جازَ بالسُنَّة للمحدثِ دونَ مَن وَجَبَ عليه الغُسْل
أمَّا إذا وضعَهُ غيرُهُ وهو لا يعلم، فقد قيل: يجوزُ له التَّيمُّم اتِّفاقًا (^١)، وقيل: الخلافُ في الوجهَيْن، كذا في «الهداية» (^٢).
ويجبُ أن يُعلمَ (^٣) أنَّ المانعَ عن الوضوءِ إذا كان من جهةِ العبادِ كأسيرٍ يمنعُهُ الكفَّارُ عن الوضوءِ أو محبوسٍ في السِّجن، والذي قيل له: إن توضَّأتْ قتلتُكَ يجوزُ له التَّيمُّمُ لكن إذا زالَ المانع فينبغي أن يعيدَ الصَّلاة، كذا في «الذَّخيرة» (^٤).
باب المسح على الخفين
(جازَ بالسُنَّة): أي بالسُنَّةِ المشهورةِ (^٥) فيجوزُ بها الزِّيادة على الكتاب، فإنَّ موجبَهُ غسلُ الرِّجلين. (للمحدثِ دونَ مَن وَجَبَ (^٦) عليه الغُسْل)، قيل: صورتُهُ جُنُبٌ تيمَّم، ثمَّ أحدث، ومعه من الماءِ ما يتوضَّأُ به، فتوضَّأ به ولَبِسَ خُفَّيْه، ثمَّ مرَّ على ماءٍ يكفي للاغتسال، ولم يغتسل، ثمَّ وجدَ من الماءِ ما يتوضَّأ به، فتيمَّمَ ثانيًا
_________________
(١) لأن المرء لا يخاطب بفعل غيره. ينظر: «العناية» (١: ١٢٤).
(٢) الهداية» (١: ٢٧) والمذكور فيها من مطلع المسألة إلى: أو وضعه غيره.
(٣) اعلم أن العذر المبيح للتيمم قد يكون من جهة الله كالمرض والبرد وخوف العطش ونحوها، وحينئذٍ يجوز له التيمم ولا يجب الإعادة عند القدرة على الماء، وقد تكون من جهة العباد … - فحكمهم كما ذكر الشارح ـ. ينظر: «السعاية» (ص ٥٥٦).
(٤) الذخيرة البرهانية» (ق ٧/أ) لمحمد بن أحمد، برهان الدين، (ت ٦١٦ هـ)، وقد سبقت ترجمته، وهي مختصرة من «المحيط البرهاني» (ص ٣٠٧).
(٥) بل بالسنة المتواترة كما قاله السيوطي في «تدريب الراوي» (٢: ١٧٩)، و«الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة» فقد رواه سبعون صحابيًا، وقد أخرج العيني في كتابه «البناية» (١: ٥٥٤)، و«شرح شرح معاني الآثار» عن سبعة وستين صحابيًا، قال القاري في «فتح باب العناية» (١: ١٨٣): روي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوأُ من الشمس، وعنه: أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين؛ لأن الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، أي المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي.
(٦) زيادة من م.
[ ٢ / ٦٩ ]
خطوطًا بأصابعَ مفرَّجة، يبدأُ من أصابعِ الرِّجلِ إلى السَّاق
للجَنَابة، فإن أحدثَ بعد ذلك توضَّأَ ونزعَ خفيَّه، (سلَ رجليه) (^١)؛ لأنَّ الجَنَابة حلَّت الرِّجل بمرورِه على الماء (^٢).
(خطوطًا بأصابعَ مفرَّجة، يبدأُ من أصابعِ الرِّجلِ إلى السَّاق)، هذا صفةُ المسحِ على الوجهِ المسنون، فلو لم يفرِّج الأصابعَ لكن مسحَ مقدارَ الواجبِ جاز، وإن مسحَ بأُصْبَعٍ واحدة، ثمَّ بلَّهَا ومسحَ ثانيًا، ثمَّ هكذا جازَ أيضًا إن مسحَ كلَّ مرَّةٍ غيرَ ما مسحَ قبل ذلك، وإن مسحَ بالإبهامِ والمُسَبِّحةِ مُنْفَرِجَتَيْن، جازَ أيضًا؛ لأنَّ ما بينهما مقدارُ أُصْبَعٍ أُخرى (^٣).
وسُئِلَ محمَّدٌ - ﵁ - عن صفةِ المسح، قال: أن يضعَ أصابعَ يديهِ على مقدِّمِ خُفَّيْه، ويُجَافي كفَّيْه، ويمدَّهما إلى السَّاق، أو يضعَ كفَّيهِ مع الأصابعِ ويمدَّهما جملة (^٤).
لكن إن مسحَ برؤوسِ الأصابع، وجافى أصولَ الأصابعِ والكفِّ لا يجوز (^٥)، إلاَّ أن يَبْتَلَّ من الخُفِّ عند الوضعِ مقدارُ الواجب، وهو مقدارُ ثلاثِ أصابع، هكذا ذكرَ في «المحيط» (^٦).
