلْتَزَمُ (^٣) أي ما بين الحجرِ إلى الباب، (جاعلًا رداءَه تحت إبطه اليمين مُلقيًا طرفَه على كتفِهِ اليُسْرى).
وفي «المختصر» (^٤): قلت: مضطبعًا، ومعنى الاضطباعِ هذا.
(ووراءَ الحطيمِ سبعةُ أشواط): الحَطِيمُ مشتقٌّ من الحَطْم، وهو الكسر، وهو موضعٌ فيه المِيزَاب (^٥)، سمِّيَّ بهذا؛ لأنَّه حُطِمَ من البيت: أي كُسِر، رُوِي عن عائشةَ - ﵁ - أنَّها نَذَرت إن فَتَحَ اللهُ تعالى مكَّةَ على رسولِه - ﷺ - أن تصلِّيَ في البيتِ ركعتين، فلمَّا فتحتْ مكَّةُ أَخَذَ رسولُ الله - ﷺ - بيدِها وأدخلَها الحَطيم (^٦)، وقال: «صَلِّي هَاهُنَا فَإِنَّ الحَطِيمَ مِنَ البَيْتِ إِلاَّ أَنَّ قَوْمَكَ قَصُرَتْ بِهْم النَّفَقَةُ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالجَاهِليَّةِ؛ لَنَقَضْتُ بِنَاءَ الكَعْبَةِ، وَأَظْهَرْتُ قَوَاعَدَ الخَلِيِلِ - ﷺ -، وَأَدْخَلْتُ الحَطِيمَ فِي البَيْت
_________________
(١) أي يجعل الكعبة عن يساره، وفي هذا نكت كثيرة: منها: كون القلب محله يسار الطائف فاستحبَّ أن يجعل ذلك إلى الكعبة. ينظر: «ظفر الأنفال بحواشي غاية المقال» للكنوي (ص ١٣١).
(٢) زيادة من أ.
(٣) المُلْتَزَم: وهو ما بين باب الكعبة والحجرِ الأَسودِ؛ لأَنَّ النَّاس يَعْتَنِقُونَهُ: أَي يَضُمُّونَهُ إلى صُدُورِهِمْ. ينظر: «المصباح المنير» (ص ٥٤٤).
(٤) أي «النقاية» (ص ٦٢).
(٥) الْمِيزَابُ: المِثْقَبُ وجَمْعُهُ مآزِيبُ، وعن ابنِ السِّكِّيتِ قال الأَزْهَرِيُّ: ولا يقالُ الْمِزَابُ، ومَن تَرَكَ الْهَمْزَ قال في الْجَمْع: ميازيبُ وَمَوَازِيبُ: مِنْ وَزَبَ المَاءُ إذا سالَ. ينظر: «المعرب» (ص ٢٥).
(٦) عن عائشة - ﵁ - قالت: (كنت أحب أن أدخلَ البيتَ فأصلِّي فيه فأخذَ رسول الله - ﷺ - بيدي فأدخلني في الحجر، فقال: صلِّي في الحجر إذا أردت دخولَ البيتِ فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومَك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت) في «سنن أبي داود» (٣: ٢٢٥)، واللفظ له، و«سنن الترمذي» (٢: ٢١٤)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَأَلْصَقْتُ (^١) العَتَبَةَ عَلَى الأَرْض، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْن، بَابًَا شَرْقِيًَّا، وَبَابًَا غَرْبِيًَّا، وَلِئنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لأَفْعَلَنَّ ذَلِكَ» (^٢) فلم يعشْ، ولم يتفرَّغْ لذلك الخلفاءُ الرَّاشدون حتَّى كان زمنُ عبدِ الله بن الزُّبَير (^٣)، وكان سَمِعَ الحديثَ منها، ففعلَ ذلك، وأظهرَ قواعدَ الخليل - ﷺ -، وبنى البيتَ على قواعدِ الخليل - ﷺ - بمحضرٍ من النَّاس، وأدخلَ الحَطيمَ في البيت.
فلمَّا قُتِلَ كَرِهَ الحجَّاجُ (^٤) أن يكونَ بناءُ البيتِ على ما فعلَهُ ابنُ الزُّبَير، فنقضَ بناءَ الكعبة، وأعادَهُ على ما كان في الجاهلية، فلمَّا كان الحطيمُ من البيتِ يطافُ وراءَ الحَطيم، حتَّى لو دَخَلَ الفرجةَ لا يجوز، لكن إن استقبلَ المصلِّي الحطيم وحدَه لا يجوز؛ لأنَّ فرضيَّةَ التَّوجُّه ثَبَتَ بنصِّ الكتاب، فلا يتأدَّى بما ثَبَت بخبرِ الواحدِ احتياطًا (^٥)، والاحتياطُ في الطَّواف أن يكونَ وراءَ الحَطيم.
_________________
(١) في م: وألصقت.
