هو لمُحْدِث، وجُنُب، وحائض، ونفساءٍ لم يقدرُوا على الماء لبعدِهِ ميلًا
باب التيمم
(هو لمُحْدِث، وجُنُب، وحائض، ونفساءٍ لم يقدرُوا على الماء): أي على ماءٍ يكفي لطهارتِهِ حتى إذا كان للجُنُبِ ماءٌ يكفي للوضوءِ لا للغُسْلِ يتيمَّم، ولا يجبُ عليهِ التَّوضُّؤ عندنا، خلافًا للشَّافعيِّ (^١) - ﵁ -.
وأمَّا إذا كان مع الجنابةِ حدثٌ يوجبُ الوضوءَ يجبُ عليه الوضوء، فالتَّيمُّمُ للجنابةِ بالاتَّفاق (^٢).
وأمَّا إذا كان للمُحْدثِ ماءٌ يكفي لغُسْلِ بعضِ أعضائِهِ فالخلافُ ثابتٌ أيضًا (^٣).
(لبعدِهِ ميلًا (^٤»، الميلُ (^٥)
ثلثُ الفرسخ (^٦)، وقيل: ثلاثةُ آلافٍ ذراع وخمسمئةٍ إلى
_________________
(١) ينظر: «مواهب الصمد» (ص ٢٩).
(٢) عبارة الشارح هذه موهمة خلاف المقصود، والمقصود هو أنه إذا وجد ماءً كافيًا للوضوء قبل التيمم لا يجب عليه الوضوء عندنا، وأما إذا تيمم للجنابة، ثم طرأ عليه ناقض الوضوء، ووجد ماءً كافيًا له يجب عليه الوضوء عندنا أيضًا. فإن التيمم السابق للجنابة لا يرتفع به الحدث الطارئ بعده، فالفاء تعليلية أي لدفع ما يقال من أنه كيف يجب عليه الوضوء مع بقاء التيمم، فالتيمم السابق للجنابة لا للحدث الذي حدث بعده، وقوله: بالاتفاق، متعلق بوجوب الوضوء أو بكون التيمم للجنابة اتفاقًا، وإنما وجب الوضوء للحدث الطارئ. ينظر: «العمدة» (١: ٩٥). «رد المحتار» (١: ١٥٥).
(٣) بيننا وبين الشافعي - ﵁ -، ينظر: «المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (١: ٨٩).
(٤) ولو مقيمًا في المصر؛ لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز التيمم. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٥٥).
(٥) اختلفوا في مقدار الميل: فمنهم من ذهب إلى أنه ثلث الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، كصاحب «المراقي» (ص ١٥١)، و«فتح باب العناية» (١: ١٦٤)، وابن ملك في «شرح الوقاية» (ق ١٢/ب). و«البحر» (١: ١٤٦)، و«العناية» (١: ١٠٨)، وهو اختيار الشارح. ومنهم من ذهب إلى أربع آلاف ذراع كصاحب «التبيين» (١: ٣٧)، و«البناية» (١: ٤٨٢)، و«الهدية العلائية» (ص ٣٤)، و«الدر المختار» (١: ١٥٥). ومنهم من ذهب إلى أنه ثلاث آلاف ذراع وخمسمئة إلى أربعة آلاف، وهو ابن شجاع. ومنهم من ضبط الميل بسير القدم نصف ساعة. ينظر: «حاشية الطحطاوي على المراقي» (ص ١١٤).
(٦) الفَرْسَخ: السُّكون، والفَرْسخ المسافة المعلومة من الأرض مأخوذة منه، وسمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٣٨١).
[ ٢ / ٥٦ ]
أو لمرض، أو بَرْد، أو عدوٍ، أو عَطَش
أربعةٍ آلاف، وما ذُكِرَ ظاهرُ الرُّواية، وفي روايةِ الحَسَنِ (^١) - ﵁ -: الميلُ إنَّما يكونُ معتبرًا إذا كان في طرفٍ غيرِ قُدَّامه (^٢)، حتى يصيرَ ميلَيْن ذهابًا ومجيئًا، وأمَّا إذا كان في قُدِّامِهِ فيعتبرُ أن يكونَ ميلَيْن.
(أو لمرض) لا يقدرُ معه على استعمالِ الماء، وإن استعملَ الماءَ اشتدَّ مرضُهُ حتى لا يشترطَ خوفُ التَّلفِ خلافًا للشَّافعيِّ (^٣) - ﵁ -، إذ ضررُ اشتدادِ المرضِ فوقَ ضررِ زيادةِ الثَّمن، وهو يبيحُ التَّيمُّم.
(أو بَرْد) إن استعملَ الماء (^٤) يضرُّه.
(أو عدوٍ (^٥) أو عَطَش): أي إن استعملَ الماءَ خافَ العطش، أو أبيح الماءُ للشُّرب حتى إذا وجدَ المسافرُ ماءً في جُبٍّ (^٦) مُعَدٍّ للشُّربِ جازَ (^٧) له التَّيمُّم، إلاَّ إذا كان كثيرًا
_________________
(١) وهو الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي الكوفي، أبو عليّ، صاحب الإمام، قال الذهبي: قاضي الكوفة، وكان رأسًا في الفقه، من مؤلَّفاته: «المقالات»، و«الجرد»، (ت ٢٠٤ هـ). ينظر: «الجواهر» (٢: ٥٦ - ٥٧)، «العبر» (١: ٣٤٥)، «طبقات ابن الحنائي» (ص ١٨ - ١٩).