وذكرَ في «الذَّخيرةِ»: أنَّ المسحَ برؤوسِ الأصابعِ يجوزُ إذا كان الماءُ متقاطرًا، (فإنَّه إذا كان الماءُ متقاطرًا، فالماءُ ينْزلُ من أصابعِهِ إلى رؤوسها، فإذا مدَّ كأنَّهُ أخذَ ماءً جديدًا) (^٧)، ولو مسحَ بظهرِ الكفِّ جاز، لكنَّ السُنَّةَ بباطنها، وكذا إن ابتدأَ من
_________________
(١) أطال الشارح في هذا التصوير، ويمكنه أن يكتفي بالقول: إذا لبس الخف على طهارة كاملة، ثم أجنب وتيمم للجنابة، ثم أحدث، فوجد ماءً يكفي للوضوء فعليه أن ينْزع الخفين، ويتوضأ، ولا يجوز له المسح؛ لأنه حين وجب عليه الغسل حل الحدث بالرجل، فلا بد من رفع ذلك بالغسل. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٠٨).
(٢) زيادة من ب وس.
(٣) فيكون المسح بهما كالمسح بثلاث أصابع.
(٤) انتهى كلام محمد - ﵁ - ينظر: «المحيط» (ص ٣٣٩)، ثم ذكر عن محمد قولَه بعد بيان الصفتين المذكورتين: كلاهما حسن.
(٥) لأن البلة تصير مستعملة بمجرد الإصابة، فإذا لم يكن متقاطرًا صارت البلة المستعملة أولًا مستعملة ثانيًا في الفرض بخلاف ما إذا كان متقاطرًا، فإن البلة التي مسح ثانيًا حينئذٍ غير التي استعملت أولًا. ينظر: «غنية المستملي» (ص ١١٠).
(٦) المحيط» (ص ٣٤٠).
(٧) ساقطة من ص وف وم.
[ ٢ / ٧٠ ]
على ظاهرِ خفَّيه أو جُرْمُوقَيْه
طرفِ السَّاق، ولو نسيَ المسحَ وأصابَ المطرُ ظاهرَ خُفَّيهِ حصلَ المسح، وكذا مسحُ الرَّأس، وكذا لو مشى في الحشيشِ فابتلَّ ظاهرُ خفَّيهِ ولو بالطَّلِّ (^١) هو الصَّحيح (^٢).
(على ظاهرِ خفَّيه)، الخُفُّ: ما يسترُ الكَعْبَ كلَّه (^٣)، أو يكونُ الظَّاهرُ منهُ أقلَّ من ثلاثِ أصابعِ الرِّجل أصغرها، أمَّا لو ظهرَ قدرَ ثلاثِ أصابعِ الرِّجل (^٤) فلا يجوز؛ لأنَّ هذا بمنْزِلةِ الخرقِ الكبير (^٥)، ولا بأسَ بأن يكونَ واسعًا بحيثُ يُرى رجلُهُ من أعلى الخُفّ.
(أو جُرْمُوقَيْه (^٦»: أي على خُفَّيْنِ يُلْبَسَانِ فوقَ الخُفَّين؛ ليكونا وقايةً لهما من الوَحَلِ (^٧) والنَّجاسة.
فإن كان من أديمٍ (^٨)، أو نحوه، جازَ المسحُ عليهما، سواءٌ لَبِسَهُما منفردَيْن، أو فوقَ الخُفَّيْن.
وإن كان من كِرْباسٍ (^٩)، أو نحوه، فإن لَبِسَهُما منفردَيْن لا يجوز، وكذا إن لَبِسَهُما على الخُفَّيْن إلاَّ أن يكونا بحيث يصلُ بَلَلُ المسحِ إلى الخُفِّ الدَّاخل.
ثمَّ إذا كانا من نحوِ أديم، وقد لَبِسَهُما فوق الخُفَّيْن:
فإن لَبِسَهُما بعدما أحدث، ومسحَ على الخُفَّيْنِ لا يجوز المسحُ على الجُرْمُوقَيْن.
وإن لَبِسَهُما قبل الحدثِ ومسحَ عليهما، ثمَّ نَزَعَهما دونَ الخفَّينِ أعادَ المسحَ على
_________________
(١) الطَّلّ: الندى. ينظر: «مختار» (ص ٣٩٦).
(٢) ينظر: «المحيط» (ص ٣٤١).
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ وب وس.
(٥) زيادة من ف وم.
(٦) الجُرْمُوق: خُفٌّ صغير يلبس فوق الخُفّ. ينظر: «اللسان» (١: ٦٠٧)، والجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن يكون معرَّبًا أو حكاية صوت. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ١٠٦).
(٧) الوَحَل: بفتحتين: الطين الرقيق. ينظر: «مختار» (ص ٧١٢).