(٢) عن عائشة - ﵁ - قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: (لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيتَ، ثم لبنيتُهُ على أساس إبراهيم - ﷺ -، فإن قريشًا استقصرت بناءه وجعلت له خلفًا) أي: بابا، في «صحيح البخاري» (١: ٥٩)، واللفظ له، و«صحيح مسلم» (٢: ٩٦٨)، و«صحيح ابن خزيمة» (٤: ٢٢٤)، و«سنن الدارمي» (٢: ٧٦)، و«المجتبى» (٥: ٢١٥)، وغيرها.
(٣) وهو عبد الله بن الزُّبير بن العوام الأسَديّ، وأمه أسماء بنت أبي بكر - ﵁ -، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، قال: الذهبي: أمير المؤمنين، وابن حواري الرسول - ﷺ -، كان صوامًا قوامًا بطلًا شجاعًا فصيحًا مفوّهًا، (١ - ٧٣ هـ). ينظر: «البداية والنهاية» (٨: ٣٣٢)، «تاريخ الخلفاء» (ص ٢١١)، «مشاهير علماء الأمصار» (١: ٣٠)، «مولد العلماء ووفياتهم» (١: ٦٩)، «تاريخ اليعقوبي» (٢: ٢٥٥)، «روض المناظر» (ص ١٢٥).
(٤) وهو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثَّقَفِيّ الطائفيّ، عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، ثم الوليد، قال الذهبي: كان شجاعًا مقدامًا مهيبًا داهيةً فصيحًا مفوّهًا بلغيًا سَفَّاكًا للدماء، (٤٠ - ٩٥ هـ). ينظر: «شذات الذهب» (١: ١٠٦)، «الفائق» (٣: ١١٠)، «البدء والتاريخ» (٦: ٢٨)، «التدوين في أخبار قزوين» (١: ١٢٣).
(٥) يشيرُ إلى أنَّ حكمَ عدم إجزاء التَّوجُّه إلى الحطيم وحدَه احتياطًا لا بمعنى أنه لا يتوجَّه إليه احتياطًا، فإن توجَّه جازَ، بل بمعنى أن عدمَ الجوازِ بُنِيَ على الاحتياط، فالاحتياطُ هو مبنى حكمُ عدمِ التأدي. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٣٣١).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ورَمَلَ في الثَّلاثةِ الأُوَلِ فقط من الحجرِ إلى الحجر، وكُلَّمَا مرَّ بالحجرِ فعلَ ما ذُكِر، ويستلمُ الرُّكنَ اليَماني، وهو حسن، وخَتَمَ الطَّوافَ باستلامِ الحجر، ثُمَّ صلَّى شفعًا يَجِبُ بعد كلِّ أُسبوعٍ عند المقام أو غيرِهِ من المسجد، ثُمَّ عادَ واستلمَ الحجر، وخرجَ فصَعدَ الصَّفا، واستقبلَ البيت، وكبَّرَ وهلَّل، وصلَّى على النَّبيِّ - ﷺ -، ورفعَ يديه ودعا بما شاء، ثُمَّ مشى نحو المروةِ ساعيًا بين الميلينِ الأخضرين، وصَعَدَ عليها، وفعلَ ما فعلَهُ على الصَّفا، يفعلُ هكذا سَبْعًا، يبدأُ بالصَّفا، ويختمُ بالمروة
(ورَمَلَ في الثَّلاثةِ الأُوَلِ فقط من الحجرِ إلى الحجر): وهو أن يمشي سريعًا، ويهزَّ في مشيتِه الكتفينِ كالمُبارزِ بين الصَّفين، وذلك مع الاضطباع، وكان سببُهُ إظهارَ الجلادةَ للمشركين، حيث قالوا: أضناهم حمَّى يَثْرِب (^١)، ثُمَّ بقي الحكمُ بعد زوالِ السَّبب في زمنِ النَّبيِّ - ﷺ - وبعدَه.
(وكُلَّمَا مرَّ بالحجرِ فعلَ ما ذُكِر (^٢)، ويستلمُ الرُّكنَ اليَماني (^٣)، وهو حسن، وخَتَمَ الطَّوافَ باستلامِ الحجر، ثُمَّ صلَّى شفعًا يَجِبُ بعد كلِّ أُسبوعٍ (^٤) عند المقام أو غيرِهِ من المسجد، ثُمَّ عادَ واستلمَ الحجر.
وخرجَ فصَعدَ الصَّفا، واستقبلَ البيت، وكبَّرَ وهلَّل، وصلَّى على النَّبيِّ - ﷺ -، ورفعَ يديه ودعا بما شاء، ثُمَّ مشى نحو المروةِ ساعيًا بين الميلينِ الأخضرين، وصَعَدَ عليها، وفعلَ ما فعلَهُ على الصَّفا، يفعلُ هكذا سَبْعًا، يبدأُ بالصَّفا، ويختمُ بالمروة): أي السَّعيُّ من الصَّفا إلى المروةِ شوط، ثُمَّ من المروةِ إلى الصَّفا شوطٌ آخر، فيكونُ بدايةُ السَّعي من الصَّفا، وختمُه، وهو السَّابعُ على المروة.
