هو دمٌ ينفُضُهُ رَحْمُ امرأةٍ بالغةٍ لا داءَ بها، ولم تبلغ الإياس
الخُفَّين، حيث يلزمُهُ غَسْلُ الرِّجلين (^١).
باب الحيض والنفاس (^٢)
الدِّماء المختصة بالنِّساء (^٣) ثلاثة: حيض (^٤)، واستحاضة (^٥)، ونُفاس (^٦).
فالحيض: (هو دمٌ ينفُضُهُ رَحْمُ امرأةٍ بالغةٍ): أي بنتِ تسعِ سنين، (لا داءَ بها، ولم تبلغ الإياس)، فالذي لا يكونُ من الرَّحم ليس بحيض، وكذا الذي قبل سنِّ البلوغ، أي تسع سنين، وكذا ما يَنْفِضُهُ الرَّحم لمرض، وإذا استمرَّ (^٧) الدَّمُ كان سيلان البعضِ طبيعيًا، فكان حيضًا، وسيلانُ البعضِ بسببِ المرض، فلا يكونُ حيضًا.
وكما قيَّدَهُ بعدمِ الدَّاء، يَجِبُ أن يقيِّدَه بعدم الولادة أيضًا احترازًا عن النُّفاس، ثُمَّ
_________________
(١) ويزاد على هذه الفروق: الخامس: أنها تجوز للمحدث والجنب كليهما بخلاف مسح الخف فلا يجوز إلا للمحدث. والسادس: أنه تجوز الصلاة بدون مسح الجبيرة على رواية ولا كذلك مسح الخف. والسابع: أنه يشترط فيه الاستيعاب في رواية بخلاف مسح الخف، والثامن: أنه تشترط فيه النية اتفاقًا بخلاف مسح الخف، فإنه يشترط له النية على رواية. والتاسع: أنه يجوز الجمع بين مسح جبيرة رجل وغسل الرجل الأخرى ولا كذلك مسح الخف، والعاشر: أنه يجوز المسح على الجبيرة وإن كانت على غير الرجلين بخلاف مسح الخف، وغيرها. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١١٩).
(٢) زيادة من س.
(٣) احترز بهذا القيد عن دم الرعاف والفصد ونحو ذلك مما يعم الرجل والمرأة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٢٠).
(٤) الحيض: في اللغة السيلان. ينظر: «الكليات» (ص ٣٩٩) للكفوي.
(٥) استحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد، فهي مستحاضة، والمستحاضة التي يرقأ دم حيضها ولا يسيل من المحيض ولكنه يسيل من عرق يقال له: العاذل. ينظر: «اللسان» (٢: ١٠٧١).
(٦) النُّفاس: ولادة المرأة إذا وضعت. ينظر: «القاموس» (٢: ٢٦٥).
(٧) الغرض منه بيان انه قد يجتمع الحيض والاستحاضة في دم واحد باختلاف الأزمان. ينظر: «العمدة» (١: ١٢٠).
[ ٢ / ٨٠ ]
الأصحُّ (^١) أن الحيضَ مؤقَّتٌ إلى سنِّ الإياس (^٢)، وأكثرُ المشايخ قدَّروه بستِّين سنة، ومشايخُ بُخارا (^٣) وخَوَارَزْم (^٤) بخمسٍ وخمسين سنة (^٥)، فما رأتْ بعدها لا يكونُ حيضًا في ظاهرِ المذهب، والمختارُ أنَّها إن رأت دمًا قويًَّا كالأسودِ والأحمرِ القاني كان حيضًا، ويبطلُ الاعتدادُ بالأشهرِ قبل التَّمام، وبعدَه لا (^٦)
وإن رأت صُفْرَة، أو خُضْرة، أو تُرْبِية، فهي استحاضة (^٧).
_________________
(١) وصححه في «البحر» (١: ٢٠١).
(٢) اختلفوا في تقدير سن الإياس: فمنهم من قدره بستين سنة، ومنهم من قدره خمس وخمسين سنة، وهو المختار ينظر: «الظهيرية»، و«العناية» (١: ١٤٥)، و«الهدية العلائية» (ص ٤٣)، وقال صاحب «المراقي» (ص ١٧٥): وهو المفتى به، ومنهم من قدره بخمسين سنة، قال صاحب «الكفاية» (١: ١٤٢): وعليه الفتوى في زماننا، ومنهم من قدره خمس وأربعين.
(٣) بُخارا: بالضَّم من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلُّها، وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك السَّامانيَّة. ينظر: «معجم البلدان» (١: ٣٥٣).
(٤) خَوَارَزْم: بلدة كبيرة سميت به؛ لأنَّ الجماعةَ التي بنوها أَوَّل الأمرِ كان مأكلهم لحم الصيد، وكان فيها حطب كثير، وبلغة أهل خوارزم: خوار: اللحم، ورزم: الحطب. وقيل: خوار بالفارسية: السهلة، ورزم: الحرب، وكان الحرب يسهل على سكانها، وقيل: لما أقام بها هرمز بن أنوشيروان رأى أرضًا سهلة، فقال: خوارزمين. ينظر: «الفوائد» (ص ٣٥).
(٥) زيادة من أ وف.
(٦) أي لا يبطل الاعتداد وصورتها: أنه لو طلقت الآيسة فاعتدت بالأشهر بناء على أن عدة الآيسة ثلاثة شهور، ثم عاد دمها قويًا، فإن كان ذلك في أثناء تلك الأشهر يحكم ببطلان تلك العدة، ويجب عليها استئناف العدة بثلاثة حيض، لتبيِّنَ كونها ذات حيض، وإن كان ذلك بعد تمام الأشهر الثلاثة لا يحكم ببطلانها، حتى لو نكحت زوجًا آخر بعد ثلاثة أشهر لا يفسدُ ذلك النكاح، نعم يجب عليها العدَّةُ في المستقبل بالحيض، واختاره هذا التفصيل صاحب «الدر المختار» (١: ٢٠٢)، وقال صاحب «النهر»: أعدل الروايات، وفي «المجتبى» أنَّه الصَّحيح المختار، وفي «تصحيح القدوري»: وهذا التصحيح أولى من تصحيح «الهداية» وهو بطلان العدَّة بالأشهر بعود الدم مطلقًا، ينظر: «رد المحتار» (١: ٢٠٢)، و«العمدة» (١: ١٢١).
(٧) الاستحاضة: دم نقص عن ثلاثة أيام، أو زاد على عشرة في الحيض، وعلى أربعين في النفاس، أو زاد على عادتها. ينظر: «المراقي» (ص ١٧٧)، وحكمه: كحكم رعاف دائم، لا يمنع صومًا ولا صلاةً، ولا نفلًا ولا جماعًا، ولا قراءة، ولا مس مصحف، ودخول مسحد، وكذا لا يمنع عن الطواف إن أمنت اللوث. ينظر: «الهدية العلائية» (ص ٤٥).
