مصلٍّ سبقَهُ الحدثُ توضَّأَ وأتمَّ ولو بعد التَّشهُّد والاستئنافُ أفضل، والإمامُ يجرُّ آخرَ إلى مكانِه، ثُمَّ
[باب الحدث في الصلاة]
(مصلٍّ سبقَهُ الحدثُ توضَّأَ وأتمَّ) (^١) خلافًا للشَّافِعِيِّ (^٢) - ﵁ -، (ولو بعد التَّشهُّد) خلافًا لهما؛ فإنَّه إذا قعدَ قَدْرَ التَّشهُّد تمَّت صلاتُه، وعند أبي حنيفةَ - ﵁ - لم يَتِمّ؛ لأنَّ الخروجَ بصنعِهِ فرضٌ عنده، (والاستئنافُ (^٣) أفضل) (^٤).
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمًا إجماليًا شاملًا لجميعِ المصلين، فصَّلَ حكمَ كلّ واحدٍ من الإمام، والمنفرد، والمقتدي، فقال: (والإمامُ يجرُّ آخرَ إلى مكانِه): هذا تفسيرُ الاستخلاف، (ثُمَّ
_________________
(١) للبناء شروط، وهي: الأول: كون الحدث سماويًا، وهو ما لا اختيار للعبد فيه، ولا في سببه. والثاني: غير موجب لغسل. والثالث: غير نادر الوجود، نحو القهقهة والإغماء. والرابع: عدم تأدية ركن مع الحدث، أو مشي. والخامس: عدم فعل منافٍ، أو فعل له منه بد. والسادس: عدم التراخي بلا عذر كزحمة. والسابع: عدم ظهور حدثه السابق كمضي مدة مسحه. والثامن: عدم تذكر فائتة وهو ذو ترتيب. والتاسع: عدم إتمام المؤتم في غير مكانه. والعاشر: عدم استخلاف إمام غير صالح للصلاة. ينظر: «الدر المختار» وحاشيته «رد المحتار» (١: ٤٠٣).
(٢) ينظر: «حاشيتا قليوبي وعميرة» (١: ٢٠٤)، و«نهاية المحتاج شرح المنهاج» (٢: ١٣)، و«حاشية الجمل» (١: ٤١٣).
(٣) معنى الاستئناف: أي يعمل عملًا يقطع الصلاة، ثم يشرع بعد الوضوء. ينظر: «حاشية الشلبي على التبيين» (١: ١٤٥).
(٤) تحرزًا عن شبهة الخلاف، وقيل: إن المنفرد يستقبل، والإمام والمقتدي يبني؛ صيانة لفضيلة الجماعة. ينظر: «الهداية» (١: ٣٣١).
[ ٢ / ١٣٥ ]
يتوضَّأ ويتمُّ ثَمَّة، أو يعود، وكذا المنفرد إن فرغَ إمامُه، وإلاّ عاد، وكذا المُقْتدي، ولو جُنّ، أو أُغْميَ عليه، أو احْتَلَم، أو قهقَه، أو أحدثَ عمدًا، أو أصابه بولٌ كثير، أو شُجَّ فسال، أو ظنَّ أنه أحدث فخرج من المسجد، أو جاوزَ الصُّفوفَ خارجه، ثُمَّ ظهرَ طهرُهُ بَطَلَتْ، ولو لم يخرج، أو لم يتجاوز بَنَى
يتوضَّأ ويتمُّ ثَمَّة، أو يعود): أي إن شاءَ يُتِمُّ حيث توضَّأ، وإن شاءَ توضَّأ، وعاد إلى المكان الأَوَّل، وإنِّما خُيِّر (^١)؛ لأنَّ في الأَوَّلِ قلَّةَ المَشْي، وفي الثَّاني أداءَ الصَّلاة في مكانٍ واحد (^٢)، فيميلُ إلى أيِّهما شاء.
«وكذا المنفرد) (^٣»: أي إن شاءَ يتمُّ حيث توضَّأ، وإن شاءَ عاد.
(إن فرغَ إمامُه): متصلٌ بقولهِ: ويتمُّ ثَمَّة أو يعود، والضَّميرُ في إمامِهِ يرجع إلى الإمام الأَوَّل (^٤)، وإمامُهُ هو الذي استخلفَه، فإنَّ الخليفةَ إمامٌ للإمامِ الأَوَّلِ وللقوم، (وإلاّ عاد) (^٥): أي وإن لم يفرغْ إمامُه، وهو الخليفة، يعودُ الإمام ويُتِمُّ خلفَ خليفته.
(وكذا المُقْتدي): أي إن فرغَ إمامُه يُتِمُّ ثَمَّه، أو يعود، وإن لم يَفْرُغْ يعود.
