هو كلُّ طاهرٍ بالغٍ قُتِلَ بحديدةٍ ظُلْمًا، ولم يجبْ به مال، أو وُجِدَ ميْتًا جريحًا في المعركة
باب الشهيد
(هو كلُّ طاهرٍ بالغٍ قُتِلَ بحديدةٍ ظُلْمًا، ولم يجبْ به مال، أو وُجِدَ ميْتًا جريحًا في المعركة)، فالطَّاهرٌ احترازٌ عمَّن وجبَ عليه الغُسل كالجُنب، والحائض، والنُّفَساء.
والبالغ: احترازٌ عن الصَّبيّ.
وبالحديدة: احترازٌ عن القتلِ بالمثقل.
وظلمًا: احترازٌ عن القتلِ حدًا، أو قصاصًا.
ولم يجبْ به مالٌ: احترازٌ عن قتلِ وجبَ به مال (^١)، والمرادُ أنَّ المالَ يجبُ بنفسِ القتل، فإنَّ الأبَ إذا قَتَلَ ابنَهُ بحديدةٍ ظلمًا يكونُ الابنُ شهيدًا؛ لأنَّ المالَ وإن وَجَب، فإنَّه لم يَجِبْ بنفسِ هذا القتل (^٢).
وقولُهُ: أو وُجِدَ ميِّتًا: فإنَّ مَن وُجِدَ ميِّتًا جريحًا في المعركة، فهو شهيد؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ أهلَ الحرب قتلوه، ومقتولُهم شهيدٌ بأيِّ شيءٍ قتلوه، وإنِّما شُرِطَ الجراحةَ فيمن وُجِدَ في المعركة؛ ليدلَّ على أنَّه قتيلٌ لا ميْتٌ حَتْفَ أنفِه (^٣).
فالحاصلُ أن الشَّهيدَ مَن قتلَ بحديدةٍ ظلمًا، ولم يجب به مال، (ولم يرتثَّ) (^٤) (^٥)، أو
_________________
(١) أي كالقتل بالحجرِ ونحوهِ ممَّا لا يقتل به غالبًا، وكالقتل الخطأ كان رمى الصيد فأصاب إنسانًا وقتلَه، فإن الواجبَ في هذه الصُّور الدِّية لا القصاص، وتفصيله في «الفرائض السراجية» (ص ٦)، وشرحها «الشريفي» (ص ٦ - ٧).
(٢) لأن القتلَ بالحديدة عمدًا ظلمًا موجبه القصاص في الأصل، وإنما سقط بورود نصّ دالّ على أن الوالدَ لا يقتل بولده تكريمًا له، فيجب المال حذرًا عن بطلان دم المقتول بالكلية. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٢٥٨).
(٣) حَتفَ أنفه: أي بلا ضرب ولا قتل، وسبب ذلك أنهم كان يتخيَّلون أن روح المريض تخرجُ من أنفه؛ فإن جرح خرجت من جراحته. ينظر: «اللسان» (١: ٧٧٠).
(٤) يرتث: من ارتثاث الجريح: أي حملُهُ من المعركة وبه رَمقٌ: أي بقية روح، مأخوذ من الثَّوب الرَّثّ: أي الخَلِق، يعني لم يمت حين جُرِحَ بل صارَ خلِقًا. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣٢)، و«القاموس» (١: ١٧٣).
(٥) زيادة من م.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فَيُنْزَعُ عنه غيرُ ثوبِه، ويُزادُ ويُنَقَصُ لِيَتَمَّ كفنُه، ولا يُغْسَل ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَن بدمِه
مَن وُجِدَ ميْتًا جريحًا في المعركةِ سواءٌ قُتِلَ بحديدةٍ أم لا.
لكن في هذا التَّعريف نظر، وهو أنَّه لا يشملُ ما إذا قتلَهُ المشركون، أو أهل البَغْي، أو قُطاعُ الطَّريق بغير الحديدة، فإنَّ قتيلَهم شهيد، بأيِّ آلةٍ قتلوه.
فالتَّعريفُ الحَسَنُ الموجزُ ما قُلْتُ في «المختصر»: وهو مسلمٌ طاهرٌ بالغٌ قتلَ ظلمًا، ولم يَجِبْ به مال، ولم يَرْتَث (^١).
من غيرِ ذكرِ الحديدةِ والوجدانِ في المعركة، فيشملُ قتيلَ المشركين، وأهلَ البَغْي، وقطاع الطَّريق، بأيِّ آلةٍ قتلوه، ويشملُ الميِّتَ الجريحَ في المعركة؛ لأنَّه مسلمٌ مقتولٌ ظُلمًا، ولم يجبْ بقتلِهِ مال.