[ ٢ / ٨١ ]
وأقلُّه ثلاثةُ أيَّام ولياليها، وأكثرُه عشرة
(وأقلُّه ثلاثةُ أيَّام ولياليها، وأكثرُه عشرة)، وعند أبي يوسفَ - ﵁ - أقلُّه يومان، وأكثرُ (من اليوم) (^١) الثَّالث، وعند الشَّافِعِيِّ (^٢) - ﵁ - أقلُّهُ يومٌ وليلة، وأكثرُه خمسةَ عشر، ونحن نتمسَّكُ بقولِه - ﷺ -: «أَقَلُّ الحَيْضِ لِلجَارِيَةِ البِكْرِ وَالثَّيْبِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّام» (^٣).
ثُمَّ اعلم أنَّ مبدأَ الحيضِ من وقتِ خروجِ الدَّمِ إلى الفرجِ الخارج (^٤).
(ووصول الدَّم إلى الفرج الداخل) (^٥)، (فإذا لم يصل إلى الفرج الخارج) (^٦)، بحيلولة الكُرْسُف (^٧) لا تقطع الصَّلاة، فعند وَضْعِ الكُرْسُفِ إنِّما يتحقَّقُ الخروجُ إذا وصلَ الدَّمُ إلى ما يحاذي الفرج الخارج من الكُرْسُف، فإذا احمرَّ من الكُرْسُفِ ما يحاذي الفرج الدَّاخل لا يتحقَّق الخروج إلاَّ إذا رفعَتْ الكُرْسف، فيتحقَّقُ الخروجُ من وقتِ الرَّفع، وكذا في الاستحاضة، والنِّفاس، والبول، ووضعُ الرَّجلِ القُطْنةَ في الإحليل، والقُلْفة كالخارج (^٨).
_________________
(١) زيادة أ وب وس.
(٢) ينظر: «المنهاج» (١: ١٠٩).
(٣) من حديث أبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس وعائشة - ﵃ -: قال رسول الله - ﷺ -: «أقلُّ الحيض ثلاث وأكثره عشرة» في «المعجم الكبير» (٨: ١٢٦)، واللفظ له، و«المعجم الأوسط» (١: ١٩٠)، و«سنن الدارقطني» (١: ٢١٨)، و«العلل المتناهية» (١: ٣٨٣)، و«الكامل» (٢: ٣٧٣)، و«التحقيق» (١: ٢٦٠)، وطرقه يعضد بعضها بعضًا، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه. ينظر: «نصب الراية» (١: ١٩١)، و«الدراية» (١: ٨٤).
(٤) للمرأة فرجان فرج ظاهر، وفرج باطن علىصورة الفم، وللفم شفتان وأسنان وجوف. فالفرج الظاهر: بمنْزلة الشفتين والأسنان، وموضع البكارة بمنْزلة الأسنان، والركنان بمنْزلة الشفتين، والفرج الباطن بمنْزلة المأكل ما بين الأسنان وجوف الفم، وحكم الفرج الباطن حكم قصبة الذكر لا يعطى للخارج إليه حكم الخروج، والفرج الظاهرة بمنْزلة القُلْفَة يعطى للخارج إليه حكم الخروج. ينظر: «المحيط» (ص ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٥) زيادة من أ.
(٦) زيادة من أ ب وس.
(٧) الكُرْسُف: القطن، وقد يطلق على صاحبة الكرسف التي تستعمله في زمن المحيض. ينظر: «التعاريف الفقهية» (ص ٤٤٢).
(٨) أي إذا خرج بول من لم يختن من المثانة ووصل إلى القلفة، ولم يظهر خارجًا منها يحكم بانتقاض الوضوء؛ لأن حكم القلفة حكم الخارج من كل وجه في انتقاض الوضوء. ينظر: «العمدة» (١: ١٢٢).
[ ٢ / ٨٢ ]
والطُّهْرُ المُتَخَلِّل في مُدَّتِه وما رأت من لون فيها سوى البياضِ الخالصِ حيضٌ
ثُمَّ وَضْعُ الكُرْسُفِ مُسْتَحَبُّ للبكرِ في الحيض، وللثَّيب في كلِّ حال، وموضعُهُ موضعُ البكارة، ويُكْرَهُ في الفرج الدَّاخل، فالطَّاهرةُ إذا وَضَعَت أوَّل اللَّيل، فحين أصبحَتْ رأت عليه أثرَ الدَّم، فالآن يَثْبُتُ حُكْمُ الحيض، والحائضُ إذا وَضَعَتْ (أول الليل) (^١) ورأت عليه البياضَ حين أصبحت حُكِمَ بطهارتِها من حين وَضَعَتْ.
(والطُّهْرُ المُتَخَلِّل (^٢»: أي بين الدَّمين، (في مُدَّتِه): أي مُدَّة الحيض، (وما رأت من لون فيها): أي في المُدَّة، (سوى البياضِ (الخالصِ) (^٣) حيضٌ).
فقولُهُ: والطَّهْرُ إذا تخلَّلَ بين الدَّمين: مبتدأ، وما رأت: عطفٌ عليه، وحيضٌ: خَبَرُه.
واعلم أنَّ الطُّهْرَ الذي يكون أقلَّ من خمسةَ عشرَ (^٤) إذا تخلَّلَ بين الدَّمين:
فإن كان أقلّ من ثلاثةِ أيام لا يفصلُ بينهما، بل هو كالدَّم المتوالي إجماعًا.
وإن كان ثلاثةَ أيام أو أكثر، فعند (^٥) أبي يوسفَ - ﵁ -، وهو قولُ أبي حنيفةَ - ﵁ - آخرًا (^٦) لا يفصل، وإن كان أكثر من عشرةِ أيام (^٧)، فيجوزُ بدايةُ الحيض وختمُهُ بالطُّهْرِ على هذا القول فقط (^٨)، وقد ذُكِرَ أنّ الفتوى على هذا تيسيرًا على المُفْتِي والمستفتي (^٩).
_________________
(١) زيادة من أ.
(٢) أي الزمان الفاصل بين الدمين.
(٣) زيادة من م.
(٤) لأن أقل مدة بين الحيضتين خمسة عشر يومًا ولياليها بالاتفاق. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٩٠).
(٥) في ص وف وم: فعن.
(٦) زيادة من أ وب وس وص وف.