(٨) الأديم: الجِلدُ ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ. ينظر: «اللسان» (١: ٤٥).
(٩) الكِرْباس: بالكسر: ثوب من القطن الأبيض معرَّبٌ. ينظر: «القاموس» (٢: ٢٥٤).
[ ٢ / ٧١ ]
أو جَوْرَبَيْه الثَّخينين منعَّلَيْن، أو مُجَلَّدين ملبوسينِ على طُهْرٍ تامٍّ وقتَ الحدث
الخُفَّينِ الدَّاخلين، بخلافِ (^١) ما إذا مسحَ على خُفٍّ ذي طاقيْن (^٢) فَنَزَعُ أحدَ الطَّاقيْن، لا يعيدُ المسحَ على الطَّاقِ الآخر.
وإن نَزَعَ أحدَ الجُرْمُوقَيْن، فعليه أن يعيدَ المسحَ على الجُرْمُوقِ الآخر، وعن أبي يوسفَ - ﵁ -: أنه يخلعُ الجُرْمُوقَ الآخر، ويمسحُ على الخُفَّيْن.
(أو جَوْرَبَيْه الثَّخينين (^٣»: أي بحيثُ يَسْتَمْسِكانِ على السَّاقِ بلا شدّ، (منعَّلَيْن (^٤)، أو مُجَلَّدين (^٥» حتَّى إذا كانا ثخينين غير مُنعَّلين، أو مُجلَّدين لا يجوزُ عند أبي حنيفةَ - ﵁ - خلافًا لهما، وعنه: أنه رجعَ إلى قولِهما (^٦)، وبه يُفْتَى، (ملبوسينِ على طُهْرٍ تامٍّ (^٧) وقتَ الحدث (^٨»، فلو توضَّأ وضوءًا غيرَ مرتبٍ فغسلَ الرِّجلين، ثم
لَبِسَ الخُفَّيْن، ثُمَّ غسلَ باقي الأعضاء، ثمَّ أحدث. أو توضَّأ وضوءًا مُرتَّبًا، فغسلَ رجلَهُ اليُمْنى وأدخلَها في الخُفّ، ثُمَّ غسلَ رجلَهُ اليُسْرى وأدخلَها في الخُفِّ ليس له
_________________
(١) وجه الفرق أن الطاقين لاتصالهما في حكم شيء واحد، فالمسح على طاق كالمسح على كليهما، فنَزع أحدهما لا يضر في بقاء المسح، ولا كذلك الجرموق والخف، فإنهما شيئان متمايزان منفصلان لا يكون المسح على أحدهما مسحًا على الآخر، فإذا نَزعَ الجرموقين بقي الخفان بلا طهارة، فيجب أن لا يعيد المسح عليهما. ينظر: «العمدة» (١: ١١١).
(٢) خفّ ذي طاقين: الذي يوصل بين أدمين ويركب الخفّ منهما بحيث يكون أحدهما ظهارة والآخر بطانة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١١١).
(٣) الجورب الثخين الذي يجوز المسح عليه هو الذي يمشى به فرسخًا ويثبت على الساق بنفسه - أي من غير شد - ولا يرى ما تحته ولا يشفّ. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٧٩).
(٤) المنعل: ما يكون هو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب. ينظر: «الإيضاح» (ق ٧/ب).
(٥) المجلد: هو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله. ينظر: «الإيضاح» (ق ٧/ب).
(٦) لم يكن الرجوع نصًا منه، بل استلالًا مما حكي عنه - ﵁ - أنه مسح على جوربيه في مرضه الذي مات فيه، وقال لعوَّاده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه إلى قولهما، وكان الحلواني - ﵁ - يقول: هذا كلام محتمل يحتمل أنه كان رجوعًا ويكون اعتذارًا لهم إنما أخذت بقول المخالف للضرورة ولا يثبت الرجوع بالشك. ينظر: «حاشية الشرنبلالي على الدرر» (١: ٣٦).
(٧) احترز به عن الناقص حقيقة كلمعة، أو معنى كتيمم، وغيره. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨٠).
(٨) فيه إشارة إلى أن التمام وقت اللبس ليس بشرط. ينظر: «الإيضاح» (ق ٨/أ).
[ ٢ / ٧٢ ]
لا على عِمَامة، وقَلَنْسُوة، وبُرْقُع، وقُفَّازَيْن
طهارةٌ تامةٌ في الصُّورة الأولى إذا لَبِسَ الخُفَّيْن، وفي الصُّورة الثَّانية إذا لَبِسَ اليُمْنى، لكنَّهما ملبوسان على طهارةٍ كاملةٍ وقت الحدث.
