هو سجدةٌ بين تكبيرتينِ بشروطِ الصَّلاةِ بلا رفعِ يدٍ وتشهدٍ وسلام، وفيها سُبْحَةُ السُّجود، وتَجِبُ على مَن تلا آيةً من أربعَ عشرةَ: التَّي في آخر الأعراف، والرَّعد، والنَّحل، وبني إسرائيل، ومريم، وأُولى الحجّ
باب سجود التلاوة
هو سجدةٌ بين تكبيرتينِ (^١) بشروطِ الصَّلاةِ بلا رفعِ يدٍ وتشهدٍ وسلام، وفيها سُبْحَةُ السُّجود، وتَجِبُ على مَن تلا آيةً من أربعَ عشرةَ: التَّي في آخر الأعراف (^٢)، والرَّعد (^٣)، والنَّحل (^٤)، وبني إسرائيل (^٥)، ومريم (^٦)، وأُولى الحجّ (^٧»: احترازٌ عن الثَّانية، وهو قولُهُ تعالى: ﴿ارْكَعُوا (^٨) وَاسْجُدُوا﴾ (^٩)، فإنَّه لا سجدةَ عندنا خلافًا للشَّافِعِيِّ (^١٠) - ﵁ -، ففي كلِّ موضعٍ في القرآن، قَرَنَ الرُّكوعَ بالسُّجُودِ يرادُ به السَّجدَةُ الصَّلاتيَّة
_________________
(١) أي بين تكبيرةٍ للوضع، وتكبيرةٍ للرَّفع، وهما مسنونتان. كذا في «الدر المختار» (١: ٥١٥).
(٢) وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
(٣) وهي: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
(٤) وهي: ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩،٥٠].
(٥) وهي: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
(٦) وهي: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
(٧) وهي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
(٨) وقع في النسخ: واركعوا، والمثبت من القرآن الكريم.
(٩) الحج (٧٧)، وتمامها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
(١٠) ينظر: «المنهاج» (١: ٣٢١٤
[ ٢ / ١٧١ ]
والفرقان، والنَّمل، وألم السَّجدة، وص، وحم السَّجدة، والنَّجم، وانشقت، واقرأ
(والفرقان (^١)، والنَّمل (^٢)، وألم السَّجدة (^٣)، وص (^٤)، وحم السَّجدة (^٥)، والنَّجم (^٦)، وانشقت (^٧)، واقرأ (^٨»، وعند الشَّافِعِيِّ (^٩)
- ﵁ - في أربعَ عشرةَ أيضًا، ففي ص عنده ليس سجدة، وفي الحجِّ عنده سجدتان.
واخْتُلِفَ في موضعِ السَّجدةِ في حم السَّجدة، فعند عليِّ (^١٠) - ﵁ -، هو قولُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^١١)، وبه أخذَ الشَّافِعِيِّ - ﵁ -، وعند ابن مسعودٍ - ﵁ -، هو قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^١٢)، فأخذنا بهذا احتياطًا، فإنَّ تأخيرَ السَّجدة جائزٌ لا تقديمه.
_________________
(١) وهي: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠].
(٢) وهي: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. اللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥ - ٢٦].
(٣) وهي: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
(٤) وهي: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
(٥) وهي: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
(٦) وهي: ﴿فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢].
(٧) وهي: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤمِنُون. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١].
(٨) وهي: ﴿كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
(٩) ينظر: «المنهاج» (١: ٢١٥ - ٢١٦)، وفيه: لا ص، بل هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها على الأصح، وتسن للقارئ والمستمع، وتتأكد له بسجود القارئ، قلت: وتسن للسامع.
(١٠) وهو عليّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وكان ﵁ من أعلم الصحابة، وهو أول من أسلم من الصبيان، وتزوج بنت رسول الله ﷺ، وقد وثب عليه ابن ملجم الخارجي فضربه في يافوخه بخنجرٍ، فبقي يومًا، وتوفِّي ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (٤٠ هـ). ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٠: ٤٧٢ - ٤٨٩). «العبر» (١: ٤٦). و«مرآة الجنان» (١: ١٠٨ - ١٠٩).