(٧) على هذا القول إن كان الطهر كلُّه لا يزيد على العشرة فالكل حيض، ما رأت فيه الدم وما لم تر، سواء كانت مبتدأة أو صاحبة عادة، وإن زاد على العشرة: إن كانت لها عادة ردَّت إليها، ويكون الزائد استحاضة، وإن كانت مبتدأة، فالعشرة حيض ما رأت فيه الدم وما لم تر، وما زاد استحاضة. كذا في «فتح باب العناية» (١: ٢٠٩).
(٨) لكن يشترط إحاطة الدم من الجانبين، كما إذا رأت قبل عادتها يومًا دمًا وعشرةً طهرًا ويومًا دمًا، فالعشرة حيض. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٠٩).
(٩) وقيل: هو آخر أقوال أبي حنيفة - ﵁ -، قال صاحب «الهداية» (١: ٣٢)، والأخذ بهذا القول أيسر، وقال صاحب «الفتح» (١: ١٥٣): وعليه الفتوى، وقال صاحب «العناية» (١: ١٥٣): والأخذ به أيسر، لأن في قول محمد تفاصيل يشق ضبطها، وكذا صاحب «البحر» (١: ٢١٦)،
[ ٢ / ٨٣ ]
وفي روايةِ محمَّدٍ - ﵁ - عنه: إنَّه لا يفصلُ إن أحاطَ الدَّمُ بطرفيه في عشرة، أو أقلّ (^١).
وفي رواية ابنُ المُبارك (^٢) - ﵁ - عنه: إنه يشترطُ مع ذلك (^٣) كون الدَّمين نصابًا (^٤).
وعند محمَّدٍ - ﵁ - يُشْتَرطُ مع هذا (^٥) كون الطُّهْرِ مساويًا للدَّمين، أو أقلّ، ثُمَّ إذا صارَ دمًا عنده (^٦)، فإن وُجِدَ في عشرة هو فيها طُهْرٌ آخر يغلبُ الدَّمينِ المحيطين به، لكن يصيرُ مغلوبًا إن عُدَّ ذلك الدَّمُ الحكميُّ دَمًَا، فإنَّه يُعَدُّ دَمًَا حتَّى يُجْعَلَ الطُّهْرُ الآخرُ حيضًا أيضًا (^٧)، إلاَّ في قول (^٨) أبي سَهل (^٩)
- ﵁ -، ولا فرقَ بين أن يكونَ
_________________
(١) أي أن المعتبر أن يكون في أولها وآخرها دم كالنصاب في باب الزكاة.
(٢) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المَرْوَزِيّ، أبو عبد الرحمن، كان يأخذ برأي أبي حنيفة، وقال الذهبي: كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في الشجاعة والجهاد، رأسًا في الكرم، وقال الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، من مصنَّفاته: «الجهاد»، و«الرَّقائق»، (١١٨ - ١٨١ هـ). ينظر: «وفيات» (٣: ٣٢٣٤)، «طبقات الشيرازي» (ص ١٠٧ - ١٠٨)، «المستطرفة» (٣٧).
(٣) أي مع ما سبق من الكلام في رواية محمد - ﵁ - من أنه يكون أولها وآخرها دم.
(٤) أي ثلاثة أيام ولياليها.
(٥) هذا رواية أخرى عند محمد - ﵁ - يشترط فيها زيادة على ما سبق من أن يكون أولها وآخرها دم على ما سيذكره.
(٦) أي إن صار الطهر المساوي للدمين أو الأقل منهما دمًا حكميًا عند محمد - ﵁ -، وصورة الدم الحكمي مثلًا أن ترى امرأة مبتدأة يومًا دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ويومين دمًا، فيكون ما رأت دمًا حكميًا في ستة أيام.
(٧) أي إن وجد طهرٌ آخر مع الدم الحكمي في عشرة أيام - وهي أقصى مدة في الحيض - تفوق أيامه أيام الدم المحيط به إذا لم يعتبر الدم الحكمي، بل عدّ أيام الدم الحقيقي فحسب، ولكن يعدُّ الدم الحكمي مع الدم الحقيقي فتكون جميعًا حيضًا لزيادتها عليه، وصورته: أن ترى امرأة متبدأة يومين دمًا، وثلاثة طهرًا، ويومًا دمًا، وثلاثة طهرًا، ويومًا دمًا، ففي هذه الصورة قد أحاط الدم بالطرفين، فلم يعد الدم الحكمي مع الدم الحقيقي فإن عدد أيام الطهر، وهي ستة أيام تفوق أيام الدم، ولكن مع عدّ الدم الحكمي مع الحقيقي يكون أيام الدم سبعة أيام وهي تفوق أيام الطهر.
(٨) هو لم يعد أيام الدم الحكمي مع الدم الحقيقي، بل عدّ أيام الدم الحقيقي، فتكون حائضًا في الأيام الست الأولى في الصورة التي ذكرناها سابقًا.
(٩) في النسخ: «سهيل»، وهو أبو سهل الزُّجاجي الغَزَالي الفَرَضي، درس على الكرخي، وأبي سعيد البردعي، قال الصاحب بن عباد: كان أبو سهل إذا دخل مجالس النظر تتغير وجوه المخالفين لقوة نفسه وحسن جدله، من مؤلفاته: كتاب «الرياض»، ينظر: «الجواهر» (٤: ٥١ - ٥٢)، «تاج» (ص ٣٣٥ - ٣٣٦)، «الفوائد» (١: ١٤٠).
[ ٢ / ٨٤ ]
الطُّهْرُ الآخرُ مُقَدَّمًا على ذلك الطُّهْر، أو مؤخَّرًا (^١).
وعند الحَسَن بن زياد - ﵁ -: الطُّهْرُ الذي يكون ثلاثةَ أيام أو أكثر يفصلُ مطلقًا (^٢).
فهذه سِتَّةُ أقوال، وقد ذُكِرَ أنَّ كثيرًا من المُتقدِّمين والمتأخرين أفتوا بقولِ محمَّدٍ - ﵁ -، ونضعُ مثالًا يجمعُ هذه الأقوال: مبتدأةٌ (^٣) رأتْ يومًا دَمًَا، وأربعةَ عَشْرَ طُهرًا، ثُمَّ يومًا دَمًَا، وثمانيةً طهرًا (^٤)، ثُمَّ يومًا دَمًَا، وسبعة طهرًا (^٥)، ثُمَّ يومينِ دَمًَا (^٦)، وثلاثة طهرًا (^٧)، ثُمَّ يومًا دمًا (^٨)، وثلاثة طهرًا (^٩)، ثُمَّ يومًا دمًا (^١٠)، ويومين طهرًا (^١١)، ثم يومًا دمًا، فهذه خمسةٌ وأربعون يومًا.