_________________
(١) عن ابن عباس - ﵃ -، قال: (قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الرُّكنين ولم يمنعه أن يأمرَهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) في «صحيح البخاري» (٤: ١٥٥٣)، واللفظ له، و«صحيح مسلم» (٢: ٩٢٣)، و«صحيح ابن خزيمة» (٤: ٢١٥)، و«سنن أبي داود» (٢: ١٧٨)، و«مسند أحمد» (١: ٢٩٤)، و«شعب الإيمان» (٣: ٤٥٧).
(٢) أي من الاستلام، أو المس بشيء وتقبيله، والتكبير، والتهليل …
(٣) الركن اليماني: طرفُ الكعبةِ الذي يلي الحجرَ الأسود من جانبِ يسارِ الطَّائف إذا قام مستقبل الحجر، نسبة إلى اليمن، وهو بتخفيف الياء على الصحيح، لإبدال إحدى يائي النسبة ألفًا، واستلامه لمسه بيده بكفيه أو بيمينه لا تقبيله وعن محمد يستحب تقبيله. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٤٦).
(٤) أي بعد سبع أشواط، وهي الطواف الواحد.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ثُمَّ يَسْكُنُ بمكَّةَ مُحرمًا، وطافَ بالبيتِ نفلًا ما شاء. وخطبَ الإمامُ سابعَ ذي الحجَّة، وعَلَّمَ فيها المناسك، ثُمَّ التَّاسعُ بعرفات، ثُمَّ الحادي عشرَ بمِنى، يَفْصِلُ بين كلِّ خطبتينِ بيوم. ثُمَّ خرجَ غداةَ يوم التَّروية، إلى مِنى، ومكثَ فيها إلى فجرِ يومِ عرفة
وفي روايةِ الطَّحَاوِيِّ (^١) السَّعيُّ من الصَّفا إلى المروة، ثُمَّ منها إلى الصَّفا شوطٌ واحد، فيكونُ أربعةَ عشرَ شوطًا على الرِّواية الثَّانية، ويقعُ الختمُ على الصَّفا، والصَّحيحُ هو الأَوَّل (^٢).
(ثُمَّ يَسْكُنُ بمكَّةَ مُحرمًا، وطافَ بالبيتِ نفلًا ما شاء (^٣).
وخطبَ الإمامُ سابعَ ذي الحجَّة (^٤)، وعَلَّمَ فيها المناسك)، وهي الخروجُ إلى مِنىً، والصَّلاةُ بعرفات، والإفاضة، (ثُمَّ التَّاسعُ بعرفات (^٥)، ثُمَّ الحادي عشرَ بمِنى (^٦)، يَفْصِلُ بين كلِّ خطبتينِ بيوم.
ثُمَّ خرجَ غداةَ يوم (^٧) التَّروية)، وهو اليومُ الثَّامن من ذي الحجَّة سُمِّي بذلك؛ لأنَّهم يروون الأبلَ في هذا اليوم، (إلى مِنى (^٨)، ومكثَ فيها إلى فجرِ يومِ عرفة.
_________________
(١) لكن اختار الطحاوي في «مختصره» (ص ٦٣) رواية أن من الصفا إلى المروة شوط، فقال: فيفعل عليها - أي المروة - كما يفعل على الصفا حتى يفعل ذلك سبع مرات يبتدئ في كل مرة منها بالصفا ويختم بالمروة.
(٢) وصححه الكاساني في «البدائع» (٢: ١٣٥)، وغيره.
(٣) بلا رمل ولاسعي، ولأنها عبادة، وهي أفضل من الصلاة للغرباء، ويُصلِّي بعد كل أسبوع. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٧٤).
(٤) بعد الزوال وبعد صلاة الظهر، وكره قبله. ينظر: «الدر المختار» (٢: ١٧٢).
(٥) أي يخطب الإمام خطبتين بينهما جلسة كالجمعة بعد الزوال قبل صلاة الظهر، يعلم فيهما الوقوف بعرفات والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة. ينظر: «غرر الأحكام» (١: ٢٢٥).
(٦) خطبةً واحدةً بعد صلاة الظهر لا يجلس فيها، يعلمهم الأحكام. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٥٢).
(٧) زيادة من ج وم.
(٨) مِنى: قرية يذبحُ بها الهدايا والضحايا، سمي ذلك الموضع مِنى لوقوعِ الأقدار فيه على الهدايا والضحايا بالمنايا، وقد مَنَى يَمْني منيًا، أي قدرَ، والمنيةُ: الموت. وهي تبعد عن الحرم قدر فرسخ، والفرسخ: (٥.٠٤٠ كم). ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣١)، و«الدر المختار» (٢: ١٧٢)، و«المقادير الشرعية» (٢٠٨).
