شُرِطَ لوجوبِها لا لأدائِها: الإقامةُ بمصر، والصِّحَّة، والحُريَّة، والذُّكورة، والعقلُ والبلوغ، وسلامةُ العين، والرِّجل. فتقعُ فرضًا إن صلاَّها فاقدُها وإن لم تجبْ عليه. وشُرِطَ لأدائِها: المصرُ، أو فِناؤُه
باب صلاة (^١) الجمعة
(شُرِطَ لوجوبِها لا لأدائِها: الإقامةُ (^٢)
بمصر، والصِّحَّة، والحُريَّة، والذُّكورة، والعقلُ والبلوغ، وسلامةُ العين، والرِّجل. فتقعُ (^٣) فرضًا إن صلاَّها فاقدُها (^٤) وإن لم تجبْ عليه)، قولُه: فتقع؛ تفريعٌ لقولِهِ: لا لأدائِها.
(وشُرِطَ لأدائِها: المصرُ، أو فِناؤُه (^٥»: اختلفوا في تفسيرِ المصر:
فعند البعض (^٦): هو موضعٌ له أمير وقاضٍ ينفِّذُ الأحكام، ويقيمُ الحدود.
_________________
(١) زيادة من ب وس.
(٢) اختلفوا في المنفصل عن المصر على أقوال: الأول: إن كان يسمعُ النِّداءَ تجبُ عليه الجمعةُ عند محمَّدٍ - ﵁ -، في «الملتقى» (ص ٢٤): وبه يفتى. الثاني: إن مَن كان بينه وبين المصرِ فرسخٌ تجبُ عليه الجمعة، وفي «الذَّخيرة» و«التَّاتارخانيَّة»: وهو المختارُ وعليه الفتوى. الثالث: إن كان داخلَ حدِّ الإقامة تجب عليه الجمعة، أي الذي مَن فارقه يصيرُ مسافرًا، وإذا وصل إليه يصيرُ مقيمًا، وهو قول أبي يوسفَ - ﵁ -، وقال في «معراجِ الدِّراية»: إنَّه أصحّ ما قيلَ فيه، وصحَّحه صاحب «مواهبِ الرَّحمن» (ق ٤١/أ)، واختاره ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٥٤٧)، وقال: هو ظاهر المتون. الرابع: إن كان عوده إلى بيته بلا كلفة تجب عليه، استحسنه صاحب «البدائع» (١: ٢٦٠)، ورجحه صاحب «البحر» (٢: ١٥٢).
(٣) في ت وم: يقع.
(٤) أي فاقد الشروط المذكورة آنفًا.
(٥) فِناؤه: أي ما امتدّ من جوانبه. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٥١٣)، و«اللسان» (٥: ٣٥٧٧).
(٦) منه: الكَرْخِيّ، وهو ظاهرُ المذهب، واختاره صاحب «الهداية» (١: ٨٢)، و«الملتقى» (ص ٢٤)، و«الكنْز» (ص ٢١)، وصحَّحَهُ شارحُ «المنية» (ص ٥٥٠)، وغيره.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وما لا يسعُ أكبرُ مساجدِهِ أهلَهُ مصر، وجازت بمِنَىً في الموسمِ للخليفة، أو لأمير الحِجاز، لا لأميرِ الموسم، ولا بعرفاتٍ. والسُّلطانُ، أو نائبُهُ، ووقتُ الظُّهر، والخُطبةُ نحو تسبيحةٍ قبلَها في وقتِها
وعند البعض (^١): هو موضعٌ إذا اجتمعَ أهلُهُ في أكبرِ مساجدِه لم يسعهم، فاختارَ المصنِّفُ هذا القول، فقال: (وما لا يسعُ أكبرُ مساجدِهِ أهلَهُ مصر).
وإنِّما اختارَ هذا دون التَّفسيرِ الأَوَّل؛ لظهورِ التَّواني في أحكامِ الشَّرع لاسيما إقامةُ الحدودِ في الأمصار.
(وما اتَّصلَ به مُعدًَّا لمصالحِهِ فناؤُه)، مصالحُ المصر: كركضِ الخيل، وجمعِ العساكر، والخروجِ للرَّمي، ودفنِ الموتى، وصلاةِ الجنازة، ونحو ذلك.
(وجازت بمِنَىً (^٢) في الموسمِ (^٣) للخليفة، أو لأمير الحِجاز، لا لأميرِ الموسم (^٤)، ولا بعرفاتٍ (^٥).