ففي روايةِ أبي يوسف - ﵁ -: العشرةُ الأولى، والعشرةُ الرَّابعةُ حيض.
وفي روايةِ محمَّد - ﵁ -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو أربعةَ عشر.
وفي روايةِ ابن المُبارك - ﵁ -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو ثمانية.
وعند محمَّد - ﵁ -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو سبعة.
_________________
(١) أي لا فرق في قول محمد - ﵁ - أن الطهر الآخر في خلال عشرة في بدايتها أو نهايتها، وقد كان في الصورة التي ذكرناها في نهايتها، وصورة أن يكون في بدايتها: أن ترى مبتدأة يومًا دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ويومًا دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، ويومين دمًا.
(٢) وهذا القول على عكس قول أبي يوسف - ﵁ - من أن الطهر إذا كان ثلاثة أيام أو أكثر غير فاصل مطلقًا، وحاصل هذا القول أنه فاصل مطلقًا من غير اشتراط وتفصيل، وهذا أضعف الأقوال، ولقد أحسن الشارح البارع في ترتيب الأقوال على الأقوى. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١: ١٢٤).
(٣) المبتدأة: هي التي ابتدأ بلوغها بالحيض ولم تستقر عادتها. ينظر: «العمدة» (١: ١٣٢).
(٤) زيادة من أ وب وس.
(٥) زيادةمن أ وب وس.
(٦) زيادة من أ وب وس.
(٧) زيادة من أ وب.
(٨) زيادة من أ وب وس.
(٩) زيادة من أ وب وس.
(١٠) زيادة من أ وب وس.
(١١) زيادة من أ وب وس.
[ ٢ / ٨٥ ]
يمنعُ الصَّلاة، والصَّوم، ويُقْضَى هو، لا هي
وعند أبي سهل (^١) - ﵁ -: السِتَّةُ الأولى منها (^٢).
وعند الحَسَن - ﵁ -: الأربعةُ الأخيرة (من خمسة وأربعين) (^٣)، وما سوى ذلك استحاضة.
ففي كلِّ صورةٍ يكونُ الطُّهْرُ النَّاقصُ فاصلًا في هذه الأقوال سوى قولِ أبي يوسف - ﵁ -، فإن كان أحدُ الدَّمين نصابًا، كان حيضًا، وإن كان كلٌّ منهما نصابًا، فالأُوَّلُ حيض، وإن لم يكن شئٌ منهما نصابًا، فالكلُّ استحاضة، وإنِّما استثني قولُ أبي يوسف - ﵁ -؛ لأنَّ هذا لا يتأتى على قولِه.
واعلم أنَّ ألوان الحيضِ هي الحمرةُ والسَّواد فهما حيضٌ إجماعًا، وكذا الصُّفْرَةُ المُشْبَعَةُ في الأصحّ، والخُضْرَةُ والصُّفْرةُ الضَّعيفة، والكُدْرة والتُّرْبيَّة عندنا، وفُرِّقَ ما بينهما أنَّ الكُدْرةَ ما تضربُ إلى البياضِ والتُّرْبيَّةَ إلى السَّواد، وإنِّما قَدَّمَ مسألةَ الطُّهْرِ المُتَخَلِّلِ على ألوان الحيض؛ لأنَّها متعلِّقةٌ بمدَّةِ الحيض، فألحقَها بها ثُمَّ ذكر الألوان، ثُمَّ بعد ذلك شَرَعَ في أحكام الحيض، فقال:
(يمنعُ الصَّلاة، والصَّوم، ويُقْضَى هو، لا هي (^٤»: أي يُقْضى الصَّومُ لا الصَّلاةُ بناءً على أنَّ الحيضَ يمنعُ وجوبَ الصَّلاة، وصحَّةُ أدائِها، لكن لا يمنعُ وجوبَ الصَّوم، فنفسُ وجوبِه ثابتة، بل يمنعُ صحَّةَ أدائِه، فيجبُ القضاءُ إذا طَهُرَت.
ثُمَّ المعتبرُ عندنا آخرُ الوقت، فإذا حاضتْ في آخرِ الوقتِ سقطَت، وإن طَهُرَتْ في آخر الوقتِ وجبت، فإذا كانت طهارتُها لعشرة وجبتِ الصَّلاة، وإن كان الباقي من الوقتِ لمحة (^٥)، فإن كانت لأقلَّ منها، فإن كان الباقي من الوقت مقدارُ ما يَسَعُ الغُسْلَ والتَّحريمةَ وَجَبَت، وإلاَّ فلا، فوقتُ الغُسْلِ يُحْتَسَبُ هاهنا من مدَّةِ الحيض.
_________________
(١) في النسخ: سهيل.
(٢) أي من العشرة بعد طهر هو سبعة.
(٣) زيادة من م.
(٤) لما روت عائشة - ﵁ -: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاءِ الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» في «صحيح مسلم» (١: ٢٦٥)، و«جامع الترمذي» (١: ٢٧٠)، و«مسند أبي عوانة» (١: ٣٨٣).
(٥) لأن انقطاع الدم لعشرة طهارة متيقنة؛ لعدم زيادة الحيض على هذه المدة، فإن ما زاد عليها استحاضة بخلاف الانقطاع لأقل منها، فإنه يحتمل فيه عود الحيض لبقاء المدة، فاعتبر فيه ما يسع الغسل من الحيض وابتداء تحريمة الصلاة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٢٨).
[ ٢ / ٨٦ ]
ودخولُ المسجد، والطَّواف
والصَّائمةُ إذا حاضَتْ في النَّهار، فإن كان في آخرِه بطلَ صومُها، فيجبُ قضاؤُه إن كان صومًا واجبًا، وإن كان نفلًا لا (^١)، بخلافِ صلاةِ النَّفل إذا حاضت في خلالِها، (فإنِّها تبطلُ ويجبُ قضاؤها) (^٢).
وإن طَهُرَتْ في النَّهار، ولم تأكل شيئًا لا يجزئ صومُ هذا اليوم، لكن يَجِبُ عليها الإمساك (^٣).
وإن طَهُرَتْ في اللَّيل لعشرةِ أيام يصحُّ صومُ هذا اليوم (^٤)، وإن كان الباقي من اللَّيلِ لمحة.
وإن طَهُرَتْ لأقلَّ من عشرةٍ يصحُّ الصَّومُ إن كان) الباقي من اللَّيل مقدارُ ما يسعُ الغُسْلَ والتَّحريمة (^٥)، وإن لم تغتسلْ في اللَّيل لا يبطل صومُها (^٦).
(ودخولُ المسجد (^٧)، والطَّواف)؛ (لكونِه يُفْعَلُ في المسجد، فإن طافَتْ مع هذا تحلَّلت) (^٨) (^٩).
