وهي من بُرّ، أو دقيقه، أو سويقه، أو زبيبٍ نصفُ صاع، ومن تمرٍ أو شعيرٍ صاعٍ ممَّا يسعُ فيه ثمانيةُ أرطال من مَجّ أو عدس
وحُبِّبَ دفعُ ما يُغنيه عن السُّؤال ليوم، وكُرِه دَفْعُ مئتي درهمٍ إلى فقيرٍ غيرِ مديون، ونقلُها إلى بلدٍ آخرَ إلاَّ إلى قريبِه، أو إلى أحوجَ (^١) مَن أهلِ بلدِه).
باب صدقة الفطر
(وهي (^٢) من بُرّ، أو دقيقه (^٣)، أو سويقه (^٤)، أو زبيبٍ (^٥) نصفُ صاع، ومن تمرٍ أو شعيرٍ صاعٍ ممَّا يسعُ فيه ثمانيةُ أرطال من مَجّ (^٦) أو عدس).
الصَّاعُ: كيلُ يسعُ فيه ثمانيةُ أرطال، (فقدِّر بثمانية أرطال) (^٧) من المَجّ: وهو الماش، أو من العدس. وإنِّما قُدِّرَ بهما لقلَّة التَّفاوت بين حباتِهما عظمًا وصغرًا، وتخلخلًا واكتنازًا (^٨)، بخلاف غيرِهما من الحبوب، فإنَّ التَّفاوتَ فيها كثيرُ غايةَ الكثرة.
_________________
(١) أو أصلح، أو أروع، أو أنفع للمسلمين. ينظر: «الدر المختار» (٢: ٦٨).
(٢) ساقطة من ص وق، وفي ت وج وف وم: هي.
(٣) دقيقه: أي طحينه. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٢٠٨).
(٤) سويقه: أي ما يتّخذ من البُرّ، وهو الناعم من الدقيق. ينظر: «تاج العروس» (٢٥: ٤٨٠)، و«التعليقات المرضية» (ص ٢١٣).
(٥) وجعلا الزبيب كالتمر في وجوب صاع منه، وهي رواية الحسن عن الإمام، وصحّحها البهنسي، وغيره، وفي «الحقائق»، و«الشرنبلالية» عن «البرهان»: وبه يفتى. ينظر: «الدر المختار» (٢: ٧٦)، و«الدر المنتقى» (١: ٢٢٩). وفي «مجمع الأنهر» (١: ٢٢٩): الأولى أن يراعى فيه القدر والقيمة.
(٦) المَجُّ: حبٌّ كالعدس إلا أنه أشد استدارة منه، ويقال لها: الماش. ينظر: «اللسان» (٦: ٤١٣٧).
(٧) ساقطة من ص وف.
(٨) اكتنازًا: من اكتنَزَ الشيء: اجتمع وامتلأ، يقال: كنَزتُ البُرَّ في الجراب فاكتنَزَ. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٥٨٠)، و«تاج العروس» (١٥: ٣٠٤).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وإنِّي قد وزنتُ الماش، والحنطةَ الجيدةَ المكتنَزة، والشَّعير (^١)، وجعلتُها في المكيال، فالماشُ أثقلُ من الحنطة، والحنطةُ الجيدةُ (^٢) من الشَّعير، فالمكيالُ الذي يُمْلأُ بثمانيةِ أرطالٍ من المَجِّ يُملأُ بأقلَّ من ثمانيةِ أرطالٍ من الحنطةِ الجيدةِ المكتنَزة، فالأحوطُ فيه (^٣) أن يقدَّرَ الصَّاعُ بثمانيةِ أرطالٍ من الحنطة الجيدة (^٤)؛ لأنَّه إن قُدِّرَ بالحنطة الجيدة (^٥) المكتنِزة، فكلُّما يُجْعلُ فيه ثمانيةُ أرطالٍ من مثلِ تلك الحنطة يُملأ بها، وإن كان يُملأُ بأقلَّ من تلك إذا كان الحنطةُ متخلخلة لكن إن قُدِّرَ بالمَجِّ يكونُ أصغرَ من الأَوَّل، ولا يسعُ فيه ثمانيةُ أرطالٍ من أنواعِ الحنطة، فيكون الأَوَّلُ أحوط (^٦).