(٢) بأن يكون الماء من الخلف أو اليمين أو اليسار حتى لو ذهب إليه المتوضئ يصير ميلًا ذهابًا وميلًا إيابًا. ينظر: «السعاية» (٤٩٣). وفي «البدائع» (١: ٤٦) قالها الحسن من تلقاء نفسه. وفيها: وبعضهم فصل بين المقيم والمسافر، فقالوا إن كان مقيمًا يعتبر قدر ميل كيفما كان، وإن كان مسافرًا والماء على يمينه أو يساره فكذلك، وإن كان أمامه يعتبر ميلين، وروي عن أبي يوسف - ﵁ - أنه إن كان بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك، فهو بعيد، وقال بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء، فهو قريب، وإن كان لا يسمع، فهو بعيد، وقال بعضهم قدر فرسخ، وقال بعضهم: مقدار ما لا يسمع الأذان، وقال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع أو نودي من أقصى المصر، فهو بعيد، وأقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج.
(٣) في «التنبيه» (١: ١٦): إن خاف من استعمال الماء التلف لمرض تيمم وصلى ولا إعادة عليه، وإن خاف الزيادة في المرض، ففيه قولان: أصحهما أنه يتيمم ولا إعادة عليه. انتهى.
(٤) زيادة من أ.
(٥) كحية أو نار على نفسه، ولو من فاسق أو حبس غريم - أي بان كان صاحب الدين عند الماء وخاف المديون من الحبس - أو ماله ولو أمانة. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٥٦ - ١٥٧).
(٦) الجُبُّ: بالضم: البئر. ينظر: «تاج العروس» (٢: ١٢٠).
(٧) الجواز هاهنا مستعمل فيما يعمّ الوجوب، فإن التيمم في مثل هذه الصورة واجب، والتقييد بالمسافر اتفاقي. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩٦).
[ ٢ / ٥٧ ]
أو عدمِ آلة، أو خوفِ فوتِ صلاةِ العيدِ في الابتداء، وبعدَ الشُّروعِ متوضِّئًا والحدثِ للبناء أو صلاةِ الجنازةِ لغيرِ الوليّ، لا لفوتِ الجمعةِ والوقتيَّة
فيستدلُّ على أنه للشُّربِ والوضوء، فأمَّا الماءُ المعدُّ للوضوءِ فإنَّهُ يجوزُ أن يشربَ منه، وعند الإمامِ الفضليِّ (^١) - ﵁ -: عكسُ هذا (^٢)، فلا يجوزُ التَّيمُّم.
(أو عدمِ آلة): كالدَّلو، ونحوه.
(أو خوفِ فوتِ صلاةِ العيدِ في الابتداء): أي إذا خافَ فوتَ صلاةَ العيدِ جازَ له أن يتيمَّمَ ويشرعَ فيها، هذا بالاتِّفاق، (وبعدَ الشُّروعِ متوضِّئًا والحدثِ للبناء): أي إذا شرعَ في صلاةِ العيدِ مُتَوضِّئًا، ثمَّ سبقَهُ الحدث، ويخافُ أنه إن توضَّأَ تفوتُهُ الصَّلاةُ جازَ لهُ أن يتيمَّمَ للبناء، وهذا عند أبي حنيفةَ - ﵁ - خلافًا لهما (^٣)، وإن شرعَ بالتَّيمُّم، وسبقَهُ الحدثُ جازَ لهُ التَّيمُّم للبناءِ بالاتِّفاق.
فقوله: هو لمحدث: مبتدأ، ضربةٌ: خبرُه، ولم يقدِّروا: صفةً لمحدث، وما بعدَهُ كالجنبِ والحائضِ وغيرهما.
وقولُه: لبعده ميلًا (^٤)، مع المعطوفات متعلِّقٌ بقولِه: لم يقدِّروا.
وقوله (^٥): في الابتداء، متعلِّقٌ بالمبتدأ، تقديرُهُ: التَّيمُّمُ لخوفِ فوتِ صلاةِ العيدِ في الابتداء، وبعدَ الشَّرعِ ضربة.
(أو صلاةِ الجنازةِ لغيرِ الوليّ (^٦)، لا لفوتِ الجمعةِ والوقتيَّة)؛ لأنَّ فوتهما إلى
_________________
(١) وهو محمد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر الفَضْلِيّ، قال الكفوي: كان إمامًا كبيرًا وشيخًا جليلًا، معتمدًا في الرواية، مقلدًا في الدراية، رحل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، (ت ٣٧١ هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (٣: ٣٠٠ - ٣٠٢)، «طبقات ابن الحنائي» (ص ٦٢)، و«الفوائد» (ص ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) وهو أن الماء الموضوع للشرب يجوز منه التوضؤ، والموضوع للوضوء لا يباح منه الشرب. ينظر: «المحيط» (ص ٣١٧).
(٣) لعدم خوف الفوت إذ اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام، ولأبي حنيفة أن خوف الفوت باقٍ؛ لأنه يوم زحمة فربما اعتراه ما أفسد صلاته، والأظهر قولهما. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ١٦٧)، وصحح قولَه الحصكفي في «الدر المختار» (١: ١٦٢).
(٤) زيادة من أ.
(٥) زيادة من ب وس وف.
(٦) لأن الوليَّ ينتظر، ولو صلَّوا له حق الإعادة، ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ١٣/أ). وصححه صاحب «الهداية» (١: ٢٧)، و«الخانية» (١: ٦٣)، و«كافي» النسفي، وفي ظاهر الرواية يجوز للولي أيضًا؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وصحَّحه شمس الأئمة الحلواني. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٦١).