والسُّلطانُ، أو نائبُهُ، ووقتُ الظُّهر، والخُطبةُ نحو تسبيحةٍ قبلَها في وقتِها (^٦»، هذا عند أبي حنيفة - ﵁ -.
وأمَّا عندهما: فلا بُدَّ من ذِكْرٍ طويلٍ يُسمَّى خُطبة.
_________________
(١) منهم: الثَّلجيّ، وعليه فتوى أكثرُ الفقهاء، ينظر: «المجتبى» وفي «الولوالجية»: هو الصحيح. ينظر: «الدر المختار» (١: ٥٣٧). «الفتاوى المهدية» (١: ٦).
(٢) مِنَى: هو موضع معروف قرب مكة المشرفة يقيم فيه الحجاج يوم التروية …، وسمِّيَ مِنَى لما يمنى به من الدماء أي يراق. ينظر: «المصباح المنير» (٢: ٨٩٩).
(٣) أي موسم الحج: وسمِّيَ موسِم الحجّ موسمًا؛ لأنه مَعْلمٌ يجتمع إليه الناس. ينظر: في «معجم مقاييس اللغة» (٦: ١١٠)، و«القاموس» (٤: ١٨٨).
(٤) أمير الموسم: المسمَّى بأمير الحج وإن كان مقيمًا؛ لأنه غير مأمور بإقامة الجمعة إلا إذا كان مأذونًا من جهة من له الأذن، وقيل: إن كان مقيمًا تجوز، وإن كان مسافرًا لا تجوز، والأول هو الصحيح. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ١٦٨).
(٥) عرفات: اسم موضع يقع فى اثني عشر ميلًا من مكة يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة، سمي بذلك لتعرف العباد إلى الله تعالى بالعبادات والأدعية، وقيل: لوقوع المعرفة فيها بين آدم وحواء. ينظر: «معجم مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ص ٣٤٣).
(٦) أي قبل صلاة الجمعة في وقت الظهر. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٤٦/ب).
[ ٢ / ١٨٠ ]
والجماعةُ، وهم ثلاثةُ رجالٍ سوى الإمام، فإنّ نفروا قبل سجودِه بدأَ بالظُّهر، وإن بقي ثلاثةُ رجال، أو نفروا بعد سجودِهِ أتمَّها، والإذنُ العام. ومَن صَلَحَ إمامًا في غيرِها صَلَحَ فيها، وكُرِه ظُهْرُ معذور أو مسجونٍ بجماعةٍ في مصرٍ يَوْمَها
وعند الشَّافِعِيّ (^١) - ﵁ -: لا بُدَّ من خُطبتينِ يشتملُ كلُّ واحد (^٢) منهما على الصَّلاة، والتَّحميد، والوصيةِ بالتَّقوى، والأولى على القراءة، والثَّانية على الدُّعاءِ للمؤمنين.
(والجماعةُ، وهم ثلاثةُ رجالٍ سوى الإمام): (عندهما، وعند أبي يوسف - ﵁ - اثنان سوى الإمام) (^٣)، (فإنّ نفروا (^٤) قبل سجودِه بدأَ بالظُّهر، وإن بقي ثلاثةُ رجال (^٥)، أو نفروا بعد سجودِهِ أتمَّها، والإذنُ العام (^٦).
ومَن صَلَحَ إمامًا في غيرِها صَلَحَ فيها): أي إنَّ أمَّ المسافر، أو المريض، أو العبدُ في الجُمعة صحَّت خلافًا لزُفَر - ﵁ -، (له: أنَّها) (^٧) ليست بواجبةٍ عليهم، قلنا: إذا حضروا وأَدَّوْا صلاةَ الجُمعة صارت فرضًا عليهم.
(وكُرِه ظُهْرُ معذور أو مسجونٍ بجماعةٍ في مصرٍ يَوْمَها)؛ لأنَّ الجُمعةَ جامعةٌ للجماعات، فلا يجوزُ إلاَّ جماعةٌ واحدة؛ ولهذا لا تجوزُ الجُمعة عند أبي يوسفَ - ﵁ - بموضعين إلاَّ إذا كان مصرٌ له جانبان، فيصيرُ في حُكْمِ مصرين كبغداد، فيجوزُ حينئذٍ في
_________________
(١) في «المنهاج» (١: ٢٨٥ - ٢٨٦): خطبتان قبل الصلاة، وأركانها: خمسة: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، ولفظهما متعين، والوصية بالتقوى، ولا يتعين لفظها على الصحيح، وهذه الثلاثة أركان في الخطبتين، والرابع: قراءة آية في إحداهما، وقيل: في الأولى، وقيل: فيهما، وقيل: لا تجب، والخامس: ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين في الثانية، وقيل: لا يجب، ويشترط كونها عربية مرتبة الأركان الثلاثة الأولى. وينظر: «المنهج القويم» (١: ٣٧٤)، و«المهذب» (١: ١١١)، و«المقدمة الحضرمية» (١: ١٠٤)، و«منهج الطلاب» (١: ١٩)، وغيره.