وأمَّا مقتولُ غيرِ هؤلاء، وهو مسلمٌ قتلَهُ مسلمٌ غيرُ باغٍ، وغيرُ قاطع الطَّريق، ومسلمٌ قتلَهُ ذميّ، فإنَّه إنِّما يكونُ شهيدًا عند أبي حنيفةَ - ﵁ - إذا قُتِلَ بحديدةٍ ظلمًا، فلمَّا قال: ولم يَجِبْ به مال، عُلِمَ أنَّه مقتولٌ بحديدة؛ لأنه لو قتلَ بغيرِ حديدة، لوجبَ المالُ عنده؛ لأنَّ الدِّيةَ واجبةٌ عنده في القتلِ بالمثقل، وأمَّا عندهما فلا احتياج إلى ذكرِ الحديدة؛ لأنَّ المقتولَ بالمثقلِ شهيدٌ عندهما، ولم يَجِبْ بقتلِهِ مال، بل الواجبُ قصاصٌ عندهما.
وأمَّا قولُهُ: ولم يرتث، فسيجيءُ فائدته.
(فَيُنْزَعُ عنه غيرُ ثوبِه): أي غيرُ ثوبِ يختصُ بالميْت كالفروِ والحشو، والقَلَنْسُوة (^٢)، والسِّلاح، والخُفّ، (ويُزادُ ويُنَقَصُ لِيَتَمَّ كفنُه) (^٣): أي لو لم يكنْ معه ما يكونُ من جنسِ الكَفَن: كالإزار ونحوه يُزاد، ولو كان ما ليس من جنسِهِ ينقص، (ولا يُغْسَل ويُصَلَّى عليه، ويُدْفَن بدمِه (^٤).
_________________
(١) انتهى من «النقاية» (ص ٤٢).
(٢) القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروف. ينظر: «تهذيب الأسماء واللغات» (٢: ١٠١)، و«اللسان» (٥: ٣٧٢٠).
(٣) أي يزاد إن نقص ما عليه عن كفن السنة، وينقص إن زاد إلى أن يتم كفنه المسنون. ينظر: «الدر المختار» (١: ٦١٠).
(٤) ينظر: «الجامع الصغير» (ص ١١٨ - ١١٩)، و«الأصل» (١: ٣٦٢ - ٣٦٣، ٣٦٨).
[ ٢ / ١٩٤ ]
وغُسِّلَ صبيّ، وحائض، ونفساء، وجُنُب، ومَن وُجِدَ قتيلًا في مصر لا يعلمُ قاتلُه
وغُسِّلَ صبيّ، وحائض، ونفساء، وجُنُب، ومَن وُجِدَ قتيلًا في مصر (^١) لا يعلمُ قاتلُه (^٢»، فإنَّهُ إذا لم يعلمْ قاتلُه غُسِلَ سواءٌ عُلِمَ أن قَتْلَهُ وقعَ بالحديدة، أو بالعصا الكبير، أو الصَّغير؛ لأنَّ الواجبَ به الدِّية والقَسامة (^٣)، هكذا ذَكَرَ في «الذَّخيرة» (^٤)، ولم يذكرْ أنَّه وُجِدَ في موضعٍ تَجِبُ القَسامةُ أو لا.
أقولُ: المرادُ أنه وُجِدَ في موضعٍ تَجِبُ القَسامة.
أمَّا إذا وُجِدَ في موضعٍ لا تجب القَسامةُ كالشَّارع، والجامع:
فإن عُلِمَ أنَّ القتلَ بالحديدةِ لا يُغْسَل؛ لأنه شهيد.
وإن عُلِمَ أنه قُتِلَ بالعصا الكبير، ينبغي أن يُغْسَلَ عند أبي حنيفة - ﵁ -، إذ ليس شهيدًا عنده، خلافًا لهما.
وإن عُلِمَ أنه قُتِلَ بالعصا الصَّغير ينبغي أن يُغْسَلَ اتِّفاقًا؛ لأنَّ نفسَ القتلِ أوجبَ الدِّية، فعدمُ وجوبِها بعارضِ جَهْلِ القاتلِ لا يَجعلُهُ شهيدًا.
أمَّا إذا عُلِمَ القاتل (^٥):
فإن عُلِمَ أنَّ القتلَ بالحديدةِ لم يُغْسَلْ؛ لأنَّه شهيد.
وإن عُلِمَ أنه قُتِلَ بالعصا الكبير ينبغي أن يُغْسَلَ عند أبي حنيفة - ﵁ - خلافًا لهما.
وإن عُلِمَ أنه قُتِلَ بالعصا الصَّغير يُغْسَلُ اتِّفاقًا.