[ ٢ / ٥٨ ]
ضربةٌ لمسحِ وجهِه، وضربةٌ ليديهِ مع مرفقيه على كلِّ طاهر من جنسِ الأرضِ كالتُّراب والرَّمل، والحَجَر
خَلَفٍ وهو الظَّهرُ والقضاء.
(ضربةٌ لمسحِ وجهِه، وضربةٌ ليديهِ مع مرفقيه)، ولا يشترطُ التَّرتيبُ عندنا، والفتوى على أنه يشترطُ الاستيعابُ حتى لو بقيَ شيءٌ قليلٌ لا يجزئه (^١).
والأحسنُ في مسحِ الذِّراعينَ أن يمسحَ ظاهرَ الذِّراعِ اليُمْنى بالوسطى والبِنْصَر والخِنْصَرِ مع شيءٍ من الكفِّ اليسرى، مبتدئًا من رؤوسِ الأصابع، ثمَّ باطنَها بالمسبِّحةِ والإبهامِ إلى رؤوسِ الأصابع، وهكذا يفعلُ بالذِّراعِ اليُسْرى.
ثمَّ إذا لم يُدْخِلِ الغبارَ بين أصابعِه، فعليه أن يخلِّلَ أصابعَه، فيحتاجُ إلى ضربةٍ ثالثةٍ لتخليلها (^٢).
(على كلِّ طاهر) متعلِّقٌ بضربة، (من جنسِ الأرضِ (^٣) كالتُّراب، والرَّمل، والحَجَر)، وكذا الكحلُ والزِّرنيخ (^٤).
وأمَّا الذَّهبُ والفضَّةُ فلا يجوزُ بهما، إذا كانا مسبوكَيْن، فإن كانا غيرَ مسبوكَيْن مختلطَيْن بالتُّرابِ يجوز بهما (^٥).
_________________
(١) حتى لو ترك شعرة، أو وترة منخر - أي حرف المنخر - لم يجز، وينْزع الخاتم والسوار، أو يحرك، وبه يفتى. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٥٨).
(٢) هذه رواية عن محمد - ﵁ - لأن عنده لا يجوز التيمم بلا غبار، فحيث لم يدخل بين الأصابع لا بدّ ضربة ثالثة، وعند غيره فلا يجب إيصال الغبار، بل يكفي المسح، فيجب عليه التخليل وإن لم يصل الغبار من غير احتياج إلى ضربة ثالثة. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٥٩).
(٣) الحد الفاصل بين جنس الأرض وغيره أن كل ما يحترق بالنار فيصير رمادًا: كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين: كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها، وكل ما تأكله الأرض ليس من جنسها كالحنطة والشعير وسائر الحبوب، فليس من جنس الأرض، فلا يجوز التيمم به بلا نقع - أي غبار ـ، وما كان من جنسها فيجوز بلا غبار. ينظر: «التبيين» (١: ٣٩)، و«تحفة الفقهاء» (١: ٤١).
(٤) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر. ينظر: «تاج العروس» (٧: ٢٦٣).
(٥) ساقطة من ب وف وم.
[ ٢ / ٥٩ ]
ولو بلا نقعٍ وعليه، مع قدرتِهِ على الصَّعيدِ بنيَّةِ أداءِ الصَّلاة
والحنطةُ والشَّعيرُ إن كان عليهما غبارٌ يجوز، (وإلا فلا) (^١).
ولا يجوزُ على مكانٍ كان فيه نجاسةٌ وقد زالَ أثرُها، مع أنه يجوزُ الصَّلاةُ فيه، ولا يجوزُ بالرَّمادِ هذا عند أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ - ﵃ -.
وأمَّا عندَ أبي يوسفَ - ﵁ -: فلا يجوزُ إلا بالتُّرابِ أو الرَّمل.
وعند الشَّافعي (^٢) - ﵁ -: لا يجوزُ إلا بالتُّراب.
(ولو بلا نقعٍ (^٣) وعليه): أي على النَّقع (^٤)، فلو كنسَ دارًا، أو هدمَ حائطًا، أو كالَ حنطةً، فأصابَ وجهَهُ وذراعيهِ غبارٌ لا يجزئه حتى يُمِرَّ يده عليه، (مع قدرتِهِ على الصَّعيدِ (^٥) بنيَّةِ أداءِ الصَّلاة)، فالنِّيَّةُ فرضٌ في التَّيمُّمِ خلافًا لزُفَرَ - ﵁ -، حتى إذا كان بهِ حدثانِ (حدثٌ يوجبُ الغُسْلَ) (^٦) كالجَنَابة، وحدثٌ يوجبُ الوضوء، ينبغي أن ينويَ عنهما، فإن نَوَى عن أحدِهما لا يقعُ عن الآخر، لكن يكفي تيمُّمٌ واحدٌ عنهما (^٧).
_________________
(١) زيادة من ب وس.
(٢) في «المنهاج» (١: ٩٦): يتيمم بكل تراب طاهر حتى ما يداوى به، وبرمل فيه غبار. انتهى.
(٣) ولو بلا نقع متعلق بالحجر أو بكل طاهر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - ﵃ - في رواية، وفي رواية أخرى عنه وهو قول أبي يوسف - ﵁ - أنه لا يجوز بدون الغبار. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩٨).
(٤) النَّقع: الغبار. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٦٧٦).
(٥) قال الصعيد لمخالفة أبي يوسف - ﵁ - بذلك، إذ ليس الغبار من الصعيد عنده، والصحيح قول أبي حنيفة - ﵁ -. كذا في «المحيط» (ص ٢٦٩).