فَعُلِمَ أن قولَهُ: ملبوسين، أحسنُ من عبارتِهم، وهي: إذا لَبِسَهُما على طهارةٍ كاملة؛ لأنَّ المرادَ الطهارة الكاملة وقتَ الحدث، وهذا الوقتُ هو زمانُ بقاءِ اللُّبْس لا زمانُ حدوثه، فيصحُّ أن يقال: هما ملبوسان على طهارةٍ كاملة وقت الحدث، ولا يصحُّ أن يقال: لَبِسَهُما على طهارةٍ كاملةٍ وقتَ الحدث؛ لأنَّ الفعلَ دالٌّ على الحدوث، والاسمُ دالٌّ على الدَّوام والاستمرار (^١).
(لا على عِمَامة (^٢)، وقَلَنْسُوة (^٣)، وبُرْقُع (^٤)، وقُفَّازَيْن (^٥» (^٦): القُفَّاز: ما يُلْبَسُ على (^٧) الكَفّ؛ ليكُفَّ عنها مِخْلَبَ الصَّقر، ونحوه.
_________________
(١) حاصل كلام الشارح: أن قولهم: إذا لبسهما على طهارة كاملة وقت الحدث يدل بظاهره على اشتراط الطهارة الكاملة عند ابتداء اللبس؛ لأن الفعل الماضي يدل على الحدوث مع أنه ليس كذلك عندنا، فإن المسح في الصورتين المذكورتين جائز مع عدم الطهارة الكاملة عند ابتداء اللبس، وإنما الشرط عندنا هو كمال الطهارة عند الحدث، وهو زمان بقاء اللِّبس لا وقت ابتدائه، فلذلك عدل المصنف عن تلك العبارة، واختار صيغة اسم المفعول الدالة على الثبات والدوام، فإنه يصدق في الصورتين المذكورتين مما ليس له كمال الطهارة عند الابتداء أنهما ملبوسان على الطهارة الكاملة وقت الحدث فيشملها كلامه. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١١٢).
(٢) العِمامة: ما يلفّ على الرأس. ينظر: «القاموس» (٤: ١٥٦).
(٣) القَلَنْسُوةُ: جمعها: قلانِس، وهي من ملابس الرؤوس. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٧٢٠).
(٤) البُرْقُع: بفتح القاف وضمها، وجمعها: البَراقع: ما تلبسه نساء الأعراب، وفيه خرقان للعينان. ينظر: «اللسان» (١: ٢٦٥).
(٥) القُفَاز: ما يعمل لليدين يحشى بقطن، ويكون له أزرار يُزرّ على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٥٤٦).
(٦) وعلة ذلك عدم الحرج. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨١).
(٧) زيادة من م.
[ ٢ / ٧٣ ]
وفرضُهُ قَدْرُ ثلاثِ أصابعِ اليد، ومدَّتُهُ للمقيمِ يومٌ وليلةٌ، وللمسافرِ ثلاثةُ أيام ولياليها من حين الحَدَث
(وفرضُهُ قَدْرُ ثلاثِ أصابعِ (^١) اليد (^٢»، فإنَّ مَسْحَ رسولُ الله - ﷺ - كان خُطُوطًا (^٣) فَعُلِمَ أنَّها بالأصابعِ دون الكَفّ، وما زادَ على مقدارِ ثلاثِ أصابعِ اليدِ إنِّما هو بماءٍ مستعمل، فلا اعتبارَ له (^٤)، فبقي مقدارُ ثلاثِ أصابع،
ولا يفرضُ فيه شيءٌ آخر كالنِيَّة، وغيرِها.
(ومدَّتُهُ للمقيمِ يومٌ وليلةٌ، وللمسافرِ ثلاثةُ أيام ولياليها من حين الحَدَث)؛ لأنَّ قولَهُ - ﷺ -: «يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًَا وَلَيْلَة، (والمُسَافِرُ ثَلاثَة أَيَّام) (^٥)» (^٦) الحديث، أفادَ جوازَ
_________________
(١) أي فرضه قدر طول الثلاث أصابع وعرضها. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨١).
(٢) لأنها آلة المسح والثلاث أكثرها، وبه وردت السنة، فإن ابتلّ قدرها ولو بخرقة أو صب جاز، ويكون على ظاهر مقدَّم كل رجل. ينظر: «المراقي» (ص ١٦٨).
(٣) روي من حديث المغيرة بن شعبة، وجابر، أما حديث المغيرة - ﵁ -، فهو: «رأيت رسول الله - ﷺ - بالَ، ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه - ﷺ - على الخُفَّين» في «مصنف ابن أبي شيبة» (١: ١٧٠)، و«سنن البيهقي الكبير» (١: ٢٩٢). وأما حديث جابر، فهو: «مرَّ رسول الله - ﷺ - برجل يتوضأ فغسل خفيه فنخسه برجليه، وقال ليس هكذا السنة، أمرنا بالمسح هكذا، وأمر بيديه على خُفَّيه»، «المعجم الأوسط» (٢: ٣٠ - ٣١)، قال الطبراني: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، وفي رواية: «قال رسول الله - ﷺ - بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق وخطَّطَ بالأصابع» في «سنن ابن ماجه» (١: ١٨٣)، وينظر: «نصب الراية» (١: ١٨٠)، و«البناية» (١: ٥٧٦)، و«تلخيص الحبير» (١: ١٦٠)، و«خلاصة البدر المنير» (١: ٧٤).