_________________
(١) ذكر ابن نجيم في «البحر» (١: ٢١٦) أنه لا فرق بين قضاء نفل الصلاة والصوم، وأنه ما ذهب إليه صدر الشريعة من الفرق غير صحيح، وأيَّده الحصكفي في «الدر المختار» (١: ١٩٤)، واللكنوي في «العمدة» (١: ١٢٩).
(٢) زيادة من أ وب وس.
(٣) وذلك لحرمة رمضان كما يجب على مسافر أقام بعد نصف النهار، ومجنون أفاق، ومريض صح، وصبي بلغ، وكافر أسلم. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٢٩).
(٤) أي اليوم الحادي عشر؛ لأنها قد أتمت مدّة حيضها بيقين، وإن لم يبق وقتًا من الليل يكفي للغسل والتحريمة.
(٥) صحح صاحب «الدر المختار» (١: ١٩٧) أنه لا تعتبر التحريمة في الصوم.
(٦) لوجود وقت يمكنها فيه الاغتسال، فحالها كحال الجنب.
(٧) لقوله - ﷺ -: «فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» في «صحيح ابن خزيمة» (٢: ٢٨٤)، و«سنن أبي داود» (١: ٦٠)، و«مسند إسحاق بن راهويه» (٣: ١٠٣٢)، و«سنن البيهقي الكبير» (٢: ٤٤٢).
(٨) أي خرجت من إحرامها بطواف الزيارة؛ لكن يجب عليها ذبح بدنة كفارة له. ينظر: «العمدة» (١: ١٣٠).
(٩) زيادة من أ وس.
[ ٢ / ٨٧ ]
واستمتاعُ ما تحت الإزار، ولا تقرأُ هي للقرآن كجُنُبٍ ونفساء
(واستمتاعُ ما تحت (^١) الإزار (^٢» (^٣) كالمباشرة، والتَّفخيذ. وتحلُّ القبلة، وملامسةُ ما فوقَ الإزار، وعند محمَّدٍ - ﵁ -: يتَّقي شعار الدَّم، أي موضع الفرج فقط.
(ولا تقرأُ هي (^٤) للقرآن (^٥) كجُنُبٍ ونفساء) (^٦) سواءٌ كان آيةً، أو ما دونَها عند الكَرْخِيّ (^٧)، وهو المُخْتَار (^٨)، وعند الطَّحَاوِيّ (^٩) (^١٠): يحل ما دون الآية (^١١)، هذا إذا
_________________
(١) أي ما بين السرة والركبة. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢١٣).
(٢) الإزار: المِلْحَفة، وفسَّره بعض أهل الغريب بما يستر أسفل البدن، والرداء: ما يستر أعلاه، وكلاهما غير مخيط، وقيل الإزار: ما تحت العاتق في وَسَطه الأسفل، والرداء: ما على العاتق والظهر، وقيل: الإزار ما يستر أسفل البدن ولا يكون مخيطًا، والكل صحيح. ينظر: «تاج العروس» (١٠: ٤٣).
(٣) لما روي أنه سئل - ﷺ - ما يحل لي من امرأتي وهي حائض، قال: «لك ما فوق الإزار» في «سنن أبي داود» (١: ٥٥)، و«السنن الصغرى» (١: ١٢٣)، و«سنن الدارمي» (١: ٢٥٩)، وغيرها، قال القاري في «فتح باب العناية» (١: ٢١٤): حسنه البعض، وقال العراقي: ينبغي أن يكون صحيحًا.
(٤) زيادة من ج وف.
(٥) زيادة من م.
(٦) لما روى ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» في «سنن الترمذي» (١: ٢٣٦)، و«سنن البيهقي الكبير» (١: ٣٠٩)، وقال: ليس هذا بالقوي.
(٧) وهو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكَرْخِي، نسبة إلى كَرْخ قرية بنواحي العراق، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: «المختصر» و«شرح الجامع الكبير» و«شرح الجامع الصغير»، (٢٦٠ - ٣٤٠ هـ). ينظر: «تاج التراجم» (ص ٢٠٠)، «الفوائد» (ص ١٨٣).
(٨) واختاره صاحب «الدر المختار» (١: ١١٦)، و«الملتقى» (ص ٤)، و«المراقي» (ص ١٧٨)، و«الاختيار» (١: ٢١)، و«الكنْز» (ص ٧)، وغيرها.
(٩) وهو أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، نسبةً إلى طَحَا بمصر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتًا لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: «شرح معاني الآثار»، و«مختصر الطحاوي»، «مشكل الآثار»، (٢٢٩ - ٣٢١ هـ). ينظر: «وفيات» (١: ٧١ - ٧٢). «العبر» (٢: ١٨٦). «روض المناظر» (ص ١٧١).
(١٠) قال الطحاوي في «مختصره» (ص ١٨)، و«شرح معاني الآثار» (١: ٩٠): ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة.
(١١) وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة - ﵁ -، ووجهه: أنه قرأ ما دون الآية لا يعد بها قارئًا. ورجحه صاحب «الفتح» (١: ١٤٨).
[ ٢ / ٨٨ ]
بخلافِ المحدث ولا يمسُّ هؤلاء مصحفًا إلا بغلاف متجاف وكُرِهَ اللَّمْسُ بالكُمّ، ولا درهمًا فيه سورةٌ إلا بصرة
قصدت القراءة، فإن لم تقصدْها نحو أن تقول شكرًا للنَّعمة: الحمدُ لله ربِّ العالمين، فلا بأس به.
ويجوزُ لها التَّهجِّي بالقرآن، (والتَّعليم) (^١)، والمعلمةُ إذا حاضتْ فعند الكَرْخِيِّ تعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتين (^٢)، وعند الطَّحَاوِيّ - ﵁ -: نصف آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر.
وأمَّا دعاءُ القنوت (^٣)، فيكرَهُ عند بعضِ المشايخ، وفي «المحيط»: لا يُكْرَهُ (^٤).
وسائرُ الأدعية (المأثورة) (^٥)، والأذكار، لا بأس بها، ويكرَهُ قراءة التَّوراة، والإنجيل، (والزَّبور) (^٦)، (بخلافِ المحدث) (^٧) مُتَعَلِّقٌ بقولِه: ولا تقرأ.
(ولا يمسُّ هؤلاء): أي الحائض، والجُنُب، والنُّفساء، والمحدث (مصحفًا إلا بغلاف متجاف): أي منفصلٍ عنه.
وأمَّا كتابةُ المصحفِ إذا كان موضوعًا على لوحٍ بحيث لا يمسُّ مكتوبَه، فعند أبي يوسفَ - ﵁ - يجوز (^٨)، وعند محمّد - ﵁ - لا يجوز.