(٦) زيادة من أ وب وس.
(٧) يعني لو تيمم الجنب عن الوضوء كفى وجازت صلاته، ولا يحتاج أن يتيمم للجنابة، وكذا عكسه، لكن لا يقع تيممه للوضوء عن الجنابة. كذا في «رد المحتار» (١: ١٦٥)، وينبغي حمل مطلع المسألة على هذا المعنى؛ لأنه يصح تيمم جنب بنية الوضوء، وبه يفتى، كذا في «الدر المختار» (١: ١٦٥)، وفي «الإيضاح» (ق ٦/ب): ولا يشترط نية التيمم للحدث أو الجنابة، هو الصحيح من المذهب.
[ ٢ / ٦٠ ]
فلا يجوزُ تيمُّمُ كافرٍ لإسلامه، وجازَ وضؤه بلا نيَّة
(فلا يجوزُ تيمُّمُ كافرٍ (^١) لإسلامه (^٢»: أي لا يجوزُ (^٣) الصَّلاةُ بهذا التَّيمُّمِ عندهما، خلافًا لأبي يوسفَ - ﵁ -: فعنده يشترطُ لصحَّةِ التَّيمُّمِ في حقِّ جوازِ الصَّلاةِ أن ينويَ قربةً مقصودة (^٤)، سواءٌ كانت (^٥) لا تصحُّ
بدونِ الطَّهارةِ كالصَّلاة، أو تصحُّ كالإسلام.
وعندهما: قربةٌ مقصودةٌ لا تصحُّ إلا بالطَّهارة، فإن تيمَّمَ لصلاةِ الجنازة، أو لسجدةِ التَّلاوةِ يجوزُ بهذا التَّيمُّمِ أداءُ المكتوبات، وإن تيمَّمَ لمسِّ المصحفِ أو دخولِ المسجدِ لا تصحُّ به الصَّلاة؛ لأنَّهُ لم ينوِ به قربةً مقصودة، لكن يحلُّ لهُ مسُّ المصحف، ودخولُ المسجد.
(وجازَ وضؤه بلا نيَّة) حتى إن توضَّأَ بلا نيَّةٍ فأسلمَ جازَ صلاتُهُ بهذا الوضوء خلافًا للشَّافعيِّ - ﵁ -، وهذا بناءً على مسألة النيَّةِ في الوضوء (^٦)، وإن توضَّأ بالنِيَّةِ
_________________
(١) تفريع على اشتراط النية؛ لأنه من شرائط صحته الإسلام، فلا يجوز تيمم الكافر سواء نوى عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو لا. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٦٥).
(٢) أي يريد به الإسلام، ثم أسلم، لم يكن متيممًا عند أبي حنيفة ومحمد - ﵃ -، وقال أبو يوسف - ﵁ -: هو متيمم لأنه نوى قربة مقصودة، أما القربة؛ فلأن الإسلام أعظم القرب، وأما أنها مقصودة؛ فلأن المراد به هاهنا ما لا يكون في ضمن شيء آخر كالمشروط، وإذا كان كذلك صح تيممه كالمسلم تيمم للصلاة. ينظر: «العناية» (١: ١١٥).
(٣) ظاهر عبارة المتن كعبارة «الهداية» (١: ٢٦)، و«الجامع الصغير» (ص ٧٦) في عدم صحة تيمم الكافر بقصد الإسلام مطلقًا حتى لا ينوب مقام الغسل الذي يؤمر به الكافر عند إسلامه، وليس كذلك، لذا أشار الشارح إلى دفعه بأن المراد أن تيمم الكافر لإسلامه غير معتبر في حقّ جواز الصلاة لا مطلقًا. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩٩).
(٤) اعلم أن العبادات على نوعين مقصودة وغير مقصودة، والمراد بالمقصودة في هذا البحث هي أن تكون مشروعة ابتداءًا تقربًا إلى الله من غير أن يكون تبعًا لغيرها وبعبارة أخرى هي ما لا يجب في ضمن شيء آخر بالتبعية، وغير المقصودة بخلافه، فمن الأول الإسلام، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، والصلوات الخمس، وصلاة الجنازة، وغيرها، ومن الثاني: دخول المسجد، ومس المصحف، ورد السلام، وقراءة الأذكار ونحوها، ثم المقصودة منها ما لا يصح أو يحلّ بدون الطهارة كالصلوات وسجدة التلاوة، ومنها ما يصح بدونها كالإسلام. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩٩).
(٥) ساقطة من أ وس وص وم، وفي ف: كان.
(٦) وهي أن الشافعي - ﵁ - يشترط النية في الوضوء بخلافنا، ينظر: «المنهاج» (١: ٤٧).
[ ٢ / ٦١ ]
ويصحُّ في الوقت وقبلَه، وبعد طلبهِ من رفيقٍ له ماءٌ مَنَعَه، وقبل طلبهِ جازَ خلافًا لهما
فأسلم، فالخلافُ ثابتٌ أيضًا (^١)؛ لأنَّ نيَّةَ الكافرِ لغو؛ لعدمِ الأهليَّة، وإنَّما قال: بلا نيَّة، مبالغةً فيصحُّ وضوءُ الكافرِ مع النِّيَّةِ بالطَّريقِ الأولى.