(١١) من سوة فصلت، الآية (٣٧)، وتمامها: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
(١٢) من سورة فصلت، الآية (٣٨).
[ ٢ / ١٧٢ ]
أو سمعَها وإن لم يقصده، تلا الإمامُ سجدَ المؤتمُّ معه، وإن لم يسمع، وإن تلا المؤتمُّ لم يسجدْ أصلًا وسجدَ السَّامعُ الخارجي. سَمِعَ المصلِّي ممَّن ليس معه، سجدَ بعدها، ولو سجدَ فيها أعادَها لا الصَّلاة. سمعَها من إمام، ولم يدخلْ معه، أو دخلَ في ركعةٍ أُخرى سَجَدَ لا فيها، وإن دَخَلَ في تلك الرَّكعة إن كان قبل سجودِ إمامِهِ سَجَدَ معه، والاَّ لا يسجدُ. والسَّجدةُ الصَّلاتيَّةُ لا تُقْضَى خارجَها، تلاها ثُمَّ شرعَ في الصَّلاة، وأعادَ، كفتْهُ سجدة، وإن تلاها وسجد، ثُمَّ شرعَ فيها وأعادَ سَجَدَ أُخرى
(أو سمعَها وإن لم يقصده): أي السَّماع.
(تلا الإمامُ سجدَ المؤتمُّ معه، وإن لم يسمع، وإن تلا المؤتمُّ (^١) لم يسجدْ أصلًا): أي لا في الصَّلاة ولا بعدَها (^٢)، (وسجدَ السَّامعُ الخارجي.
سَمِعَ المصلِّي ممَّن ليس معه، سجدَ بعدها، ولو سجدَ فيها أعادَها لا الصَّلاة.
سمعَها من إمام، ولم يدخلْ معه، أو دخلَ في ركعةٍ أُخرى (^٣) سَجَدَ لا فيها (^٤)، وإن دَخَلَ في تلك الرَّكعة إن كان): أي الدُّخول (قبل سجودِ إمامِهِ سَجَدَ معه، والاَّ لا يسجدُ (^٥).
والسَّجدةُ الصَّلاتيَّةُ لا تُقْضَى خارجَها): أي سجدةُ التِّلاوةُ التَّي محلُّها الصَّلاة لا تُقْضَى خارجَ الصَّلاة، وإنِّما قلتُ محلُّها الصَّلاة، ولم أقلّ التَّي وجبت في الصَّلاة احترازًا عمَّا وَجَبَتْ في الصَّلاة ومحلُّ أدائها خارجَ الصَّلاة، كما إذا سمعَ المصلِّي ممِّن ليس معه، أو سمعَ من إمامٍ واقتدى به في ركعةٍ أُخْرى (^٦).
(تلاها ثُمَّ شرعَ في الصَّلاة، وأعادَ، كفتْهُ سجدة، وإن تلاها وسجد، ثُمَّ شرعَ فيها وأعادَ سَجَدَ أُخرى (^٧»؛ لأنَّ في الصُّورة الأُوْلى غيرَ الصَّلاتيَّة صارت تَبَعًا للصَّلاتيَّة
_________________
(١) لأنَّ المأمومَ محجورٌ عن القراءة، فقراءتُه كلا قراءة. ينظر: «العمدة» (١: ٢٣٠).
(٢) العبارة في أ: ولا في بعدها.
(٣) أي بعد الركعة التي سمعها فيها.
(٤) أي لا في الصلاة، وإنما بعد الفراغ منها.
(٥) أي لا يسجد للتلاوة إذا اقتدى بالإمام في الركعة التي سجد فيها بعد سجوده؛ لأنه بإدراكه تلك الركعة صار مؤديًا للسجدة. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٣٨٩).
(٦) في هذا نظر: لأنها وجبت على المقتدي خارج الصلاة قبل الاقتداء، فلم يكن محلها الصلاة، ويجب عليه أداؤها بعدها.
(٧) ولو لم يسجد في الصلاة سقطتا في الأصح. ينظر: «الدر المختار» (١: ٥٢٠).