(٤) اعترض ملا خسرو في «درر الحكام» (١: ٣٦) على عبارة الشارح، فقال: لأن مد الأصابع إلى الساق إذا كان سنة لم يحصل إلا بالماء المطهر، وقد اتفقوا على أن الماء المستعمل غير مطهر، وأيضًا اتفقوا على أن الماء ما دام في العضو لم يكن مستعملًا فكيف يصح ما ذكر.
(٥) زيادة من أ.
(٦) من حديث علي - ﵁ -: «جعل رسولُ الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم» في «صحيح مسلم» (١: ٢٣٢)، واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ٩٧)، و«المسند المستخرج» (١: ٣٣٠)، و«المجتبى» (١: ٨٤)، وغيرهم، ومن حديث: صفوان بن غسان في «جامع الترمذي» (١: ١٥٩). ولينظر: «نصب الراية» (٤: ١٧٤)، و«الدراية» (١: ٧٧).
[ ٢ / ٧٤ ]
وينقضُهُ: ناقضُ الوضوء، ونزعُ الخُفّ، ومُضِيِّ المدَّة، وبعد أحد هذين على المتوضئ غَسْلُ رجليه فحسب، وخروجُ أكثرِ العَقِبِ إلى السَّاق نَزْع
المسحِ في المُدَّةِ المذكورة، وقبل الحَدَثِ لا احتياجَ إلى المَسْح، فالزَّمان الذي يُحتاجُ فيه إلى المسح، وهو من وقتِ الحدثِ مقدَّرٌ بالمقدارِ المذكور (^١).
(وينقضُهُ: ناقضُ الوضوء، ونزعُ الخُفّ (^٢»، ذَكَرَ لفظَ الواحد، ولم يقلْ: نَزْعُ الخُفَّين؛ ليفيدَ أنَّ نزعَ أحدِهما ناقض، فإنَّه إذا نَزَعَ أحدَهما وجبَ غَسْلُ إحدى الرِّجلين، فوجبَ غَسْلُ الأُخرى، إذ لا جمعَ بين الغَسْلِ والمسح، وكذا إن دخلَ الماءُ أحدَ خُفَّيه حتَّى صارَ جميعُ الرِّجل مغسولًا، وإن أصابَ الماءُ أكثرَها، فكذا عند الفقيه أبي جعفر (^٣).
(ومُضِيِّ المدَّة (^٤)، وبعد أحد هذين): أي نَزَعُ الخُفّ، ومُضِي المُدَّة، (على المتوضئ غَسْلُ رجليه فحسب): أي على الذي كان له وضوء لا يَجِبُ إلاَّ غَسْلُ رجليه، أي لا يَجِبُ غَسْلُ بقيةِ الأعضاء، وينبغي أن يكون فيه خلاف مالك (^٥) - ﵁ - بناءً على فرضيةِ الولاء عنده.
(وخروجُ أكثرِ العَقِبِ (^٦) إلى السَّاق نَزْع)، ولفظُ القُدُورِيِّ (^٧): أكثر القدم، وما
_________________
(١) لكونه وقت وجود السبب، وأيضًا: هو وقت منع الخف سراية الحدث إلى القدم، وأيضًا: هو وقت وجود الرخصة، فكان أحق بالاعتبار من وقت اللبس ووقت الطهارة. ينظر: «العمدة» (١: ١١٤).
(٢) أراد به ما يشمل الانتزاع، وإنما نقض لسراية الحدث إلى القدم عند زوال المانع. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٣).
(٣) بناءً على أن للأكثر حكم الكل، فيجب عليه أن ينْزع الخف، ويغسل القدم. ينظر: «العمدة» (١: ١١٤)
(٤) خروج القدم ومضي المدة ليس بناقض حقيقة، وإنما الناقض الحدث السابق، لكن لما ظهر أثره عندهما نُسِبَ النقضُ إليهما. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ١٩٨).
(٥) قال مالك - ﵁ - في الذي ينْزع خُفَّيه وقد مسح عليهما: إنه يغسل رجليه مكانه ويجزئه، وإن أخَّرَ ذلك ابتداء الوضوء، فإن نزع خُفًَّا واحدًا، فلينْزع الآخر، ويغسل رجليه مكانه ويجزئه، وإن أخر ذلك ساعةً أعاد الوضوء، وقال الأبهري: حدُّ ذلك مقدارُ ما يجفُّ فيه الوضوء. ينظر: «التاج والإكليل» (١: ٣٢٣).
(٦) العقِب: مؤخِّر الرِّجل. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٤٤٤).