(ويصحُّ في الوقت) اتِّفاقًا، (وقبلَه) خلافًا للشَّافعيِّ (^٢) - ﵁ -، فلا يجوزُ به الصَّلاةِ في أوَّلِ (^٣) الوقتِ عنده، هذا بناءً على ما عُرِفَ في أصولِ الفقه (^٤): أنَّ التُّرابَ خَلَفٌ ضروريٌّ للماءِ عنده (^٥)، وعندنا: خَلَفٌ مطلق (^٦)، ففي إنائيْن طاهرٍ ونجسٍ، يجوزُ التَّيمُّمُ عندنا خلافًا له، وقولُهُ - ﷺ -: «التُّرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَج» (^٧) يؤيِّدُ ما قلنا.
(وبعد طلبهِ من رفيقٍ له ماءٌ مَنَعَه) حتى إذا صلَّى بعد المنع، ثمَّ أعطاهُ ينتقضُ به (^٨) التَّيمُّمُ الآن، فلا يعيدُ ما قد صلَّى، (وقبل طلبهِ جازَ خلافًا لهما)، هكذا ذكرَ في «الهداية» (^٩).
_________________
(١) بيننا وبين الشافعي - ﵁ -.
(٢) ينظر: «المنهاج» (١: ١٠٥).
(٣) زيادة من ف وم.
(٤) ينظر: «أصول السرخسي» (٢: ٢٩٧)، و«التوضيح» (١: ١٥٥)، و«التلويح» (١: ١٥٥)، «حاشية الطرطوسي» (ص ٢٢٤).
(٥) ولهذا لم يعتبر التيمم قبل دخول الوقت في حق أداء الفريضة، ولم يجز أداء الفريضتين بتيمم واحد؛ لأنه خلف ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورةِ بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته، وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى، ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على نفسه؛ لأن تحقُّقَ الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه. ينظر: «أصول السرخسي» (٢: ٢٩٧).
(٦) أي أنه يرتفع به الحدث إلى غاية وجود الماء، فهو طهور ورافع للحدث كأصله فلما كان الوضوء جائز قبل الوقت يكون التيمم أيضًا جائز قبل الوقت. كذا في «التلويح» (١: ١٥٥).
(٧) صححه ابن القطان، وهو من حديث أبي ذر «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» في «صحيح ابن حبان» (٤: ١٣٩)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ١٤٤)، و«مسند أحمد» (٥: ١٤٦)، و«سنن الدارقطني» (١: ١٨٧)، و«سنن البيهقي الكبرى» (١: ١٨٧)، وينظر: «نصب الراية» (١: ١٤٨)، و«الدراية» (١: ٦٧)، و«خلاصة البدر» (١: ٧٠).
(٨) زيادة من م.
(٩) الهداية» (١: ٢٨).
[ ٢ / ٦٢ ]
وذكرَ (^١)
في «المبسوط» (^٢): أنه إذا لم يطلبْ منه وصلَّى لم يجز؛ لأنَّ الماءَ مبذولٌ عادةً (^٣).
وفي موضعٍ آخرَ من «المبسوط»: إنَّه (^٤) إن كان مع رفيقِهِ ماءٌ فعليه أن يسألَهُ إلاَّ على قولِ حسنِ بن زياد - ﵁ -: فإنَّهُ يقولُ السُّؤالُ ذلٌّ وفيه بعضُ الحرج، ولم يشرع التَّيمُّمُ إلاَّ لدفعِ الحرج.
ولكنَّا نقول: ماءَ الطَّهارةِ مبذولٌ عادة وليس في سؤالِ ما يُحتاجُ إليه مذلَّة، فقد
_________________
(١) سيذكر الشارح نصوصًا من «المبسوط»، و«الزيادات» تثبت أن مسألة الصلاة قبل طلب الماء لا تجوز اتفاقًا، وليس فيها خلاف بين الأئمة الثلاث، وإنما خالف فيها الحسن بن زياد - ﵁ -. وهذا ما ذهب إليه صاحب «البحر» (١: ١٧٠)، وتبعه صاحب «التنوير» (١: ١٦٧)، و«الدر المختار» (١:١٦٧)، وقال: عليه الفتوى. ولكن الحلبي في «غنية المستملي» (ص ٦٩) وفق بينهما، بأن الحسن رواه عن أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية وأخذ هو به، فاعتمد في «المبسوط» ظاهر الرواية، واعتمد في «الهداية» رواية الحسن؛ لكونها أنسب بمذهب أبي حنيفة من عدم اعتبار القدرة بالغير، وفي اعتبار العجز للحال. انتهى. واختار الحلبي فيها: التفصيل تبعًا لأبي نصر الصفار والجصاص، وأيَّده في ذلك ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٦٧). والتفصيل هو: أن قوله فيما إذا غلب على ظنِّه منعه إياه، وقولهما عند غلبة الظن بعدم المنع، أو كما قال الصفار: إنما يجب السؤال في غير موضع عزة الماء، فإنه حينئذٍ يتحقق ما قالاه من أنه مبذول عادة.
(٢) المبسوط» لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، قال الكفوي: كان إمامًا علامة حجَّة متكلمًا مناظرًا أصوليًا مجتهدًا، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، وقد أملى «المبسوط» من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجبّ محبوس؛ بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان تلامذته يجتمعون على أعلى الجبّ يكتبون، ومن مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و«أصول السرخسي»، و«شرح مختصر الطحاوي»، (ت نحو ٥٠٠ هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (٣: ٧٨)، «الفوائد» (ص ٢٦١)، «الكشف» (١: ١١٢).
(٣) انتهى من «المبسوط» (١: ١٠٨).
(٤) ساقطة من ج وق وم.