(وكُرِهَ اللَّمْسُ بالكُمّ (^٩)، ولا درهمًا فيه سورةٌ إلا بصرة (^١٠»، أرادَ درهمًا عليه آيةٌ من القرآن، وإنِّما قال: سورة، لأنَّ العادةَ كتابةُ سورةُ الإخلاصِ ونحوِها على الدَّراهم.
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) صححه صاحب «الدر المختار» (١: ١١٦).
(٣) قال صاحب «الفتح» (١: ١٤٩): ظاهر المذهب أنه لا يكره، وعليه الفتوى.
(٤) انتهى من «المحيط» (ص ٤٣٨).
(٥) زيادة من ب وس.
(٦) زيادة من م.
(٧) فإنه يجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر أو عن مصحف إذا قلب أوراقه بقلم أو غيره. ينظر: «العمدة» (١: ١٣١).
(٨) لأنه ليس بحامل، والكتابة وجدت حرفًا حرفًا، وإنه ليس بقرآن، وقال محمد: أحب أن لا يكتب؛ لأن الكتابة تجري مجرى الحروف. ينظر: «درر الحكام» (١: ٢٠).
(٩) لأنه تابع للماس، فالمس به المس بيده، والمراد بقوله يكره مسه بالكم كراهة تحريم. ينظر: «فتح القدير» (١: ١٤٩).
(١٠) أي ما يجعل فيها الدراهم، وتكون من غير ثيابه التابعة له. كذا في «رد المحتار» (١: ١١٧).
[ ٢ / ٨٩ ]
وحلَّ وَطْءُ مَن انقطعَ دَمُها لأكثرِ الحيض، أو النِّفاس قبل الغُسْلِ دون وَطْءِ مَن قُطِعَ لأقلَّ منه إلاَّ إذا مضى عليها وقتٌ يسعُ الغُسْلَ والتَّحريمة
(وحلَّ وَطْءُ مَن انقطعَ دَمُها لأكثرِ الحيض، أو النِّفاس قبل الغُسْلِ دون وَطْءِ مَن قُطِعَ لأقلَّ منه): أي لأقلَّ من الأكثر، وهو أن ينقطعَ الحيضُ لأقلَّ من عشرة، والنِّفاس لأقلَّ من أربعين، (إلاَّ إذا مضى (عليها) (^١) وقتٌ يسعُ الغُسْلَ والتَّحريمة)، فحينئذٍ يحلُّ وَطْؤها، وإن لم تغتسلْ إقامةً للوقت الذي يُتَمَكَّنُ فيه من الاغتسالِ مقامَ حقيقةِ الاغتسالِ في حقِّ حِلِّ الوطء (^٢).
واعلم أنه إذا انقطع الدَّمُ لأقلَّ من عشرةِ أيامٍّ بعد ما مَضَى ثلاثةُ أيام أو أكثر:
فإن كان الانقطاعُ فيما دون العادةِ يجبُ (^٣) أن تؤخِّرَ الغُسْلَ إلى آخر وقت الصَّلاة، فإذا خافَتْ فوت الصَّلاة اغتسلتْ وصلَّت، والمرادُ آخر الوقتِ المستحبِّ دون وقتِ الكراهة (^٤).
_________________
(١) زيادة من ب وس.
(٢) توضيح هذه المسألة أنه إذا انقطع دم الحائض لأقل من عشرة وكان لتمام عادتها، فإنه لا يحل وطؤها إلا بعد الاغتسال أو التيمم بشرطه؛ لأنه صارت طاهرة حقيقة أو بعد أن تصير الصلاة دينًا في ذمتها؛ وذلك بأن ينقطع ويمضي عليها أدنى وقت صلاة من آخره، وهو قدر ما يسع الغسل واللبس والتحريمة سواء كان الانقطاع قبل الوقت أو في أوله أو قبيل آخره، فإذا انقطع قبل الظهر مثلًا أو في أول وقته لا يحل وطؤها حتى يدخل وقت العصر؛ لأنها لما مضى عليها من آخر الوقت ذلك القدر صارت الصلاة دينًا في ذمتها؛ لأن المعتبر في الوجوب آخر الوقت، وإذا صارت الصلاة دينًا في ذمتها صارت طاهرة حكمًا؛ لأنها لا تجب في الذمة إلا بعد الحكم عليها بالطهارة، وإنما حل وطؤها بعد الحكم عليها بالطهارة بصيرورة الصلاة دينًا في ذمتها؛ لأنها صارت كالجنب وخرجت من الحيض حكمًا، وبه يعلم أنه لا يجوز لها قراءة القرآن. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٩٦).
(٣) يعني لا تبادر إلى الغسل وأداء الصلاة ونحوها، بل تنتظر إلى آخر وقت الصلاة؛ لأن عود الدم مطنون؛ لبقاء زمان العادة والخلف عن العادة أمر نادر، فإن عاد دمها فهي حائضة كما كانت، وما تخلل من الطهر غير فاصل، وإن لم يعد وخافت فوت الصلاة ونقصانها بذهاب الوقت اغتسلت وأدت الصلاة احتياطًا؛ لكن لا يحل الوطء في هذه الصورة أي ما انقطع الدم لدون عادتها وإن اغتسلت إلا بعد مضي أيام العادة؛ لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب. ينظر: «العمدة» (١: ١٣٢)، و«الهداية» (١: ٣٢).
(٤) قال محمد في «الأصل» (١: ٤٦٢): إذا انقطع في وقت العشاء تؤخر إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي قبل انتصاف الليل وما بعد نصف الليل مكروه. ينظر: «رد المحتار» (: ١٩٦).
[ ٢ / ٩٠ ]
وأقلَّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرةَ يومًا ولا حدَّ لأكثره
وإن كان الانقطاعُ على رأس عادتِها، أو أكثر، أو كانت مبتدأةً، فتأخيرُ (^١) الاغتسال بطريقِ الاستحباب.
وإن انقطعَ لأقلَّ من ثلاثةِ أيام أخَّرت الصَّلاة إلى آخر الوقت، فإذا خافت (فوت الصلاة) (^٢) توضَّأت وصلَّت، ثُمَّ في الصُّور المذكورة إذا عادَ الدَّمُ في العشرة بطلَ الحُكْمُ بطهارتِها مبتدأةً كانت أو معتادة.