(٧) وهو أحمد بن محمد بن أحمد البَغْدَادِيّ القُدُورِيّ، أبو الحسين، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديمًا لتلاوة القرآن. من مؤلفاته: «مختصر القُدُورِيّ»، و«شرح مختصر الكَرْخي»، و«التجريد»، (٣٦٢ - ٤٢٨ هـ). ينظر: «النجوم الزاهرة» (٥: ٢٤)، «مرآة الجنان» (٣: ٤٧)، «الفوائد» (ص ٥٧ - ٥٨).
[ ٢ / ٧٥ ]
ويمنعُهُ خَرْقُ خُفٍّ يبدو منه قَدْر ثلاثِ أصابع الرِّجل أصغرُها لا ما دونَها، وَيَجْمعُ خروقَ خُفٍّ لا خُفَّين
اختارَه في المتن مَرْوِيٌّ عن أبي حنيفةَ (^١) - ﵁ -.
(ويمنعُهُ (^٢) خَرْقُ خُفٍّ (^٣) يبدو منه قَدْر ثلاثِ أصابع الرِّجل أصغرُها (^٤) لا ما دونَها)، فلو كان الخرقُ طويلًا يدخلُ فيه ثلاثُ أصابع الرِّجل (^٥) إن أُدْخِلَتْ لكن لا يبدو منه هذا المقدار جازَ المسح، ولو كان مضمومًا لكن ينفتحُ إذا مَشَى ويظهرُ هذا المقدار لا يجوز.
فَعُلِمَ منه أن ما يُصْنَعُ من الغزلِ ونحوه مشقوق أسفل الكعب، إن كان يسترُ الكعبَ بخيط أو نحوِه يشدُّ بعد اللُّبْسِ بحيث لا يَبْدُ منه شيء، فهو كغيرِ المشقوق، وإن بَدَا كان كالخرق فيعتبرُ المقدارُ المذكور.
(وَيَجْمعُ خروقَ (^٦) خُفٍّ لا خُفَّين): أي إذا كان على خُفٍّ واحدٍ خروقٌ كثيرةٌ
_________________
(١) فعنده بقاء المسح لبقاء محل الغسل في الخف، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى محل الغسل فيه، وأيضًا: لا يمكن معه متابعة المشي المعتاد، قال القاري في «فتح باب العناية» (١: ١٩٧): وهو الأحوط. واختاره الشارح بقول أبي حنيفة - ﵁ - في «النقاية» (ص ٩)، وصاحب «الفتح» (١: ١٣٦)، و«البدائع» (١: ١٣). وصحح صاحب «الهداية» (١: ٢٩)، و«الدر المختار» (١: ١٨٤) خروج أكثر القدم، وهو المروي عن أبي يوسف - ﵁ -، وبه جزم في «الكنْز» (ص ٦)، و«الملتقى» (ص ٧)، وهو لأن فيه الاحتراز من خروج أقل القدم حرجًا ينظر: الخف الواسع، ولا حرج لأكثر، وتَنْزيلًا للأكثر منْزلة الكل. وعند محمد إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح عليه - يعني ثلاث أصابع - لا ينتقض المسح وإلا انتقض؛ لأن خروج ما سوى قدر المسح كلا خروج، وعليه أكثر المشايخ. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٤).
(٢) إلا أن يكون فوقه خف آخر أو جرموق فيمسح عليه. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨٢).
(٣) زيادة من أ وب وس.
(٤) روى الحسن عن أبي حنيفة أن المعتبر كونها من اليد، وقال محمد في «الزيادات» من أصابع الرجل أصغرها، وصححه صاحب «الهداية» (١: ٢٩) كغيره من الأئمة، واعتبر الأصغر للاحتياط. ينظر: «البحر» (١: ١٨٤).
(٥) زيادة من ف وم.
(٦) اختاره صاحب «الفتح» (١: ١٣٤) وقوَّاه تلميذه ابن أمير الحاج بموافقته لما روي عن أبي يوسف من عدم الجمع مطلقًا، واستظهره في «البحر» (١: ١٨٥)، لكن ذكره قبله أن الجمع هو المشهور في المذهب وقال صاحب «النهر»: إطباق عامة المتون والشروح عليه مؤذن بترجيحه. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٢).
[ ٢ / ٧٦ ]
ويُتِمُّ مُدَّةَ السَّفرِ ماسحٌ سافرَ قبل تمامِ يومٍ وليلة، ويُتمُّهُما إن أقامَ قبلَهما، ويَنْزَعُ إن أقامَ بعدَهما، ويجوزُ على جبيرةٍ مُحْدِث، ولا يبطلُهُ السُّقوطُ إلاَّ عن بُرْء
تحت السَّاق، ويبدو من كلِّ واحدٍ شيءٌ قليل، بحيث لو جُمِعَ البادي يكونُ مقدارَ ثلاثِ أصابعَ يمنعُ المسح، ولو كان هذا المقدارُ في الخُفَّين جازَ المسح.