[ ٢ / ٦٣ ]
سألَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بعضَ حوائجهِ (^١) من غيرِه (^٢). (^٣)
وفي «الزِّيادات»: إن المتيمِّمَ المسافرَ إذا رأى مع رجلٍ ماءً كثيرًا، وهو في الصَّلاةِ وغلبَ على ظنِّهِ أنهُ لا يعطيه، أو شكّ، مضى على صلاتِه؛ لأنه صحَّ شروعُهُ فلا يقطعُ بالشَّكِّ بخلافِ ما إذا كانَ خارج الصَّلاة، ولم يطلبْ منه، وتيمَّمَ حيثُ لا يحلُ لهُ الشُّروعُ بالشَّك، فإنَّ القدرةَ والعجزَ مشكوكٌ فيهما، وإن غَلَبَ على ظنِّهِ أنه يعطيه قطعَ الصَّلاةَ وطلبَ الماء (^٤).
ثمَّ قال (٥ في «الزيادات» (^٥): فإذا فرغَ من صلاتِهِ فسأله فأعطاه، أو أعطى بثمنِ المثل، وهو قادرٌ عليه استأنفَ الصَّلاة، فإذا أبى تمَّتْ الصَّلاة، وكذا إذا أبى، ثمَّ أعطى، لكن ينتقضُ تيمُّمُه الآن (^٦).
أقول: إن أردتَ أن تستوعبَ الأقسامَ كلَّها:
فاعلمْ أنه إذا رأى الماء (^٧) خارجَ الصَّلاةِ وصلَّى ولم يسألْ بعد الصَّلاة؛ ليَظْهَرَ العجزُ أو القدرة، فعلى ما ذكرَ في «المبسوط» (لم يجز) (^٨) سواءٌ غلبَ على ظنِّهِ الإعطاء، أو عدمُه، أو شكَّ فيهما، وهي مسألةُ المتن (^٩).
وإذا رأى في الصَّلاةِ ولم يسألْ بعدها، فكذا.
_________________
(١) كحديث ابن مسعود: «أتى النبي - ﷺ - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس» في «صحيح البخاري» (١: ٧٠)، و«جامع الترمذي» (١: ٢٥)، وغيرهما.
(٢) انتهى من «المبسوط» (١: ١١٥).
(٣) رد الصفار على هذا التدليل، فقال: لأنه - ﷺ - كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم فلا يقاس غيره عليه؛ لأنه إذا سأل افترض على المسؤول البذل ولا كذلك غيره. ينظر: «غنية المستملي» (ص ٦٩).
(٤) انتهى من «شرح الزيادات» لقاضي خان (ق ٣/أ)، بتصرف.
(٥) زيادة من أ وس.
(٦) انتهى من «شرح الزيادات» لقاضي خان (ق ٣/أ)، بتصرف.
(٧) ساقطة من ص وف وم.
(٨) زيادة من م.
(٩) أي مسألة «الوقاية» السابق ذكرها.
[ ٢ / ٦٤ ]
ويصلّي بهِ ما شاءَ من فرضٍ ونفل.
وينقضُهُ: ناقضُ الوضوء، وقدرتُهُ على ماءٍ كافٍ لطهرِه
وإن رأى خارجَ الصَّلاةِ ولم يسألْ وصلَّى، ثمَّ سألهُ فإن أُعطيَ بطلتْ صلاتُهُ وإن أبى تمَّتْ صلاتُهُ (^١) سواءٌ ظنَّ الإعطاءَ أو المنع، أو شكَّ فيهما.
وإن رأى في الصَّلاةِ فكما ذكرَ في «الزِّيادات» (^٢).
لكن يبقى صورتان:
أحدهما: أنه قطعَ الصَّلاةَ فيما إذا ظنَّ المنع، أو شكّ، فسأله فإن أعطيَ بطلَ تيمُّمُه، وإن أبى فهو باقٍ.
والأخرى: أنه أتمَّ الصَّلاةَ فيما إذا ظنَّ أنه يعطى، ثمَّ سألَهُ فإن أعطى بطلتْ صلاتُه، وإن أبى تمَّت؛ لأنه ظهرَ أنَّ ظنَّهُ كان خطأ بخلافِ مسألةِ التَّحري؛ لأن القبلةَ حينئذٍ في جهةِ التَّحري أصالة، وهاهنا الحكمُ دائرٌ على حقيقةِ القدرةِ والعجز، فأقيمَ غلبةُ الظَّنِ مقامَهُما تيسيرًا، فإذا ظهرَ خلافُهُ لم يبقَ قائمًا مقامَهُما (^٣).
(ويصلّي بهِ ما شاءَ من فرضٍ ونفل) (^٤) خلافًا للشَّافعيِّ (^٥) - ﵁ -.
(وينقضُهُ: ناقضُ الوضوء، وقدرتُهُ على ماءٍ كافٍ لطهرِه (^٦» حتى إذا قدرَ على الماءَ ولم يتوضَّأ، ثمَّ عدمَ أعاد التَّيمُّم.
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) ١: ٦٤)، وهي: المتيمِّمَ المسافرَ إذا رأى مع رجلٍ
(٣) حاصل جوابه: أن القبلة في حق من اشتبهت عليه هي جهة التحري، فالواجب هناك حقيقة هو الاستقبال إلى جهة تحريه، وقد فعل، فلا يضر ظهور خطأ ظنِّه بعد الفراغ، وفيما نحن فيه الحكم دائر على حقيقة القدرة والعجز عن الماء وأقيمت غلبة الظن مقامهما للتيسير فإذا بان خلافه لم يبق غلبة الظن قائمًا مقامهما فلذلك لم تعتبر إذا ظهر خلاف ظنِّه. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٠٣).