ثُمَّ اعلم أنَّ هذا الصَّاع (^٧)، هو الصَّاع العِرَاقِيّ، وأمَّا الحِجازيّ، فهو خمسةُ أرطالٍ وثُلُثُ رطل، فالواجبُ عند الشَّافِعِيِّ (^٨) - ﵁ - من الحنطةِ نصف (^٩) صاع من الحِجَازيّ،
_________________
(١) في أ: والعشير.
(٢) زيادة من ب وس وص.
(٣) زيادة أ وب وس.
(٤) زيادة أ وب وس.
(٥) زيادة من أ وص.
(٦) إنما قدروا بالمج والعدس؛ لاستوائهما كيلًا ووزنًا حتى لو وزن من ذلك ثمانية أرطال، ووضع في صاعٍ لا يزيدُ ولا ينقص، وما سوى ذلك تارةً يكون وزنه أكثر من الكيلِ: كالشعير، وتارةً بالعكسِ: كالملح، فإذا كان مكيالٌ يسعُ ثمانيةَ أرطالٍ من الملحِ والعدس، فهو الصَّاعُ الذي يكالُ به الشَّعيرُ والتَّمرُ وغيرها، والشارح رجَّحَ تقديرَهُ بالحنطةِ بناءً على أنَّه وَزَنَ الاماش والحنطة والشعير وجعلَها في المكيال، فوجد الماشَ أثقلَ من الحنطة، والحنطة أثقل من الشعير، فالمكيالُ الذي يُملأ بثمانية أرطال من الماش يُملأ بأقلَّ من ثمانيةِ أرطالٍ من الحنطةِ فلو قُدِرَ بالماشِ يكون أصغر. ولا يخفى أن التقدير بالشعير أحوط؛ لذلك نقل عن مشايخنا بالحرمين أنهم كانوا يفتون تقديره بثمانية أرطال من الشعير. ينظر: «رد المحتار» (٢: ٧٧)، و«عمدة الرعاية» (١: ٣٠).
(٧) وهو ما يسع ألفًا وأربعين درهمًا. ينظر: «الغرر» (١: ١٩٥)، و«التنوير) (١: ٧٧).
(٨) ينظر: «تحفة المنهاج» (٣: ٣٢١)، و«تحفة الحبيب» (٢: ٣٥٧)، و«التجريد لنفع العبيد» (٢: ٥٠)، وغيرها.
(٩) ساقطة من ص وف وم.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ومَنَوَان بُرًَّا جازَ خلافًا لمحمَّد - ﵁ -، وأداءُ البُرِّ في موضعٍ يشترى به الأشياءَ أحبّ، وعند أبي يوسف - ﵁ - أداءُ الدَّراهم أحبّ. وتجبُ على حرٍّ مسلمٍ له نصابُ الزَّكاة وإن لم يَنْمُ
وعندنا نصفُ صاعٍ من العِرَاقِيّ (^١)، وهو مَنَوَان (^٢)، على أنَّ المَنَّ أربعونَ إستارًا، والإستارُ أربعةُ مثاقيل، ونصفُ مثقال، فالمَنُّ مئةٌ وثمانون مثقالًا (^٣).
(ومَنَوَان بُرًَّا جازَ خلافًا لمحمَّد - ﵁ -)، فإنَّ عنده لا بُدَّ أن يُقَدَّرَ بالكيل (^٤).
(وأداءُ البُرِّ في موضعٍ يشترى به (^٥) الأشياءَ أحبّ، وعند أبي يوسف - ﵁ - أداءُ الدَّراهم أحبّ (^٦).
وتجبُ على حرٍّ مسلمٍ له نصابُ الزَّكاة وإن لم يَنْمُ) قد ذَكَرْنا (^٧) في أوَّل كتاب الزَّكاة أنَّ النَّماء بالحولِ مع الثَّمنية، أو السَّوم، أو نيِّةِ التِّجارة.