_________________
(١) المصر: المراد به العمران وما يقربه مصرًا كان أو قرية، وقيد بالمصر؛ لأنه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران لا تجب فيه قسامة ولا دية فلا يغسل لو وجد به أثر القتل. ينظر: «حاشية الشرنبلالي على الدرر» (١: ١٦٩).
(٢) أما إذا علم القاتل، فإن علم أن القتل بالحديدة لا يغسل؛ لأنه شهيد، وإن علم أنه بالعصا الكبيرة يغسل عند أبي حنيفة - ﵁ - خلافًا لهما، وإن علم أنه بالعصا الصغيرة يغسل اتفاقًا. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٤٦٣).
(٣) القَسامة: هي أيمان تقسم على أهل المحلة الذين وجد القتيل فيهم ميت به جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج دم من أذنه أو عينيه وجد في محلة، أو أكثره، أو وجد نصفه مع رأسه لا يعلم قاتله، وادعى وليُّه القتل على أهلها أو بعضهم حلف خمسون رجلًا منهم يختارهم الولي، قائلًا: بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلًا، ثم يقضى على أهلها بالدية. ينظر: «غرر الأحكام» (٢: ١٢٠ - ١٢١).
(٤) الذخيرة البرهانية» (ق ٤٩/أ).
(٥) أي في صورة وجدان المقتول في موضعٍ لا تجب فيه القسامة.
[ ٢ / ١٩٥ ]
…
وقد قال في «الهداية»: مَن وُجِدَ قتيلًا في المصرِ غُسِّل؛ لأنَّ الواجبَ فيه الدِّيةُ والقَسامة، فخَفَّ أثرُ الظُّلم إلاَّ إذا عُلِمَ أنَّه قُتِلَ بحديدةٍ ظلمًا (^١). (^٢)
أقولُ: هذه الرِّوايةُ مخالفةٌ لما ذُكِرَ في «الذَّخيرة»؛ لأنَّ روايةَ «الهداية» فيما إذا لم يُعْلَمْ قاتلُه؛ لأنَّه علَّلَ بوجوبِ القَسامة، ولا قَسامة إلاَّ إذا لم يعلم القاتل، ففي صورةِ عدمِ العلمِ بالقاتل إذا عُلِمَ أن القتلَ بالحديدة، ففي رواية «الهداية» لا يُغْسَل (^٣)؛ لأنَّ نفسَ هذا القتلِ أوجبَ القصاص. وأمَّا وجوبُ الدِّيةِ والقَسامة؛ فلعارضِ العجزِ عن إقامةِ القصاص، فلا يخرجُهُ هذا العارضُ عن أن يكونَ شهيدًا.
وأمَّا على روايةِ «الذَّخيرة» فيُغْسَل، وعبارةُ «الذَّخيرة» (^٤) هذه: وإن حصلَ القتلُ بحديدة، فإن لم يعلمْ قاتلُهُ تجب الدِّيةُ والقسامةُ على أهلِ المحلَّة فيُغْسَل، وإن عُلِمَ القاتلُ لم يُغْسَلْ عندنا.
ففي «الذَّخيرة» لم يُعْتَبَرْ نفسُ القتل، فوجوب الدِّية وإن كان بالعارض (^٥) أخرجَهُ عن الشَّهادة. وفي «المتن» أخذَ بهذه الرِّواية (^٦)، هذا إذا عُلِمَ أنه بأيِّ آلةٍ قُتِل، وأمَّا إذا لم يُعْلَم، فأقول: يَجِبُ أن يُغْسَل؛ لأنَّه لم يُعْلَمْ أنَّ موجبَ نفسِ هذا القتلِ ما هو، فلم يُمْكِنْ اعتبارُه، فلا بُدَّ أن يُعْتَبَرَ ما هو الواجبُ في مثل هذا القتلِ سواءٌ كان أصليًا، أو عارضيًا،
_________________
(١) انتهى من «الهداية» (١: ٩٥)، وتمام كلامه: لأن الواجب فيه القصاص …
(٢) قال صاحب «الفتح» (١: ١٠٩): أي ويعلم قاتله عينًا، أما مجرد وجدانه مذبوحًا لا يمنع غسله، وقد يستفاد هذا من قوله؛ لأن الواجب فيه القصاص؛ لأن وجوبه إنما يتحقق على القاتل المعين … ومثله في «العناية» (١: ١٠٩)، و«الكفاية» (١: ١٠٩)، وغيرها.
(٣) هذا ما يدل عليه ظاهر عبارة «الهداية»، وهو ما ذهب إليه صدر الشريعة، لكن شراح «الهداية» كما بينا قالوا: لا يغسل إذا كان القاتل معيَّنًا، ووجهوا كلام صاحب «الهداية» بناءً على ذلك كما سبق ذكره.