[ ٢ / ٢٦١ ]
ثُمَّ منها إلى عرفات، وكلُّها موقفٌ إلاَّ بطنَ عُرَنة، وإذا زالَتْ الشَّمسُ منه خَطَبَ الإمامُ خُطبتين كالجُمُعة، وعَلَّمَ فيها المناسك، وصلَّى بهم الظُّهْرَ والعصر بأذانٍ وإقامتين، وشُرِطَ الإمامُ والإحرامُ فيهما، فلا يجوزُ العصرُ للمنفرد في أحدِهما، ولا لِمَن صلَّى الظُّهرَ بجماعة ثُمَّ أحرمَ إلاَّ في وقتِه، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الموقفِ بغُسْلٍ سُنّ، ووقفَ الإمامُ على ناقتِه بقربِ جبلِ الرَّحمةِ مستقبلًا، ودَعَا بجهد، وعَلَّمَ المناسك، ووقفَ النَّاس خلفَهُ بقربِه مستقبلينَ سامعينَ مَقُولَه.
ثُمَّ منها إلى عرفات (^٩)، وكلُّها موقفٌ إلاَّ بطنَ عُرَنة (^١٠)، وإذا زالَتْ الشَّمسُ منه خَطَبَ الإمامُ خُطبتين كالجُمُعة، وعَلَّمَ فيها المناسك): وهي الوقوفُ بعرفة، والمزدلفة، ورميُ الجِمار، والنَّحر، والحلق، وطواف الزِّيارة، (وصلَّى بهم الظُّهْرَ والعصر): أي في وقتِ الظُّهْر، (بأذانٍ وإقامتين، وشُرِطَ الإمامُ والإحرامُ فيهما، فلا يجوزُ العصرُ للمنفرد في أحدِهما (^١١)، ولا لِمَن صلَّى الظُّهرَ بجماعة ثُمَّ أحرمَ إلاَّ في وقتِه (^١٢»: هذا استثناءٌ من قولِهِ: فلا يجوزُ العصر، وإنِّما خَصَّ العصرَ بهذا الحُكْم؛ لأنَّ الظُّهْرَ جائزٌ لوقوعه في وقتِه، أمَّا العصرُ فلا يجوزُ قبل الوقتِ إلاَّ بشرطِ الجماعةِ في صلاةِ الظُّهرِ والعصر، وكونِهِ مُحْرِمًا في كلِّ واحدٍ من الصَّلاتين.
(ثُمَّ ذَهَبَ إلى الموقفِ بغُسْلٍ سُنّ، ووقفَ الإمامُ على ناقتِه بقربِ جبلِ الرَّحمةِ مستقبلًا، ودَعَا بجهد، وعَلَّمَ المناسك، ووقفَ النَّاس خلفَهُ بقربِه مستقبلينَ سامعينَ مَقُولَه.
_________________
(١) عرفات: وهو الجبل المعروف بمكة، فمن كان فيه ساعة من زوال الشمس يوم عرفة إلى صبح يوم النحر، أو اجتاز، وهو نائم أو مغمى عليه، أو مجنون، أوسكران، أو هائم، أو هارب، أو طالب غريم، أو حائض، أو جنب، أوجاهل أنها عرفات صح وقوفه، وكلها موقف إلا بطن عرنة. ينظر: «رشحات الأقلام» (ص ٨٩).
(٢) عُرَنة: وادي بحذاء عرفات. ينظر: «المغرب» (ص ٣١٤).
(٣) في م: احداهما. أي الظهر والعصر فمَن صلَّى أحدهما منفردًا من غيرِ جماعةٍ لا يجمع، بل يُصلِّي كلٍّ منهما في وقته. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٣٣٤).
(٤) أي فلا يجوز العصر في هاتين الحالتين إلا في وقت العصر.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وإذا غَرَبَتْ أتى مُزْدَلِفَةً وكلُّها موقف إلاَّ وادي مُحَسِّر، ونزلَ عند جبلِ قُزَح، وصلَّى العشائين بأذانٍ وإقامة، وأعادَ مغربًا إن أدَّاه في الطَّريق، أو بعرفات ما لم يطلعْ الفجرَ لا بعدَه، وصلَّى الفجرَ بغَلَس، ثُمَّ وقفَ ودعا، وهو واجبٌ لا ركن. وإذا أسفرَ أتى مِنى، ورَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ من بطنِ الوادي سَبْعًا خَذْفًا، وكبَّرَ
وإذا غَرَبَتْ أتى مُزْدَلِفَةً وكلُّها موقف (^١) إلاَّ وادي مُحَسِّر (^٢)، ونزلَ عند جبلِ قُزَح (^٣)، وصلَّى العشائين بأذانٍ وإقامة) هاهنا جمعَ المغربَ والعشاءَ في وقتِ العشاء، (وأعادَ مغربًا إن أدَّاه في الطَّريق، أو بعرفات ما لم يطلعْ الفجرَ لا بعدَه)، فإنَّه إن صلَّى المغربَ قبلَ وقتِ العشاءِ لا يجوزُ عند أبي حنيفة ومحمَّد (^٤) - ﵃ -، فيجبُ الإعادةُ ما لم يطلع الفجر، فإنَّ الحكمَ بعدمِ الجواز؛ لإدراكِ فضيلةِ الجمع، وذا إلى طلوعِ الفجر، فإذا فاتَ إمكانُ الجمعِ سقطَ القضاء؛ لأنَّه إن وجبَ القضاء: فأمَّا إن وجبَ قضاءُ فضيلةِ الجمع، وذا لا يمكن، إذ لا مثل له، وأمِّا (^٥) إن وجبَ قضاءُ نفسِ الصَّلاة فقد أدَّاها في الوقت، فكيف يجبُ قضاؤُها.