فمَن كان له نصابُ الزَّكاة: أي نصابٌ فاضلٌ من حاجتِهِ الأصليِّة، فإن كان من أحدِ الثَّمنين، أو السَّوائم، أو مالِ التِّجارة تجبُ عليه الصَّدقة، وإن لم يَحُلْ عليه الحول، وإن كان من غيرِ هذه الأموال، كدارٍ لا يكونُ للسُّكنى ولا للتَّجارة، وقيمتُها تبلغ
_________________
(١) الخلاف لفظيٌّ إذ أن الرطل الحجازي ثلاثون إستارًا، والبغدادي عشرون إستارًا، فالصاع البغدادي ثمانية أرطال يعدل خمسة أرطال وثلثًا بالمدني. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٥٤٩)، و«غنية ذوي الأحكام» (١: ١٩٥).
(٢) المَنّ: بالفتح والتشديد معيار: كان يكال به أو يوزن، وقدره إذ ذاك رطلان بغداديان، وهو ما يساوي: ٨.١٥٣٩ كيلو غرام. ينظر: «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٦: ٣٠٦)، و«معجم لغة الفقهاء» (ص ٤٦٠).
(٣) وبعملية حسابية: ٤٠ إستار وهي ما تساوي مَنّ واحد×٤.٥ مثقال وهو ما يساوي إستار = ١٨٠ مثقال وهو تساوي مَنًَّا واحدًا.
(٤) أي يجوز إعطاء نصف صاع وزنًا؛ لأن الصاع مقدر بالوزن، وهذه رواية أبي يوسف عن الإمام، روى ابن رستم عن محمد أنه يعتبر بالكيل؛ لأن الآثار جاءت بالصاع، وهو اسم للكيل والدراهم أولى من الدقيق. ينظر: «تبيين الحقائق» (١: ٣١٠)، و«مجمع الأنهر» (١: ٢٨٩).
(٥) أي البُرُّ.
(٦) قال الحصكفي في «الدر المنتقى» (١: ٢٢٩): وعليه الفتوى حالة السعة، أما في الشدة فدفع العين أفضل فلا خلاف حينئذ في الحقيقة.
(٧) ص ٢٠٠).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وبه تحرمُ الصَّدقة لنفسِهِ وطفلِه فقيرًا، وخادمِه ملكًا، ولو مُدَبَّرًا، أو أمَّ ولد، أو كافرًا، لا لزوجتِه وولدِه الكبير، وطفلِه الغنيّ، بل من مالِه، ومكاتبِه، وعبدِه للتِّجارة، وعبدٍ له آبق إلاَّ بعد عودِه، ولا لعبد أو عبيدٍ بين اثنينِ على أحدِهما، ولو بيعَ بخيارِ أحدِهما فعلى مَن يصيرُ له بطلوعِ فجرِ الفطر. فتجب لمَن أسلم، أو وُلِدَ قبلَه
النِّصاب تجبُ بها صدقةُ الفطرِ مع أنه لا تجبُ بها الزَّكاة، (وبه تحرمُ الصَّدقة): فهذا النِّصابُ نصابُ حرمانِ الزَّكاة، ولا يشترطُ فيه النَّماء بخلافِ نصابِ وجوبِ الزَّكاة.
(لنفسِهِ (^١) وطفلِه فقيرًا، وخادمِه ملكًا، ولو مُدَبَّرًا (^٢)، أو أمَّ ولد (^٣)، أو كافرًا، لا لزوجتِه (^٤) وولدِه الكبير، وطفلِه الغنيّ، بل من مالِه، ومكاتبِه، وعبدِه للتِّجارة، وعبدٍ له آبق (^٥) إلاَّ بعد عودِه، ولا لعبد أو عبيدٍ بين اثنينِ على أحدِهما) هذا عند أبي حنيفة - ﵁ -، أمَّا عندهما فتجب عليهما.
(ولو بيعَ (^٦) بخيارِ أحدِهما فعلى مَن يصيرُ له بطلوعِ فجرِ الفطر.
فتجب لمَن أسلم، أو وُلِدَ قبلَه): أي قبلَ الطُّلوع، وهذا عندنا، وأمَّا عند الشَّافِعِيِّ (^٧) - ﵁ - فتجب بغروبِ الشَّمس، فمَن أسلم في اللَّيلة، أو وُلِدَ فيها لا تجب عليه عنده.