(٤) الذخيرة البرهانية» (ق ٤٩/ب).
(٥) العارض: هو عدم العلم بالقاتل عينًا. ينظر: «العمدة» (١: ٢٦٤).
(٦) أي رواية «الذخيرة»، ومما سبق أنه ذكره عن شراح «الهداية» يفهم أن مقصود صاحب «الهداية» نفس مقصود صاحب «الذخيرة»، فتكون في المسألة رواية واحدة فقط، وهذا ما نبَّه عليه من جاء بعد صدر الشريعة مثل ابن كمال باشا في «الايضاح» (ق ٢٦/أ)، وملا خسرو في «درر الحكام» (١: ١٧٠)، والشرنبلالي في «حاشيته على الدرر» (١: ١٧٠)، وغيرهم.
[ ٢ / ١٩٦ ]
أو قُتِلَ بحدٍّ أو قصاص، أو جُرِحَ وارتثَّ بأن نام، أو أكل، أو شَرِب، أو عُولِج، أو آواه خيمة، أو نُقِلَ من المعركةِ حيًَّا، أو بقيَ عاقلًا وقتَ صلاة، أو أوصى بشيء، وصلِّي عليهم
فالواجبُ الدِّية، فلا يكون شهيدًا (^١).
(أو قُتِلَ بحدٍّ (^٢) أو قصاص)؛ لأنَّ هذا القتلَ ليس بظلم، (أو جُرِحَ وارتثَّ بأن نام، أو أكل، أو شَرِب، أو عُولِج، أو آواه خيمة، أو نُقِلَ من المعركةِ حيًَّا، أو بقيَ عاقلًا وقتَ صلاة، أو أوصى بشيء (^٣)، (وصلِّي عليهم) (^٤) (^٥» (^٦)، ارتثَّ الجريح: أي حُمِلَ من المعركة وبه رَمَق، والارتثاث في الشَّرع: أن يَرْتَفِقَ بشيءٍ من مرافقَ الحياة، أو يَثْبُتَ له حُكْمٌ من أحكامِ الأحياء، فإن بقيَ عاقلًا وقتَ صلاةٍ وَجَبَ عليه صلاة، وهذا من أحكامِ الأحياء، والإيصاءُ ارتثاثٌ عند (أبي حنيفة و) (^٧) أبي يوسفَ - ﵃ - خلافًا لمحمَّد - ﵁ - (^٨).
_________________
(١) حاصله أنه ينبغي أن يعتبر ما يكون واجبًا في مثل هذا القتل سواء كان واجبا أصليا، أو غير أصلي، وهو الدية فإنها في بعض الصور وجوبها أصلي، وفي بعضها عارضي بعارض عدم العلم بآلة القتل، وإذا ثبت وجوب الدية ارتفعت أحكام الشهادة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١:٢٦٤).
(٢) أي يغسل من قتل بحدّ.
(٣) وهذا كله إذا وجد بعد انقضاء الحرب، وأماقبل انقضائها فلا يكون مرتثًا بشيء مما ذكر. ينظر: «التبيين» (١: ٢٤٩).
(٤) أي صلي على المذكورين من الصبي والجنب والقتيل الذي وجبت فيه القَسامة، والمرتثّ، والمقتول بحد وقصاص.
(٥) ذكرت في ص وم في بداية المتن اللاحق.
(٦) ينظر: «الجامع الصغير» (ص ١١٩).
(٧) سقطت من س وف وم.
(٨) اختلفوا في قول أبي يوسف ومحمد في اعتبار الايصاء: فقال صاحب «البحر» (١: ٢١٤): الأظهر أنه لا خلاف، فجواب أبي يوسف بأن يكون مرتثًا فيما إذا كان بأمور الدنيا، وجواب محمد بعدمه فيما إذا كان بأمور الآخرة، وقال صاحب «الدر المختار» (١: ٦١٠): إن أوصى بأمور الآخرة لا يصير مرتثًا عند محمد وهو الأصح. ونقل في «البرهان» عن كل من أبي يوسف ومحمد قولين، فقال: ويطرد أبو يوسف الارتثاث في الوصية بأمور الدنيا فقط، أو مطلقًا، وخالفه محمد في وصية الآخرة، فلم يجعله مرتثًا، أو مطلقًا. كذا في «غنية ذوي الأحكام» (١: ١٧٠). وينظر: «التبيين» (١: ٢٤٩).
[ ٢ / ١٩٧ ]
وإن قتلَ لبَغي، أو قطعِ طريقٍ غُسِلَ ولا يُصلَّى عليه.