(وصلَّى الفجرَ بغَلَس، ثُمَّ وقفَ (^٦) ودعا، وهو واجبٌ لا ركن.
وإذا أسفرَ أتى مِنى، ورَمَى جَمْرةَ (^٧) العَقَبةِ من بطنِ الوادي سَبْعًا خَذْفًا (^٨)، وكبَّرَ
_________________
(١) أي مبيت؛ لأن التبييت بمزدلفة ليلة النحر سنة. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٥٦).
(٢) العبارة في م: محسر تحته. وادي مُحَسِّرٍ: وهو بين مِنى ومُزْدَلِفَةَ، سُمِّيَ بذلك لأَنَّ فيلَ أَبْرَهَةَ كَلَّ فيه وَأَعْيَا فَحَسَّرَ أَصْحَابَهُ بِفِعْلِه، وَأَوْقَعَهُمْ في الحَسَرَاتِ. ينظر: «المصباح المنير» (ص ١٣٦).
(٣) لأنه هو الموقف، فينْزل عنده، ولا ينْزل على الطريق؛ كيلا يضيق على المارة، ولا ينفرد في النْزول. ينظر: «التبيين» (٢: ٢٧).
(٤) وقال أبو يوسف: يجزئه المغرب مع الإساءة؛ لأنه أدَّاها في وقتها المعهود. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٥٨).
(٥) أما: زيادة من ب وس.
(٦) أي بالمزدلفة، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولو مارًا كما في عرفة، لكن لو تركه بعذر كزحمة لا شيء عليه. ينظر: «الدر المختار» (٢: ١٧٨).
(٧) جَمْرَة: وجمعُها الجِمَار: وهي الحِجَارةُ مثلُ الْحَصَى. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣٣).
(٨) خَذْف: رَمَيْتُهَا بطرفيْ الإِبْهَامِ والسَّبَّابَة، قال ابن الهمام: وهو الأصح؛ لأنه الأيسر، أو أن يضع الحصيات على ظفرِ إبْهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة، وقولُهُم يَأْخُذُ حَصَى الخَذْفِ مَعْنَاه: حَصَى الرَّمْيِ والمراد الحَصَى الصِّغَارُ لَكِنَّهُ أُطْلِقَ مَجَازًا. ينظر: «المصباح المنير» (ص ١٦٦)، و«مختار الصحاح» (ص ١٧١)، و«فتح باب العناية» (١: ٦٦٠).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
لكلٍّ منها، وقطعَ تلبيتَهُ بأوّلِها، ثُمَّ ذَبَحَ إن شاء، ثُمَّ قَصَّرَ، وحلقُهُ أفضل، وحلَّ له كلُّ شيء إلاَّ النِّساء. ثُمَّ طافَ للزِّيارة يومًا من أيامِ النَّحرِ سبعةً بلا رَمْلٍ وسعيٍ إن كان سعى قبل، وإلاَّ فمعَها، وأَوَّلُ وقتِهِ بعد طلوعِ فجرِ يومِ النَّحر، وهو فيه أفضل، وحلَّ له النِّساء، وإن آخرَه عنها كُرِه، ووجبَ دم. ثُمَّ أتى مِنى، وبعد زوالِ ثاني يوم النَّحر رمى الجمارِ الثَّلاث، يبدأُ بما يلي المسجد، ثُمَّ بما يليه، ثُمَّ بالعَقَبةِ سبعًا سبعًا، وكبَّرَ لكلّ، ووقفَ بعد رَمي بعدَهُ رَمَى فقط، ودعا
لكلٍّ منها، وقطعَ تلبيتَهُ بأوّلِها، ثُمَّ ذَبَحَ إن شاء، ثُمَّ قَصَّرَ، وحلقُهُ أفضل (^١)، وحلَّ له كلُّ شيء إلاَّ النِّساء.
ثُمَّ طافَ للزِّيارة يومًا من أيامِ النَّحرِ سبعةً بلا رَمْلٍ وسعيٍ إن كان سعى قبل (^٢)، وإلاَّ فمعَها (^٣)، وأَوَّلُ وقتِهِ بعد طلوعِ فجرِ يومِ النَّحر، وهو فيه أفضل): أي في يومِ النَّحر، (وحلَّ له النِّساء، وإن آخرَه عنها كُرِه): أي عن أيَّام النَّحر. (ووجبَ دم (^٤).