فإذا انقطع الدَّمُ (^٣) لعشرة أو أكثر، فبمضي العشرةِ يُحْكَمُ بطهارتِها، ويجبُ عليها الاغتسال، وقد ذُكِرَ أن المعتادةَ التي عادتُها أن ترى يومًا دَمًَا ويومًا طُهْرًا هكذا إلى عشرة أيام، فإذا رأت الدَّمَ تتركُ الصَّلاةَ والصَّوم، فإذا طَهُرَتْ في الثَّاني توضَّأت (^٤) وصلَّت، ثُمَّ في اليوم الثَّالث تترك الصَّلاة والصَّوم، ثُمَّ في اليوم الرَّابع اغتسلتْ (^٥) وصلَّت هكذا إلى العشرة (^٦).
(وأقلَّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرةَ يومًا ولا حدَّ لأكثره)؛ إلاَّ لنصبِ العادة (^٧)، فإنَّ أكثرَ الطُّهْرِ مقدَّرٌ في حقِّه، ثُمَّ اختلفوا في تقديرِ مدَّتِه، والأصحُّ أنَّهُ مقدَّرٌ بستّة أشهر
_________________
(١) في ص وس وف وم: فتؤخر.
(٢) في أ وب وص وس وف: الفوت.
(٣) زيادة من ب وس وم.
(٤) لأن الدم السابق بسبب كونه أقلّ من ثلاث أيام استحاضة فلا يجب الغسل بل الوضوء فقط. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٣٣).
(٥) وذلك لمضي أقل مدة الحيض.
(٦) ينظر: «المحيط» (ص ٤٤٠). قال اللكنوي في «العمدة» (١: ١٣٣): اعترض هاهنا بأن هذا مخالف لما مر بحثه فإنه يعلم أن الكل حيض في مثل هذ الصورة؛ لعدم كون الطهر الفاصل خمسة عشر يومًا، وأجيب عنه بأن البحث السابق في المبتدأة وهذه في المعتادة، وبأن الأول هو ما اختاره الجمهور، وهذه رواية عن البعض.
(٧) حقق هذه المسالة البركوي، وتبعه ابن عابدين: بأن المبتدأة إذا استمر دمها، فحيضها في كل شهر عشرة وطهرها عشرون ينظر: عامة الكتب، بل نقل نوح أفندي الاتفاق عليه خلافًا لما في «الامداد» من أن طهرها خمسة عشر، والمعتادة تردّ إلى عادتها في الطهر ما لم يكن ستة أشهر فإنها تردّ إلى ستة أشهر غير ساعة، كالمتحيرة - وتسمى الضالة وهي من نسيت عادتها، ولا يقدر طهرها وحيضها إلا في حق العدة في الطلاق ـ، وهذا على قول الميداني الذي عليه الأكثر، أما على قول الحاكم الشهيد فتردّ إلى شهرين. وتمامه في «رد المحتار» (١: ١٩٠)، وينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٠٥ - ٢٠٧)
[ ٢ / ٩١ ]
وما نقصَ عن أقلِّ الحيض، أو زادَ على أكثرِه، أو أكثر النُّفاس، أو على عادةٍ عُرِفَتْ لحيض، وجاوزَ العشرة، أو نفاسٍ وجاوزَ الأربعين، أو على عشرةٍ حيضٌ مَن بلَغَتْ مستحاضة، أو على أربعين نفاسها، أو ما رأت حاملٌ فهو استحاضة
إلا ساعة؛ لأنَّ العادةَ نقصانُ طُهْرِ غير الحامل عن طُهْرِ الحامل، وأقلُّ مدَّة الحملِ ستة أشهر، فانتقص عن هذا بشيء، وهو السَّاعة، صورتُه: مبتدأةٌ رأت عشرةَ أيامٍ دَمًَا، وستَّة أشهرٍ طُهْرًا، ثُمَّ استمرَ الدَّمُ تنقضي عدَّتُها بتسعةَ عشرَ شهرًا إلاَّ ثلاثَ ساعات؛ لأنَّا نحتاجُ إلى ثلاثِ حيض، كُلُّ حيضٍ عشرة أيام، وإلى ثلاثةِ أطهار، كلُّ طُهْرٍ ستَّة أشهرٍ إلا ساعة.
(وما نقصَ عن أقلِّ الحيض): أي الدَّمُ النَّاقصُ عن الثَّلاثة، (أو زادَ على أكثرِه): أي على العشرة، (أو أكثر النُّفاس)، وهو أربعونَ يومًا، (أو على عادةٍ عُرِفَتْ لحيض، وجاوزَ العشرة، أو نفاسٍ وجاوزَ الأربعين): أي إذا كانت لها عادةٌ معروفة (^١) في الحيض، وفرضناها سبعةً مثلًا (^٢)، فرأت الدَّم اثني عشر يومًا (^٣)، فخمسةُ أيامٍ بعد السَّبْعة استحاضة، وإذا كانت لها عادةٌ في النِّفاس، وهي ثلاثونَ يومًا مثلًا، فرأت الدَّم خمسينَ يومًا، فالعشرونَ التي بعد الثَّلاثين استحاضة، هذا حُكْمُ المعتادة.
ثُمَّ أرادَ أن يُبَيِّنَ حُكْمَ المُبْتدأة، فقال: (أو على عشرةٍ حيضٌ مَن بلَغَتْ مستحاضة، أو على أربعين نفاسها)، المُبْتدأةُ التي بَلَغَتْ مستحاضةٌ حيضُها من كلِّ شهرٍ عشرةُ أيام، وما زادَ عليها استحاضة، فيكون طُهْرُها عشرين يومًا، وأمَّا النُّفاس فإذا لم يكن للمرأة فيه عادةٌ معروفة (^٤)، فنفاسُها أربعون يومًا، وما زاد عليها استحاضةٌ.
فقوله: حيضِ مَن بلغت بالجرِ عطفُ بيانٍ لعشرة، وقولُهُ: نفاسِها بالجرِّ عطفُ بيانٍ لأربعين.
(أو ما رأت حاملٌ فهو استحاضة): أي الدِّمُ الذي تراهُ المرأةُ الحاملُ ليس بحيض، بل هو استحاضة.
فقولُهُ: وما نقص: مبتدأٌ، وقولُهُ: فهو استحاضةٌ: خبرُه.
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) زيادة من م.
(٣) أما لو رأت الدم عشرة أيام يكون كله حيضًا لبقاء مدة الحيض، واحتمال تبدل العادة. ينظر: «العمدة» (١: ١٣٤).
(٤) زيادة من ب وس.