(٢) زيادة من أ وب وس.
(٣) زيادة من أ.
(٤) نفروا: أي تفرقوا وتركوا الاشتراك في الصلاة. ينظر: «اللسان» (٦: ٤٤٩٧).
(٥) زيادة من أ وت.
(٦) أي أن يأذن للناس إذنًا عامًا بأن لا يمنع أحدًا ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه، وهذا الشرط لم يذكر في ظاهر الرواية، ولذا لم يذكره في «الهداية»، ولكنه ذكر في «الكنْز» (ص ٢١)، و«الملتقى» (ص ٢٤)، وغيرها. ينظر: «رد المحتار» (١: ٥٤٦).
(٧) في أ وب وس: لانها.
[ ٢ / ١٨١ ]
وظُهْرُ مَن لا عُذْرَ له فيه قبلها، ثُمَّ سعيه إليها، والإمامُ فيها يبطلُهُ أدركَها أو لا، ومدركُها في التَّشهُّد، أو في سجودِ السَّهو يتمُّها. وإذا أُذِّنَ الأَوَّلُ تركوا البيع، وَسَعَوْا. وإذا خرجَ الإمام حَرُمَ الصَّلاةُ والكلامُ حتَّى يتمَّ خُطبتَه. وإذا جَلَسَ على المنبرِ أُذِّنَ ثانيًا بين يديه واستقبلوهُ مستمعين، ويخطبُ خُطبتَيْنِ بينهما قعدةٌ قائمًا طاهرًا، وإذا تمَّت الخُطبة أُقيم وصلَّى الإمامُ بالنَّاس ركعتين
موضعين دون الثَّلاثة.
وعند محمَّد - ﵁ -: لا بأس بأن يصلِّي في موضعين، أو ثلاثة سواءٌ كان للمصرِ جانبان، أو لم يكن، (وبه يفتى) (^١).
ولمَّا ذَكَرَ حُكْمَ المعذور، عُلِمَ منه كراهةَ ظُهْرِ غيرِ المعذورِ (^٢) بالطَّريق الأولى.
(وظُهْرُ مَن لا عُذْرَ له فيه قبلها)، قولُهُ: فيه، أي في المصر، (ثُمَّ سعيه إليها، والإمامُ فيها يبطلُهُ أدركَها أو لا)، هذا عند أبي حنيفة - ﵁ -، وأمَّا عندهما فلا يبطلُ ظهرُهُ إلاَّ أن يقتدي.
(ومدركُها في التَّشهُّد، أو في سجودِ السَّهو يتمُّها (^٣).
وإذا أُذِّنَ الأَوَّلُ تركوا البيع، وَسَعَوْا.
وإذا خرجَ (^٤) الإمام حَرُمَ الصَّلاةُ والكلامُ حتَّى يتمَّ خُطبتَه.
وإذا جَلَسَ على المنبرِ أُذِّنَ ثانيًا بين يديه واستقبلوهُ مستمعين، ويخطبُ خُطبتَيْنِ بينهما قعدةٌ قائمًا طاهرًا، وإذا تمَّت الخُطبة (^٥) أُقيم وصلَّى الإمامُ بالنَّاس ركعتين).
_________________
(١) زيادة من أ وب وس.
(٢) أي في غير الجماعة. فصلاته وإن صحت، إلا أنه ارتكب محرمًا بترك الفرض القطعي. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ١٧٠)، و«فتح باب العناية» (١: ٤٠٩).
(٣) أي من أدرك صلاة الجمعة في التشهد أو سجود السهو يتمها جمعة لا ظهرًا خلافًا لمحمد. ينظر: «الدر المختار» (١: ٥٥٠).
(٤) أي صعد على المنبر. ينظر: «التبيين» (١: ٢٢٣)، و«رمز الحقائق» (١: ٧٢).
(٥) زيادة من ق.
[ ٢ / ١٨٢ ]