(٤) ينظر: «الحجة على أهل المدينة» (١: ٤٨ - ٤٩).
(٥) ينظر: «المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (١: ٩٨).
(٦) أي للوضوء لو محدثًا وللاغتسال لو جنبًا، واحترز به عما إذا كان يكفي لبعض أعضائه، أو يكفي للوضوء، وهو جنب، فلا يلزمه استعماله عندنا ابتداءً، وأيضًا اعتبار الأدنى فلو وجد ماءً فغسل به كل عضو مرتين أو ثلاثًا فنقص عن إحدى رجليه مثلًا بطل تيممه على المختار؛ لأنه لو اقتصر على المرة الواحدة كفاه. ينظر: «البحر» (١: ١٦٠)، و«رد المحتار» (١: ١٧٠).
[ ٢ / ٦٥ ]
وإنَّما قال: كافٍ لطهرِهِ، حتى إذا اغتسلَ الجُنُبُ ولم يصلِ الماءُ إلى (^١) لُمْعَةٍ ظهرِه، وفنيَ الماءُ وأحدث حدثًا يوجبُ الوضوء، فتيمَّمَ لهما:
ثمَّ وجدَ من الماءِ ما يكفيهما، بطلَ تيمُّمُهُ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهما.
وإن لم يكفِ لأحدهما بقيَ في حقِّهما.
وإن كفى لأحدهِما بعينِه غَسَلَه، ويبقى التَّيمُّمُ في حقِّ الآخر.
وإن كفى لكلٍّ منهما منفردًا غسلَ اللُّمْعَة؛ لأنَّ الجنابةَ أغلظ، فإذا غسلَ اللُّمْعَةَ هل يعيدُ التَّيمُّمُ للحدث؟ ففيه روايتان.
وإن تيمَّمَ أوَّلًا ثمَّ غسلَ اللُّمْعَة ففي إعادةِ التَّيمُّمِ روايتانِ أيضًا.
وإن صرفَ إلى الحدثِ انتقضَ تيمُّمُهُ في حقِّ اللُّمْعَةِ باتِّفاقِ الرِّوايتَيْن.
هذا إذا تيمَّمَ للحدثَيْن تيمُّمًَا واحدًا، أمَّا إذا تيمَّمَ للجَنَابة، ثمَّ أحدثَ فتيمَّمَ للحدث، ثمَّ وجدَ الماء، فكذا في الوجوهِ المذكورة.
وإن تيمَّمَ للجنابةِ ثمَّ أحدث، ولم يتيمَّمْ للحدثِ فوجدَ الماء، فإن كفى اللُّمْعَةَ والوضوءَ فظاهر.
وإن لم يكفِ لأحدهما لا ينتقضُ تيمُّمُه، فيستعملُ الماءَ في اللُّمْعةِ تقليلًا للجنابة، ويتيمَّمُ للحدث.
وإن كفى اللُّمْعَةَ لا الوضوءَ انتقضَ تيمُّمُه، ويغسلُ اللُّمْعةَ ويتيمَّمُ للحدث.
وإن كفى للوضوءِ لا للُّمْعَةِ فتيمُّمُهُ باقٍ وعليه الوضوء.
وإن كفى لكلِّ واحدٍ منهما منفردًا يصرفُهُ إلى اللُّمْعَة، ويتمَّمُ للحدث، فإن توضَّأَ به جاز، ويعيدُ التَّيمُّمَ للجَنابة (^٢)، ولو لم يتوضَّأ به، ولكن بدأ بالتَّيمُّمِ للحدثِ ثمَّ صرفَهُ إلى اللُّمعة، هل يعيدُ التَّيمُّمَ أم لا؟
ففي روايةِ «الزِّيادات» (^٣): يعيد.
وفي روايةِ «الأصل» (^٤): لا.
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) زيادة من ب وس وم.
(٣) شرح الزيادات» (ق ٣/أ).
(٤) الأصل» (١: ١٣١)، وهو المسمَّى بـ «المبسوط» لمحمد بن الحسن الشيباني - ﵁ -.
[ ٢ / ٦٦ ]
لا رِدَّتُه. وندبَ لراجيه أن يؤخِّر صلاتَهُ إلى آخرَ الوقت
ثمَّ إنَّما تثبتُ القدرةُ إذا لم يكنْ مصروفًا إلى جهةٍ أهم، حتى إذا كان على بدنِه أو ثوبِهِ نجاسةٌ يصرفُهُ إلى النَّجاسة، ثمَّ القدرةُ تثبتُ: بطريقِ الإباحة، وبطريقِ التَّمليك (^١).
فإن قال صاحبُ الماءِ لجماعةٍ من المتيمِّمين: ليتوضَّأ بهذا الماءِ أيُّكم شاء، والماءُ يكفي لكلِّ واحدٍ منفردًا، ينتقضُ تيمُّمُ كلُّ واحد، فإذا توضَّأ بهِ واحدٌ يعيدُ الباقونَ تيمُّمَهم؛ لثبوتِ القدرةِ لكلِّ واحدٍ على الانفراد.
وأمَّا إذا قال: هذا الماءُ لكم، وقبضوا، لا ينتقضُ تيمُّمُهم، أمَّا عندهما؛ فلأنَّ هبةَ المشاعِ يوجبُ الملكَ على سبيلِ الاشتراك، فيملكُ كلَّ واحدٍ مقدارًا لا يكفيه، وأمَّا عند أبي حنيفةَ - ﵁ -؛ فالأصحُّ (^٢) أنَّهُ يبقى على ملكِ الواهب، ولم تثبتْ الإباحة؛ لأنه لمَّا بطلَ الهبةُ بطلَ ما في ضمنِه من الإباحة، ثمَّ إن أباحوا واحدًا بعينِهِ ينتقضُ تيمُّمُهُ عندهما لا عنده؛ لأنَّهُ لمَّا لم يملكُوهُ لا يصحُّ إباحتهم.