(ويُتِمُّ مُدَّةَ السَّفرِ ماسحٌ سافرَ قبل تمامِ يومٍ وليلة، ويُتمُّهُما إن أقامَ قبلَهما، ويَنْزَعُ إن أقامَ بعدَهما)، فهنا أربعُ مسائل؛ لأنَّه إمَّا أن يسافرَ المقيم، أو يقيمَ المسافر، وكلٌّ منهما (^١) إمَّا قبل تمامِ يومٍ وليلة، أو بعدَهما، وقد ذَكَرَ في المتن ثلاثًا منها (^٢)، ولم يذكرْ ما إذا سافرَ المقيمُ بعد تمامِ يومٍ وليلة، وحكمُهُ ظاهر، وهو وجوبُ النَّزع.
(ويجوزُ على جبيرةٍ (^٣) مُحْدِث (^٤)، ولا يبطلُهُ السُّقوطُ إلاَّ عن بُرْء)، المسحُ على الجبيرةِ إن أضرَّ (^٥) جازَ تركُه، وإن لم يضرَّ فقد اختلفتِ الرِّواياتُ عن أبي حنيفةَ - ﵁ - في جوازِ تركِه، والمأخوذُ أنَّه لا يجوزُ تركُه (^٦).
ثُمَّ لا يُشترطُ كون الجبيرةِ مشدودةً على طهارة، وإنِّما يجوزُ المسحُ على الجبيرة إذا
_________________
(١) زيادة من ب وف وم.
(٢) وهي: الأولى: أن يسافر المقيم قبل تمام يوم وليلة، ذكره بقوله: ويتم مدة السفر ماسح سافر قبل تمام يوم وليلة، والثانية: أن يقيم المسافر قبل تمام يوم وليلة ذكره بقوله: ويتمها إن أقام قبلها، والثالثة: أن يقيم المسافر بعد تمام يوم وليلة ذكره بقوله: وينْزع إن أقام بعدها. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١١٦).
(٣) الجَبِيرة: جمعها الجبائر: وهي العيدان التي تشدها على العظم لتجبيره بها على استواء. ينظر: «اللسان» (١: ٥٣٦).
(٤) المراد أعمّ ممن به حدث أصغر، وممن به حدث أكبر. ينظر: «العمدة» (١: ١١٧).
(٥) المراد الضرر المعتبر لا مطلقه؛ لأن العمل لا يخلو عن أدنى ضرر، وذلك لا يبيح الترك. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨٦).
(٦) وعليه الفتوى. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٨٦)، والصحيح من مذهب أبي حنيفة - ﵁ - أنه ليس بفرض عنده. ينظر: «غنية المستملي» (١: ١١٧)، قال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٨٦): إنه فرض عملي عندهما، واجب عنده، فقد اتفق الإمام وصاحباه على الوجوب بمعنى عدم جواز الترك، لكن عندهما يفوت الجواز بفوته فلا تصح الصلاة بدونه أيضًا وعنده يأثم بتركه فقط مع صحة الصلاة بدونه ووجوب إعادتها.
[ ٢ / ٧٧ ]
لم يقدرْ على مسحِ ذلك (١ (الموضع من) (^١) العضو (^٢)، كما لا يقدرُ على غَسْلِه بأن كان الماءُ يضرُّه، أو كانت الجبيرةٌ مشدودةً يضرُّ حلُّها، أمَّا إذا كان قادرًا على مسحِه، فلا يجوزُ مسحُ الجبيرة.
وإذا كان في أعضائِه شقاق، فإن عَجِزَ عن غَسْلِه، يلزم إمرارُ الماءِ عليه، فإن عَجِزَ عنه يلزمُه المسح، ثُمَّ إن عَجِزَ عنه يغسلُ ما حولَه ويتركه، وإن كان الشِّقاق في يدِه، ويعجزُ عن الوضوءِ استعانَ بالغيرِ ليوضِّئه، فإن لم يستعنْ وتيمَّمَ جازَ (^٣) خلافًا لهما.
وإذا وَضَعَ الدَّواءَ على شقاقِ الرِّجلِ أَمَرَّ الماءَ فوقَ الدَّواء، فإذا أَمَرَّ الماءَ فوقَ الدَّواء، ثُمَّ سَقطَ الدَّواء إن كان السُّقوطَ عن بُرْء، غَسَلَ الموضعَ وإلاَّ فلا.
وإذا فَصَد (^٤)، ووضَعَ خرقة، وشَدَّ العصابة:
فعند بعضِ المشايخ (^٥): لا يجوزُ المسحُ عليها، بل على الخرقة.
وعند البعض (^٦): إن أمكنَه شَدُّ العصابة بلا إعانةِ أحدٍ لا يجوزُ عليها المسح، وإن لم يُمْكِنْهُ ذلك يجوز.