ثُمَّ أتى مِنى، وبعد زوالِ ثاني يوم (^٥) النَّحر رمى الجمارِ الثَّلاث، يبدأُ بما يلي المسجد): أي مسجدَ الخَيْف (^٦)، (ثُمَّ بما يليه، ثُمَّ بالعَقَبةِ سبعًا سبعًا، وكبَّرَ لكلّ، ووقفَ بعد رَمي بعدَهُ رَمَى فقط): أي يقفُ بعد الرَّميِ الأَوَّل، وبعد الثَّاني لا بعد الثَّالث، ولا بعدَ رميِّ يومِ النَّحر، (ودعا (^٧).
_________________
(١) لتقديمه في الآية: ﴿مُحَلِّقِين رُؤوسَكُم ومُقَصِّرين﴾ [الفتح: ٢٧].
(٢) لأنهما لم يشرعا في الحج إلا مرة واحدة. ينظر: «الدر المنتقى» (١: ٢٨١).
(٣) أي إن لم يكن رمل في طواف القدوم ولا سعى بعده، يرمل في طواف الزيارة، ويسعى. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٩٨/ب). وفي «البحر» (٢: ٣٧٣): الفضل تأخير السعي إلى ما بعد طواف الزيارة، وكذا الرمل ليصيرا تبعًا للفرض دون السنة. اهـ.
(٤) لترك الواجب، وهذا عند الامكان، فلو طهرت الحائض ولو قدر أربعة أشواط ولم تفعل لزم دم وإلا فلا. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨٤).
(٥) زيادة من م.
(٦) الخَيْف: ما ارْتَفَعَ من الوادِي قليلًا عن مَسِيلِ الماءِ، ومنه: مسجدُ الخَيْفِ بِمِنىً؛ لأَنه بُنِيَ في خَيْفِ الجبل، والأَصلُ مَسْجِدُ خَيْفِ مِنىً، فَخُفِّفَ بِالْحَذْفِ ولا يَكُون خَيْفٌ إلاَّ بين جَبَلَيْنِ. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ١٨٧).
(٧) أي لحاجته، ويستحب الاستغفار لنفسه ولأبويه ولإخوانه وأقاربه وللمؤمنين والمؤمنات. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٨١).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ثُمَّ غدًا كذلك، ثُمَّ بعده كذلك إن مكث، وهو أحبّ، وإن قَدَّمَ الرَّميَ فيه على الزَّوال جاز، وله النَّفْر قبلَ طلوعِ فجرِ اليومِ الرَّابع لا بعدَه، وجازَ الرَّميُ راكبًا، وفي الأولين ماشيًا أحبُّ لا العَقَبة، ولو قَدَّمَ ثَقَلَهُ إلى مكَّة، وأقامَ بمِنى للرَّميِّ كُرِه. وإذا نَفَرَ إلى مكَّة، نَزَلَ بالمُحَصَّب، ثُمَّ طافَ للصَّدَرِ سبعةَ أشواطٍ بلا رَمْل وسعي، وهو واجبٌ إلاَّ على أهلِّ مكَّة، ثُمَّ شرِبَ من زمزم، وقَبَّلَ العَتَبَة، ووضعَ صَدْرَهَ ووجهَهُ على المُلْتَزَم: وهو ما بين الحَجَرِ الأسودِ والباب، وتَشَبَّثَ بالأستارِ ساعة، ودَعَا مجتهدًا، ويَبْكي، ويرجعُ قَهْقَرى حتَّى يخرجَ من المسجد.
ثُمَّ غدًا كذلك، ثُمَّ بعده كذلك إن مكث، وهو أحبّ، وإن قَدَّمَ الرَّميَ فيه): أي في اليومِ الرَّابع، (على الزَّوال جاز، وله النَّفْر قبلَ طلوعِ فجرِ اليومِ الرَّابع): النَّفرُ خروجُ الحاجِّ من مِنى، (لا بعدَه): فإنَّهُ إن توقَّفَ حتَّى طلعَ الفجرُ وَجَبَ عليه رميُ الجِمَار.
(وجازَ الرَّميُ راكبًا، وفي الأولين ماشيًا (^١) أحبُّ لا العَقَبة): الأُولَيَان ممَّا يلي مسجدَ الخَيْف، ثُمَّ ما يليه.
(ولو قَدَّمَ ثَقَلَهُ (^٢) إلى مكَّة، وأقامَ بمِنى للرَّميِّ كُرِه (^٣).
وإذا نَفَرَ إلى مكَّة، نَزَلَ بالمُحَصَّب (^٤)، ثُمَّ طافَ للصَّدَرِ (^٥) سبعةَ أشواطٍ بلا رَمْل وسعي، وهو واجبٌ إلاَّ على أهلِّ مكَّة، ثُمَّ شرِبَ من زمزم، وقَبَّلَ العَتَبَة (^٦)، ووضعَ صَدْرَهَ ووجهَهُ على المُلْتَزَم: وهو ما بين الحَجَرِ الأسودِ والباب، وتَشَبَّثَ (^٧) بالأستارِ ساعة (^٨)، ودَعَا مجتهدًا، ويَبْكي، ويرجعُ قَهْقَرى (^٩) حتَّى يخرجَ من المسجد.