_________________
(١) أي تجب صدقة الفطر لنفسه وطفله …
(٢) مُدَبَّرًا: وهو العبد الذي أُعتِقَ عن دُبُر، أي بعد الموت، بأن قال له مولاه: إن مت فأنت حر، ودُبُرُ الشيءِ مؤخَّره. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٥٣، ١١٥).
(٣) أمّ ولد: هي الأمة التي وطئها سيدها، فولدت له ولدًا وادَّعى نسبه، فلا يجوز بيعها، وتكون حرَّة بعد وفاته. ينظر: «شرح حدود ابن عرفة» (ص ٥٢٨ - ٥٢٩).
(٤) أي لا تجب عليه صدقة فطر زوجته؛ لقصور المؤونة والولاية إذ لا يلي عليها في غير حقوق الزوجية، ولا يجب عليه أن يمونها في غير الرواتب كالمداواة. ينظر: «رد المحتار» (٢: ٧٥).
(٥) أَبَقَ العبدُ: إذا هربَ من سيِّدِهِ من غيرِ خوفٍ ولا كَدِّ عَمَلٍ هكذا قَيَّدَهُ فِي «الْعَيْن»، وقال الأَزْهَرِيُّ: الأَبْقُ هُرُوبُ العبدِ من سَيِّدِهِ والإباقُ بالكسرِ اسمٌ منه، فهو آبِقٌ والجمعُ أُبَّاقٌ. ينظر: «المصباح المنير» (ص ٧)، «المغرب» (ص ١٨).
(٦) أي لو بيع عبد بشرط الخيار للبائع أو المشتري، فإن جاء الفطر والخيار باق توقف الوجوب؛ لأن الملك موقوف، ثم تجب على مَن يستقر له ملكه. ينظر: «درر الحكام» (١: ١٩٤).
(٧) ينظر: «نهاية المحتاج» (٣: ١١٢)، و«مغني المحتاج» (١: ٤٠٢)، و«حاشيتا قليوبي وعميره» (٢: ٤٢)، وغيرها.
[ ٢ / ٢٣١ ]
لا لمَن مات في ليلتِه، أو أسلم، أو وُلِدَ بعدَه، ولو قُدِّمَت جازَ بلا فَصْلٍ بين مدَّةٍ ومدَّة، ونُدِبَ تعجيلُها، ولو أُخِّرَت لا تسقط.
(لا (^١) لمَن مات في ليلتِه)، خلافًا للشَّافِعِيِّ (^٢) فإنَّه تَجِبُ عليه لأنَّه أدراك وقتِ الغروب، (أو أسلم، أو وُلِدَ بعدَه): أي بعد طلوعِ الفجر، فإنَّه لا تَجِبُ عليهما إجماعًا، أمَّا عندنا؛ فلأنَّه لم يُدْرِك وقتَ الطُّلوع، وأمَّا عنده؛ فلأنَّه لم يدركْ وقتَ الغروب.
(ولو قُدِّمَت جازَ بلا فَصْلٍ بين مدَّةٍ ومدَّة (^٣)، ونُدِبَ تعجيلُها، ولو أُخِّرَت (^٤) لا تسقط. (والله أعلم) (^٥».
* * *
_________________
(١) أي لا تجب صدقة الفطر لمن مات …
(٢) ينظر: «المنهاج» (١: ٤٠٢)، و«فتوحات الوهاب» (٢: ٢٧٤)، وغيرهما.
(٣) في «التبيين» (١: ٣١١): ولا تفصيل فيه بين مدة ومدة في الصحيح، وفي «الدر المختار» (١: ٧٨): وعامة المتون والشروح على صحة التقديم مطلقًا، وهو المذهب. لكن صحح صاحب «التنوير» (١: ٧٨) التقديم بشرط دخول رمضان، وفي «الجوهر النيرة» (١: ١٣٥): هو الصحيح، وعليه الفتوى.
(٤) أي أخرت عن يومه لا تسقط وإن طالت المدّة. ينظر: «شرح ملا مسكين» (ص ٦٧).
(٥) زيادة من ج.
[ ٢ / ٢٣٢ ]