وقال بعضُهم (^٧): إن كان حلُّ العصابة وغَسْلُ ما تحتها يضرُّ الجراحة، جازَ المسحُ عليها، وإلاَّ فلا، وكذا الحكمُ في كلِّ خرقةٍ جاوزت موضعَ القُرْحة.
وإن كان حلُّ العصابة لا يَضُرُّه، لكنَّ نَزْعَها عن موضعِ الجراحةِ يضرُّه يحلُّها، ويغسلُ ما تحتها إلاَّ موضعَ الجراحة، ثُمَّ يشدُّها، ويمسحُ موضع الجراحة.
وعامة المشايخ على جوازِ مسحِ عصابة المفتصد، وأمَّا الموضعُ الظَّاهر من اليدِ ما بين
_________________
(١) ساقطة من أ وس.
(٢) ساقطة من ب وص وف.
(٣) لأن المكلف لا يعتبر قادرًا بقدرة غيره عنده، فالإنسان يعد قادرًا إذا اختص بإحالة يتهيأ له الفعل متى أراد، وهذا لا يتحقق بقدرة غيره، وعندهما تثبت القدرة بآلة الغير؛ لأن آلته صارت كآلته بالاعانة. ينظر: «غنية المستملي» (١: ١١٩ - ١٢٠).
(٤) في م: افتصد. والفَصْدُ: قطع العرق. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٤٢٠).
(٥) وهو قول الإمام أبي علي النسفي. ينظر: «المحيط» (ص ٣٧٣).
(٦) وهو قول الإمام علاء الدين محمود الشعبيّ. ينظر: «المحيط» (ص ٣٧٣).
(٧) وهو قول شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده. ينظر: «المحيط» (ص ٣٧٣).
[ ٢ / ٧٨ ]
العقدتين (^١) من العصابة، فالأصحُّ (^٢) أنَّه يكفيه المسح، إذ لو غَسَلَ تبتلُّ العصابة، فربَّما تنفذُ البلَّةُ إلى موضعِ الفَصْد.
ويشترطُ الاستيعابُ في مسحِ الجبيرة والعصابةِ في روايةِ الحَسَن عن أبي حنيفة - ﵁ -، وهو المذكور في «الأسرار» (^٣).
وعند البعض: يكفي الأكثر (^٤).
واذا مسح، ثُمَّ نزعَها، ثُمَّ أعادَها، فعليه أن يعيدَ المسح، وإن لم يعدْ أجزأه.
وإذا سقطَتْ عنها فبدَّلَها بأخرى، فالأَحسنُ إعادة المسح، وإن لم يعدْ أجزأه.
ولا يشترطُ تثليثُ مسحِ الجبائر، بل يكفيه مرَّة واحدة، وهو الأصحّ (^٥).
ويجبُ أن يعلمَ أن مسحَ الجبيرةِ يُخالِفُ مسحَ الخُفِّ في:
أنَّه يجوزُ على حدث.
ولا يُقَدَّرُ له مُدَّةٌ.
وإذا سقطَتْ لا عن بُرْءٍ لا يبطل.
وإن سقطت عن بُرْءٍ يجبُ غَسْلُ ذلك الموضعِ خاصة بخلافِ ما إذا خَلَعَ أحدَ
_________________
(١) وهو الموضع الذي لم تستره العصابة بين العصابة، فلا يجب غسله بل يكفيه المسح. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٨٧).
(٢) وصححه صاحب «الدر المختار» (١: ١٨٧)، واختاره صاحب «الملتقى» (ص ٧).
(٣) الأسرار في الأصول والفروع» لعبيد الله بن عمر بن عيسى الدَّبوسِيّ الحَنَفيّ، أبو زيد، قال الذهبي: كان أحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود، وكان شيخ تلك الديار، ومن مؤلفاته: «تقويم الأدلة»، و«النظم في الفتاوى»، و«شرح الجامع الكبير»، و«تأسيس النظر في اختلاف الأئمة» «ت ٤٣٠ هـ). ينظر: «وفيات» (٣: ٤٨)، «العبر» (٣: ١٧١)، «هدية العارفين» (٥: ٦٤٨).
(٤) الفتاوى البزازية» (١: ١٥): الفتوى إن مسح أكثر الجبيرة عند من فرضه يكفي. ومشى عليه صاحب «البدائع» (١: ١٤)، و«البحر» (١: ١٩٨)، و«الملتقى» (ص ٧)، و«الدر المختار» (١: ١٨٧)، وهو قول خواهر زاده: إذ لا يشترط الاستيعاب، وإن مسح على الأكثر جاز، وإن مسح على النصف وما دونه لا يجوز. ينظر: «الخانية» (١: ٥٠).
(٥) وصححه صاحب «المحيط» (ص ٣٧٤)، و«الدر المختار» (١: ١٨٧)، ومنهم من شرط المسح ثلاثًا إلا أن تكون الجراحة في الرأس فلا يلزمه تكرار المسح. ينظر: «البحر» (١: ١٩٨).
[ ٢ / ٧٩ ]