_________________
(١) في ت وج وص وف وم: مشيا.
(٢) ثقله: أي حوائجه ومتاعه وخدمه. ينظر: «درر الحكام» (١: ٢٣١).
(٣) الظاهر أن الكراهة تنْزيهية، أي إن لم يأمن لا إن أمن، وكذا يكره للمصلي جعل نحو نعله خلفه؛ لشغل قلبه. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٦).
(٤) المُحَصَّبُ: مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ على طَرِيقِ مِنىً، ويُسَمَّى البَطْحَاء. ينظر: «المصباح المنير» (ص ١٣٩).
(٥) ويسمَّى طواف الوداع، وطواف آخر العهد، والصَدَر: رجوع المسافر من مقصده، والشارب من مورده. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٦).
(٦) العَتَبَةُ: أي عَتَبة الكعبة، والعَتَبة: الدرجة: ينظر: «المصباح المنير» (ص ٣٩٢)، و«درر الحكام» (١: ٢٣٢).
(٧) تَشَبَّثَ: أي تعلَّق. ينظر: «القاموس» (١: ١٧٤).
(٨) أي كالمتعلق بطرف ثوب لمولى جليلٍ للاستعانة في أمر ليس له فيه سبيل. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٨٤)
(٩) قَهْقَرى: الرجوع إلى الخلف. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٧٦٥).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ويسقطُ طوافُ القدومِ عمَّن وقفَ بعرفةَ قبلَ دخولِ مكَّة، ولا شيءَ عليه بتركِه، ومَن وَقَفَ بعرفةَ ساعةً من زوالِ يومِها إلى طلوعِ فجرِ يومِ النَّحر، أو اجتازَ نائمًا، أو مغمىً عليه، أو أَهلَّ عنه رفيقُهُ به، أو جَهِلَ أنَّها عرفةَ صحّ، ومَن لم يقفْ فيها فاتَ حجُّه، فطافَ وسعى، وتحلَّلَ وقضى من قابل، والمرأةُ كالرَّجلِ لكنَّها لا تكشفُ رأسَها، بل تكشفُ وجهَها، ولو سَدلت شيئًا عليه، وجافته عنه صحّ، ولا تُلِبِّي المرأةُ جهرًا، ولا تسعى بين الميلين
ويسقطُ طوافُ القدومِ عمَّن وقفَ بعرفةَ قبلَ دخولِ مكَّة، ولا شيءَ عليه بتركِه)، إذ لا يجبُ عليه شيءٌ بتركِ السُنَّة.
(ومَن وَقَفَ بعرفةَ ساعةً من زوالِ يومِها إلى طلوعِ فجرِ يومِ النَّحر، أو اجتازَ نائمًا، أو مغمىً عليه، أو أَهلَّ عنه رفيقُهُ به (^١)، أو جَهِلَ أنَّها عرفةَ صحّ، ومَن لم يقفْ فيها فاتَ حجُّه، فطافَ وسعى، وتحلَّلَ (^٢) وقضى من قابل)، هذا لِمَن أحرم، ولم يدركْ الحجّ.
(والمرأةُ كالرَّجلِ لكنَّها لا تكشفُ رأسَها، بل تكشفُ (^٣) وجهَها، ولو سَدلت شيئًا عليه، وجافته عنه صحّ (^٤)، ولا تُلِبِّي المرأةُ (^٥) جهرًا، ولا تسعى بين الميلين
_________________
(١) أي بالحج؛ لأنه لما عاقدهم عقد الرفقة فقد استعان بكلّ منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإحرام مقصود بهذا السفر، فكان الإذن به ثابتا دلالةً، فإنه إذا أذن إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه أو نام، فأحرم عنه صحّ بالوفاق، فكذا هذا حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز، فيصير الرفيق محرمًا عن نفسه بالأصالة، وعن غيره بالنيابة. ينظر: «درر الحكام» (١: ٢٣٣).
(٢) أي يأتي بأفعال العمرة.
(٣) زيادة من م.
(٤) اختلفوا في حكم تغطية وجه المرأة في الحج ومجافاته على أربعة أقوال: الأول: جواز ذلك، وهو ظاهر كلام المصنف، و«البدائع» (٢: ١٨٧)، و«الهداية» (١: ١٥٢)، و«التبيين» (٢: ٣٩)، وغيرهم. الثاني: استحباب وندب ذلك، وهو اختيار صاحب «الفتح» (٢: ٤٠٥)، و«الدر المختار» (٢: ١٨٩)، وغيرهم. الثالث: وجوب ذلك، وهواختيار صاحب «النهاية». الرابع: التفصيل: وهو أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالارخاء واجب عليها عند الامكان، وعند عدمه يجب على الأجانب غض البصر. وهو اختيار صاحب «البحر» (٢: ٣٨١)، ومال إليه ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٨٩ - ١٩٠). قال صاحب «الخانية» (١: ٢٨٦)، و«المحيط البرهاني» (ص ٢٨٠)، و«الفتح» (١: ٤٠٥): دلت المسألة على أن المرأة منهية عن اظهار وجهها للاجانب بلا ضرورة؛ لأنها منهية عن تغطيته لحق النسك لولا ذلك وإلا لم يكن لهذا فائدة.