[ ٢ / ١٧٣ ]
كرَّرَها في مجلسٍ كفته سجدة وإن بدَّلَها أو المجلسَ لا، وإسداء الثَّوب، والانتقالُ من غُصنٍ إلى غُصنٍ آخر تبديل، وتجب أُخرى لو تبدَّلَ مجلسُ السَّامعِ دون التَّالي لا في عكسِه
وإن لم يتَّحدِ المجلس، وفي الصُّورة الثَّانية لمَّا سجدَ قبل الصَّلاةِ لا يقعُ عمَّا وجبتْ في الصَّلاة قطّ.
ولفظ: «المختصر» (^١): وإن أعادَ في مجلس، أو في صلاةٍ كفى سجدة: أي قرأ في غيرِ الصَّلاة ثُمَّ أعادَها في الصَّلاة، وفُهِمَ من تخصيصِ المُعاد بكونِهِ في الصَّلاة أنَّ الأُولى في غيرِ الصَّلاة.
(كرَّرَها في مجلسٍ كفته سجدة)، ولا فرقَ بين ما قرأَ مرَّتيْن، ثُمَّ سجد، أو قرأ وسجد، ثُمَّ قرأها في ذلك المجلس، فعلى هذا إن كرَّرَها في ركعةٍ واحدةٍ تكفي سجدةٌ واحدة، سواءٌ سجدَ ثُمَّ أعاد، أو أعادَ ثُمَّ سجد، وإن كرَّرَ في ركعةٍ أُخرى (يكفيه سجدةٌ واحدة) (^٢)، هذا عند أبي يوسف (^٣) - ﵁ - خِلافًا لمحمَّد - ﵁ -.
(وإن بدَّلَها): أي آيةَ السَّجدة، (أو المجلسَ لا): أي قرأ آيتين في مجلسٍ واحد، أو آيةً واحدةً في مجلسين لا تكفي سجدةٌ واحدة.
(وإسداء الثَّوب، والانتقالُ من غُصنٍ إلى غُصنٍ آخر تبديل)، اسداء الثَّوب (^٤) أن يغرزَ الحائكُ في الأرضِ خشباتٍ يسوِّي فيها سدى الثَّوبِ في ذهابِهِ ومجيئِه، فإنَّ مجلسَه يتبدَّلُ بالانتقالِ من مكانٍ إلى مكان.
(وتجب أُخرى): أي على السَّامع، (لو تبدَّلَ مجلسُ السَّامعِ دون التَّالي لا في عكسِه): أي لا يجبُ سجدةٌ أخرى على السَّامع إن تبدَّل مجلسُ التَّالي دون السَّامع.
واعلمْ أنَّ المجلسَ هنا يتبدَّلُ بالشُّروع في أمرٍ آخر، وبالانتقالِ من مكانٍ إلى مكانٍ لا يتحدان حُكمًا، أمَّا زوايا البيتُ والمسجد، ففي حكمِ مكانِ واحد بدلالةِ صحَّة الاقتداء، وأغصانُ الشَّجرةِ الواحدةِ أمكنةٌ مختلفةٌ في ظاهرِ الرِّواية (^٥).
وفي «النَّوادر» (^٦): مكانٌ واحد.
_________________
(١) العبارة في «النقاية» (ص ٣٤): وإن كرر في مجلس واحد، أو صلاة، يكفي سجدة.
(٢) زيادة من ف وم.
(٣) في ف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي م: عند أبي حنيفة.
(٤) أسدى الثوب: مدَّه. ينظر: «القاموس» (٤: ٣٤٣)، «اللسان» (٣: ١٩٧٨).
(٥) وهو الأصح ينظر: «الهداية» (١: ٨٠)، و«فتح القدير» (١: ٤٧٦).
(٦) الكلام في بيان المراد منها في الدراسة.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وكُرِهَ تركُ سجدة وقراءةُ باقي السُّورة لا عكسُه ونُدِبَ ضَمُّ آية، أو آيتين قبلَها إليها واسْتُحْسِنَ اخفاؤُها عن السَّامع