(ولو جُنّ، أو أُغْميَ عليه، أو احْتَلَم): أي نامَ في صلاتِه نومًا لا ينقضُ وضوؤه به (^٦) فاحتلم، (أو قهقَه، أو أحدثَ عمدًا، أو أصابه بولٌ كثير، أو شُجَّ (^٧) فسال، أو ظنَّ أنه أحدث فخرج من المسجد، أو جاوزَ الصُّفوفَ خارجه، ثُمَّ ظهرَ طهرُهُ بَطَلَتْ، ولو لم يخرج، أو لم يتجاوز بَنَى): اعلم أن هذه الحوادثَ حوادثُ (^٨) نادرة، فلم تكنْ في معنى ما وَرَدَ به النَّصّ، وهو قوله - ﷺ -: «مَنْ قَاءَ، أَوْ رَعَفَ فِي صَلاتِه، فَلْيَنْصَرِفْ، وَلِيَتَوَضَّأ،
_________________
(١) وهو اختيار شيخ الإسلام والإمام السرخسيّ، وهو أفضل. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ١١٤).
(٢) في الثاني قلة المشي وهو اختيار البعض. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ١١٤).
(٣) في ب وج وص: كالمنفرد.
(٤) زيادة من أ.
(٥) وجوبًا إذا لم يكن بين موضع الصلاة وبين موضع وضوئه ما يمنع صحة الاقتداء كالطريق والنهر ونحوهما، فإن كان خيِّر بين أن يعود وبين أن يتم فبذلك الموضع. ينظر: «العمدة» (١: ١٨٤).
(٦) زيادة من أ.
(٧) أي أصابه حجر فشج رأسه. ينظر: «شرح الوقاية» لابن ملك (ق ٣٣/أ)، وينظر: «اللسان» (٣: ٢١٩٧).
(٨) زيادة من ص وم.
[ ٢ / ١٣٦ ]
ولو أحدثَ عمدًا بعد التَّشهُّد، أو عَمِلَ عَمَلًا ما يُنافيها تمَّتْ، ويبطلُها بعده: رؤيةُ المتيمِّمِ الماء، ونَزعُ الماسحِ خفَّهُ بعملٍ يسير، ومضي مدَّةِ مسحِه، وتعلُّمُ الأميِّ سورة، ونيلُ العاري ثوبًا، وقدرةُ المومئ على الأركان، وتذكُّر فائتة، وتقديمُ القارئ أُمِّيًا، وطلوعُ ذُكاء في الفجر، ودخولُ وقتِ العصرِ في الجُمُعة، وزوالُ عُذْرِ المعذور، وسقوطُ الجبيرةِ عن بُرْء، وكذا قهقهةُ الإمام، وحدثُه عمدًا يفسدُ صلاةَ المسبوق
وَلِيَبْنِ عَلَى صَلاتِه مَا لَمْ يَتَكَلَّم» (^١).
(ولو أحدثَ عمدًا بعد التَّشهُّد، أو عَمِلَ عَمَلًا (^٢) ما يُنافيها تمَّتْ)؛ لوجودِ الخروجِ بصنعِه، (ويبطلُها بعده): أي بعد التَّشهُّد عند أبي حنيفة - ﵁ -: (رؤيةُ المتيمِّمِ الماء، ونَزعُ الماسحِ خفَّهُ بعملٍ يسير) إنِّما قال بعمل يسير؛ لأنَّه لو عَمِلَ هناك عملًا كثيرًا يُتِمُّ صلاتَه، (ومضي مدَّةِ مسحِه، وتعلُّمُ الأميِّ سورة (^٣)، ونيلُ العاري ثوبًا، وقدرةُ المومئ على الأركان، وتذكُّرِ فائتة): أي لصاحب التَّرتيب، (وتقديمُ القارئ أُمِّيًا، وطلوعُ ذُكاء في الفجر، ودخولُ وقتِ العصرِ في الجُمُعة، وزوالُ عُذْرِ المعذور، وسقوطُ الجبيرةِ عن بُرْء) الخلافُ في هذه المسائل الاثني عشرَ بين أبي حنيفة وصاحبيه مَبْنِيٌّ على أنَّ الخروجَ بصنعِهِ فرضٌ عنده لا عندهما (^٤).
(وكذا قهقهةُ الإمام، وحدثُه عمدًا يفسدُ (^٥) صلاةَ المسبوق): أي تبطلُ بعد
_________________
(١) عن عائشة - ﵁ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف فليتوضَّأ، ثُمَّ ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلَّم» في «سنن ابن ماجه» (١: ٣٨٥)، واللفظ له، و«سنن الدارقطني» (١: ١٥٥)، قال الزيلعي في «نصب الراية» (١: ٣٨): حديث عائشة - ﵁ - صحيح.
(٢) زيادة من ب وف.
(٣) يعني صلى بلا قراءة فبعدما قعد قدر التشهد تعلم ما يجوز به الصلاة آية، أو ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، فذكر السورة اتفاقي، وذلك بأن سمع من قارئ سورة الإخلاص مثلًا فقدر على قراءتها وحفظها، فحينئذٍ تبطل صلاته؛ لرفع العجز ووجود القدرة على القراءة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٨٦).