(٥) زيادة من م.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
الأخضرين، ولا تحلقُ بل تُقَصِّر، وتلبسُ المخيط، ولا تقربُ الحجرَ في الزِّحام، وحيضُها لا يمنعُ نُسُكًا إلاَّ الطَّواف، وهو بعد ركنيهِ يسقطُ طوافِ الصَّدَر، مَن قَلَّدَ بَدَنةَ نفلٍ، أو نذرٍ، أو جزاءِ صيد، أو نحوِه يريدُ الحجّ، أو بعثَ بها لمُتعة وتوجَّه بنيَّةِ الإحرام، فقد أحرم، ولو أشعرَها أو جَلَّلَها أو قَلَّدَ شاةً لا، وكذا لو بعثَ بدنة، وتوجَّه حتَّى يُلحقَها، والبُدُنُ من الإبلِ والبقر
الأخضرين (^١)، ولا تحلقُ بل تُقَصِّر، وتلبسُ المخيط، ولا تقربُ الحجرَ في الزِّحام، وحيضُها لا يمنعُ نُسُكًا (^٢) إلاَّ الطَّواف)، فإنَّه في المسجد، ولا يجوزُ للحائضِ دخولُه، (وهو بعد ركنيهِ (^٣) يسقطُ طوافِ الصَّدَر): أي الحيضُ بعد الوقوفِ بعرفة، وطوافِ الزِّيارة يسقطُ الوداع.
واعلم أنَّ الإحرامَ قد يكون بسوقِ الهَدْي (^٤)، فأراد أن يُبَيِّنَه، فقال: (مَن (^٥) قَلَّدَ بَدَنةَ نفلٍ، أو نذرٍ، أو جزاءِ صيد، أو نحوِه): كالدّماءِ الواجبةِ بسببِ الجنايةِ في السَّنَةِ الماضية، (يريدُ الحجّ، أو بعثَ بها لمُتعة): أي بعثَ بالبدنةِ للتَّمتع، (وتوجَّه بنيَّةِ الإحرام، فقد أحرم): المرادُ بالتَّلقيد: أن يربِطَ قلادةً على عُنُقِ البَدَنة، فيصيرُ به مُحْرِمًا كما بالتَّلبية.
(ولو أشعرَها): أي شقَّ سنامَها؛ ليعلمَ أنَّها هَدي، (أو جَلَّلَها): أي ألقى الجُلَّ على ظهرِها، (أو قَلَّدَ شاةً لا (^٦)، وكذا لو بعثَ بدنة، وتوجَّه حتَّى يُلحقَها): أي إن لم يتوجَّه مع البدنة، ولم يسقْها، بل بعثَها لا يصيرُ محرمًا حتَّى يلحقَها، فإذا لحقَها يصيرُ محرمًا.
(والبُدُنُ من الإبلِ والبقر): هذا عندنا، وأمَّا عند الشَّافِعِيّ - ﵁ - (^٧) فالبدنةُ من الإبل فقط.
_________________
(١) زيادة ت وم.
(٢) نُسُك:: من نَسَكَ للهِ تعالى نَسْكًا ومَنْسَكًا: إذا ذَبَحَ لِوَجْهِه، والنَّسِيكَةُ: الذَّبِيحَة، والمَنْسِكُ: بِالكسرِ الموضِعُ الذي يُذْبَحُ فيه، وقد تُسَمَّى الذَّبِيحَةُ نُسُكًا، ثُمَّ قالوا لكلِّ عبادةٍ نُسُك، ومناسِكُ: الحَجِّ عباداتُه، وهذا من الخاصِّ الذي صارَ عامًّا. ينظر: «المغرب» (ص ٤٦٤)، و«مختار الصحاح» (٦٥٧).
(٣) ولو طافت يوم النحر قبل الطواف لم تنفر حتى تطهر وتطوف. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٨٦).
(٤) الهَدْي: ما يُهْدَى إلى الحَرَمِ من شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ بَعِير، الوَاحِدَةُ هَدْيَة. ينظر: «المغرب» (ص ٥٠٣).
(٥) زيادة من أ وب وس.
(٦) أي لا يكون محرمًا حتى يُلبي مع النية …
(٧) ينظر: «أسنى المطالب» (١: ٥٥٣)، و«نهاية المحتاج» (٣: ٣٤٢)، وغيرها.
[ ٢ / ٢٦٧ ]