(لا رِدَّتُه) حتى إذا تيمَّمَ المسلمُ ثم ارتدّ، نعوذُ باللهِ تعالى منه، ثمَّ أسلمَ تصحُّ صلاتُهُ بذلك التَّيمُّم (^٣).
(وندبَ لراجيه): أي لراجي (^٤) الماء، (أن يؤخِّر صلاتَهُ إلى آخرَ الوقت)، فلو صلَّى بالتَّيمُّمِ في أوَّلِ الوقت، ثمَّ وجدَ الماءَ والوقتُ باقٍ لا يعيدُ الصَّلاة.
_________________
(١) الفرق بينهما: أن المُمَلَّكَ له يدخل في ملكه ذلك الشيء، وتترتب عليه آثاره، فيقدر على بيعه، وهبته، وسائر الانتقالات، وغير ذلك مما يجوز للإنسان أن يفعله في ملكه، وأما المباح له فلا يملك إلا الانتفاع بذلك الشيء الذي أبيح له ولا يملك التصرف فيه كتصرف الرجل في ملكه. ينظر: «السعاية» (ص ٥٥١).
(٢) لأن فيها رواية عن عصام أنها تفيد الملك، وبه أخذ بعض المشايخ. قال خير الدين الرملي: ومع افادتها للملك عند هذا البعض أجمع الكل على أن للواهب استردادها من الموهوب له، ولو كان ذا رحم محرم من الواهب. كذا في «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» (٢: ١١٢) لخير الدين الرملي.
(٣) لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة والكفر لا ينافيها كالوضوء، والردة تبطل ثواب العمل لا زوال الحدث. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٧٠).
(٤) المراد بالرجاء غلبة الظن، فإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين. ينظر: «البحر» (١: ١٦٣ - ١٦٤).
[ ٢ / ٦٧ ]
ويجبُ طلبُهُ قدرَ غَلْوة، لو ظنَّهُ قريبًا وإلا فلا، ولو نسيَهُ مسافرٌ في رَحْله، وصلَّى متيمِّمًا، ثم ذكرَهُ في الوقتِ لم يُعِدْ إلاَّ عند أبي يوسفَ - ﵁ -
(ويجبُ طلبُهُ (^١) قدرَ غَلْوة، لو ظنَّهُ قريبًا وإلا فلا)، الغَلْوةُ (^٢): مقدارُ ثلاثمئةِ ذراعٍ إلى أربعمئة (^٣).
وعن أبي يوسف - ﵁ -: أنه إذا كان الماءُ بحيثُ لو ذهبَ إليه وتوضَّأَ تذهبُ القافلةُ وتغيبُ عن بصرِه، وكان بعيدًا جازَ له التَّيمُّم، قال صاحبُ «المحيط» (^٤): هذا حسن جدًا (^٥).
(ولو نسيَهُ مسافرٌ في رَحْله، وصلَّى متيمِّمًا، ثم ذكرَهُ في الوقتِ (^٦) لم يُعِدْ (^٧) إلاَّ عند أبي يوسفَ (^٨) - ﵁ -)، (قيل: الخلافُ فيما إذا وضعَهُ بنفسه، أو وضعَهُ غيرُه) (^٩) (^١٠)،
_________________
(١) أي على المسافر؛ لأن طلب الماء في العمرانات أو في قربها واجب مطلقًا. ينظر: «البحر» (١: ١٦٨).
(٢) الغَلْوة: الغاية، مقدار رمية. ينظر: «الصحاح» (٢: ٢٠٨).
(٣) وعلى اعتبار الغلوة، فالطلب أن ينظر يمينه وشماله وأمامه ووراءه غلوة، وظاهره أنه لا يلزمه المشي بل يكفيه النظر في هذه الجهات، وهو في مكانه هذا إذا كان حواليه لا يستتر عنه، فإن كان بقربه جبل صغير ونحوه صعده ونظر حواليه إن لم يخف ضررًا. ينظر: «البحر» (١: ١٦٩).
(٤) المحيط البرهاني» لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إمامًا فارسًا في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: «ذخيرة الفتاوي» المشهورة بـ «الذخيرة البرهانية»، قال الإمام اللكنوي عنها: وهي مجموع نفيس مُعتبرٌ، (ت ٦١٦ هـ). ينظر: «الجواهر» (٣: ٢٣٣ - ٢٣٤). «الفوائد» (ص ٢٩١ - ٢٩٢). «الكشف» (٢: ١٦١٩).
(٥) المسألة مذكورة في «المحيط» (ص ٢٨١) لكن لم أقف على لفظ: هذا حسن جدًا، بعدها.
(٦) الذكر في الوقت وبعده سواء. ينظر: «الهداية» (١: ٢٧).
(٧) لأنه لا قدرة بدون العلم، وهو المراد بالوجود وماء الرحل معد للشرب لا للاستعمال. ينظر: «الهداية» (١: ٢٧).
(٨) لأنه لما كان الماء في رحله صار قادرًا على الماء واجدًا له لكون رحله في يده، فلا يعتبر بنسيانه. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٠٧).
(٩) أي غيره بأمره. ينظر: «الهداية» (١: ٢٧).
(١٠) ساقطة من ص وف وم.
[ ٢ / ٦٨ ]