[ ٢ / ٩٢ ]
لا تمنعُ صلاةً، وصومًا، ووَطًا، ومَن لم يمضِ عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدثٌ من استحاضةٍ، أو رُعافٍ، أو نحوِهما، يَتَوضَّأُ لوقتِ كُلِّ فرضٍ، ويُصَلِّي به فيه ما شاء من فرض ونفل، وينقضُهُ خروجُ الوقت لا دخولُه، فيصلِّي به مَن توضَّأ قبل الزَّوال إلى آخرِ وقتِ الظُّهْر، لا بعد طلوعِ الشَّمس مَن توضَّأ قبله
ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ الاستحاضة، فقال: (لا تمنعُ صلاةً (^١)، وصومًا، ووَطًا، ومَن لم يمضِ عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدثٌ): أي الحدثِ الذي ابتلي به، (من استحاضةٍ، أو رُعافٍ، أو نحوِهما، يَتَوضَّأُ لوقتِ كُلِّ فرضٍ) احترازٌ عن قولِ الشَّافِعِيِّ (^٢) - ﵁ - فإنَّ عنده يَتَوضَّأُ لكلِّ فرض، ويُصلِّي النَّوافلَ بتبعيَّةِ الفرض.
(ويُصَلِّي به فيه ما شاء من فرض ونفل، وينقضُهُ خروجُ الوقت لا دخولُه) (^٣) احترازٌ عن قولِ زُفَرَ - ﵁ -، فإنَّ النَّاقضَ عنده دخولُ الوقت (^٤)، وعن قولِ أبي يوسفَ - ﵁ -، فإنَّ النَّاقضَ عنده كلاهما (^٥)، (فيصلِّي به (^٦) مَن توضَّأ قبل الزَّوال إلى آخرِ وقتِ الظُّهْر) خلافًا لأبي يوسفَ وزُفَر - ﵃ -، فإنَّه حصلَ دخولُ الوقتِ لا الخروج.
(لا بعد طلوعِ الشَّمس مَن توضَّأ قبله): أي مَن توضَّأ قبل طلوعِ الشَّمس، لكن بعد طلوعِ الفجرِ خلافًا لزُفَرَ - ﵁ -، فإنَّه وجدَ النَّاقض عندنا، وعند أبي يوسف - ﵁ -، وهو الخروج، لا عند زُفَرَ فإنَّ النَّاقضَ عنده الدُّخول، ولم يحصل.
_________________
(١) لما روت عائشة - ﵁ -: أنه أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي - ﷺ - فقالت: إني استحضت، فقال: «دعي الصلاة أيام حيضك، ثم اغتسلي وتؤضئي عند كل صلاة وإن قطر على الحصير» في «مسند أحمد» (٦: ٤٢)، و«سنن ابن ماجه» (١: ٢٠٤)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ١١٨)، و«سنن الدارقطني» (١: ٢١٣). وينظر: «نصب الراية» (١: ٢٠٠).
(٢) ينظر: «المنهاج» (١: ١١٢).
(٣) إسناد الننقض إلى الخروج والدخول مجاز، فإن الناقض في هذه الصور هو الحدث السابق، وإنما أثره في هذا الوقت. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٣٥)، و«الفتح» (١: ١٦١).
(٤) لأن اعتبار الطهارة منع المنافي للحاجة إلى الأداء، ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر. ينظر: «الهداية» (١: ٣٣).
(٥) لأن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده لقيامه مقام الأداء. ينظر: «العناية» (١: ١٦٢).
(٦) زيادة من أ وب وس.
[ ٢ / ٩٣ ]
والنِّفاسُ هو دمٌّ يَعْقِبُ الولد، ولا حَدَّ لأقلِّه، وأكثرُه أربعون يومًا، وهو لأمِّ التَّوأمينِ من الأَوَّلِ خلافًا لمحمَّد - ﵁ -، وانقضاءُ العدَّةِ من الأخيرِ إجماعًا، وسِقطٌ يُرَى بعضُ خَلْقِهِ وَلَد، وتَنْقَضي العدَّةُ به
(والنِّفاسُ (^١) هو (^٢) دمٌّ يَعْقِبُ الولد (^٣)، ولا حَدَّ لأقلِّه، وأكثرُه أربعون يومًا) خلافًا للشَّافِعِيِّ (^٤) - ﵁ - إذ أكثرُهُ ستونَ يومًا عنده.
(وهو لأمِّ التَّوأمينِ من الأَوَّلِ خلافًا لمحمَّد - ﵁ -)، التَّوأمان: ولدان (^٥) من بطنٍ واحدٍ لا يكونُ بين ولادتِهما أقلّ مُدَّةِ الحمل، وهو ستة أشهر، (وانقضاءُ العدَّةِ من الأخيرِ إجماعًا، وسِقطٌ (^٦) يُرَى بعضُ خَلْقِهِ (^٧) وَلَد): أي سِقط: مبتدأ، يُرَى: صفته، وَلَد: خبرُه، (فتصيرُ هي به نفساء، والأمةُ أمَّ الولد، ويقعُ المعلَّقُ بالولد): أي إذا قال: إذا وَلَدْتِ فأنت طالقٌ، تُطَلَّقُ بخروجِ سِقطٍ ظهرَ بعضُ خلقِه، (وتَنْقَضي العدَّةُ به): أي اذا طَلَّقَها زوجُها تَنْقَضي عدَّتُها بخروجِ هذا السِّقْطِ.
_________________
(١) وهو عبارة عن دم خارج من الرحم من القبل عقب خروج ولد أو أكثره، فلو ولدته من السرة، فإن سال الدم من الرحم من القبل تكون نفساء، وإلا فذات جرح. كذا في «البحر» (١: ٢٢٩).
(٢) زيادة من ب وس.
(٣) أو أكثره، ولو متقطعًا عضوًا عضوًا لا أقلِّه، فإن خرج أقلّ الولد وخافت فوت الصلاة تتوضأ إن قدرت أو تتيمم، وتومئ بالصلاة إن لم تقدر على الركوع والسجود، فإن لم تصل تكون عاصية لربها، ثم كيف تصلي قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها أو يحفر لها وتجلس هناك كي لا تؤذي ولدها، ولا تؤخر الصلاة، فانظر وتأمل هذه المسألة هل تجد عذرًا لتأخير الصلاة، ووايلاه لتاركها. كذا في «رد المحتار» (١: ١٩٩).
(٤) ينظر: «المنهاج» مع شرحه «مغني المحتاج» (١: ١١٩).
(٥) وكذا الحكم لو ولدت ثلاثة بين الأول والثاني أقل من ستة أشهر، وكذا بين الثاني والثالث، ولكن بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر فيجعل حملًا واحدًا على الصحيح. ينظر: «حاشية الشرنيلالي على الدرر» (١: ٤٣).
(٦) سِقط: الكسر فيه أكثر: الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام. ينظر: «تاج العروس» (١٩: ٣٥٦).
(٧) أي كيد أو رجل أو أصبع أو ظفر أو شعر. ينظر: «درر الحكام» (١: ٤٣).
[ ٢ / ٩٤ ]