(٤) هذا على تخريج أبي سعيد البردعي - ﵁ -، وخرَّجها الكرخي على أصل آخر: وهو أن عند أبي حنيفة - ﵁ - ما غيَّر الفرض في أوله غيره في آخره، مثل نية الإقامة للمسافر واقتداء المسافر بالمقيم. وتمامه في «تأسيس النظر» (ص ٣).
(٥) زيادة من م.
[ ٢ / ١٣٧ ]
لا كلامُهُ وخروجُهُ من المسجد، إمامٌ حَصِرَ عن القراءة فاستخلفَ صحَّ كتقديمه مسبوقًا، فيتمُّ صلاةَ الإمامِ أَوَّلًا، ويُقَدِّمُ مُدْرِكًا؛ ليسلِّمَ بهم، وحين أتمَّها يضرُّه المنافي، والأوَّلُ إلاَّ عند فراغِه لا القوم، مَن رَكَع أو سجدَ فأحدث أو ذَكَرَ سَجْدةً فسَجَدَها يعيدُ ما أحدثَ فيه إن بَنَى حتمًا، وما ذَكَرَها فيه ندبًا
التَّشهُّد صلاةُ المسبوق؛ لوقوعِه في خلالِ صلاتِه (^١)، (لا كلامُهُ وخروجُهُ من المسجد): أي إن تكلَّمَ الإمامُ بعد التَّشهُّدِ لا يُبْطِلُ صلاةَ المسبوق؛ لأنَّ الكلامَ كالسَّلام منه للصَّلاة.
(إمامٌ حَصِرَ (^٢) عن القراءة فاستخلفَ صحَّ) عند أبي حنيفة - ﵁ - خلافًا لهما (^٣)، وهذا إذا لم يقرأ مقدارَ (^٤) ما يجوزُ به الصَّلاةُ، أمَّا إذا قرأ تفسدُ صلاتُه؛ لأنَّ الاستخلافَ عملٌ كثير، فيجوز حالةَ الضَّرورة، (كتقديمه مسبوقًا): أي كتقديمِ الإمامِ مسبوقًا سواءٌ أحدثَ الإمام، أو حَصِر، فإنَّه ينبغي أن يقدِّمَ مُدْرِكًا لا مسبوقًا، ومع ذلك إن قَدَّم مسبوقًا يصحّ.
(فيتمُّ صلاةَ الإمامِ أَوَّلًا، ويُقَدِّمُ مُدْرِكًا؛ ليسلِّمَ بهم، وحين أتمَّها يضرُّه المنافي، والأوَّلُ إلاَّ عند فراغِه لا القوم): أي حين أتمَّ المسبوقُ صلاةَ الإمام لو وُجِدَ منه منافي الصَّلاة كالقَهْقَهة، والكلام، والخروجِ من المسجدِ تَفْسُدُ صلاتُه، وصلاةُ الإمام الأَوَّل؛ لأنَّه وجدَ في خلالِ صلاتِهما إلاَّ عند فراغِ الإمامِ الأَوَّل بأن توضَّأ وأدركَ خليفتَه بحيث لم يفتْهُ شيء، وأتمَّ صلاتَهُ خَلْفَ خليفتِه، ولا تفسدُ صلاةُ القوم؛ لأنَّه قد تَمَّتْ صلاتُهم.
(مَن رَكَع، أو سجدَ فأحدث، أو ذَكَرَ سَجْدةً فسَجَدَها يعيدُ ما أحدثَ فيه إن بَنَى حتمًا، وما ذَكَرَها فيه ندبًا): أي مَن أحدثَ في ركوعِه، أو سجودِه وتوضَّأ، وبَنَى
_________________
(١) هذا عند أبي حنيفة - ﵁ -، وله أن القهقهة مفسدة للجزء الذي لاقته من صلاة الإمام، فتفسد مثله من صلاة المأموم، إلا ان الإمام لا يحتاج إلى البناء، والمسبوق يحتاج إليه؛ لبقاء الفرائض، وفساد ذلك الجزء يمنعه من بناء ما بقي عليه؛ لأن المبني على الفاسد فاسد، فيلزمه الاستئناف، بخلاف السلام؛ لأنه محلِّل لا مفسد؛ ولهذا لا يفوت به شرط الصلاة، وهو الطهارة، فإذا صادف جزءًا لم يفسده، فلم يؤثر ذلك في حكم المسبوق، ولكنه يقطعه في أوانه. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٩٨).
(٢) حَصِرَ: كل ما امتنع من شيء فلم يقدر عليه فقد حصر عنه، ولهذا قيل حَصِر في القراءة. ينظر: «مختار» (ص ١٤٠).
(٣) لأن الحصر نادر فلا يلحق بما ورد به النص، وله أن جواز الاستخلاف لعلة العجز، وهو في صورة الحصر ألزم، والعجز عن القراءة غير نادر. ينظر: «العمدة» (١: ١٨٧).
(٤) سقطت من ف وم، وفي أ: قدر، وفي ص: بقدر.
[ ٢ / ١٣٨ ]
إن أمَّ واحدًا فأحدث، فالرُّجلُ إمامٌ بلا نيَّة إن كان وإلاَّ قيل: تفسدُ صلاتُه.