فُرِضَ التَّرتيبُ بين الفروضِ الخمسةِ والوترِ فائتًا كلُّها، أو بعضُها فلم يجزْ فجرُ مَن ذَكَرَ أنَّه لم يوترْ، ويُعيدُ العشاء والسُنَّةَ لا الوترَ مَن عَلِمَ أنَّه صلَّى العشاء بلا وضوء والأخريينِ به إلاَّ إذا ضاقَ الوقت
باب قضاء الفوائت
(فُرِضَ التَّرتيبُ بين الفروضِ الخمسةِ والوترِ فائتًا كلُّها، أو بعضُها): أي إن كان الكلُّ فائتًا لا بدَّ من رعايةِ التَّرتيبِ بين الفروضِ الخمسة، وكذا بينَها وبين الوتر، وكذا إن كان البعضُ فائتًا، والبعضُ وقتيًَّا لا بُدَّ من رعايةِ التَّرتيب، فيَقْضي الفائتةَ قبل أداءِ الوقتيَّة، (فلم يجزْ (^١) فجرُ مَن ذَكَرَ أنَّه لم يوترْ)، هذا تفريعٌ لقوله: والوتر، وهذا عند أبي حنيفة - ﵁ - خلافًا لهما بناءً على وجوبِ الوترِ عنده.
(ويُعيدُ العشاء والسُنَّةَ لا الوترَ مَن عَلِمَ أنَّه صلَّى العشاء بلا وضوء والأخريينِ به)، يعني تذكَّرَ أنَّه صلَّى العشاءَ بلا وضوء، والسُنَّةُ والوترُ بوضوء، يعيدُ العشاءَ والسُنَّة؛ لأنَّه لم يصحَّ أداءُ السُنَّةِ مع أنَّها أُدِّيت بالوضوء؛ لأنَّها تبعٌ للفرض، أمَّا الوترُ فصلاةٌ مستقلَّةٌ عنده، فصحَّ أداؤُه؛ لأنَّ التَّرتيبَ وإن كان فرضًا بينَه وبين العشاء، لكنَّه أدَّى الوترَ بزعمِ أنَّه صلَّى العشاء بالوضوء، فكان ناسيًا أن العشاءَ كان في ذمَّتِه، فسقطَ التَّرتيب، وعندهما يقضي الوترَ أيضًا؛ لأنَّه سُنَّةٌ عندهما.
(إلاَّ إذا ضاقَ الوقت)، الاستثناءُ (^٢) متصلٌ بقولهِ: فرضُ التَّرتيب، والمعنى أنَّه ضاقَ الوقتُ عن القضاءِ والأداء، وإن كان الباقي من الوقتِ بحيث يسعُ فيه بعضِ الفوائتِ مع الوقتيَّة، فإنَّه يقضى ما يسعُهُ الوقتُ مع الوقتيَّة، كما إذا فاتَ العشاءُ والوتر، ولم يبقَ من
_________________
(١) هذا تفريع على كون الترتيب فرضًا بحيث يفوت الجواز بفوته، أي صلى صلاة الفجر ذاكرًا أنه لم يؤد الوتر لم يجز فجره، فيقضي الوتر أولًا، ثم يصلي الفجر عند أبي حنيفة - ﵁ -؛ لأن الوتر عنده واجب، وهو في حكم الفرض عملًا، فيكون الترتيب بينه وبين غيره من الفرائض فرضًا كالترتيب بين الفرائض الخمس. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٢١٦).
(٢) وهو استثناء من لزوم الترتيب، فلا يلزم الترتيب إذا ضاق الوقت. كذا في «الدر المختار» (١: ٤٨٨).
[ ٢ / ١٦٠ ]
أو نُسِيت، أو فاتت ستَّةٌ حديثةً كانت أو قديمةً قلَّتْ بعد الكثرة أو لا، فيصحُّ وقتيُّ مَن تركَ صلاةَ شهرٍ فَنَدِم، وأخذَ يؤدِّي الوقتيَّات، ثُمَّ تركَ
وقتِ الفجر إلاَّ أن يسعَ خمسَ ركعات يقضي الوتر، ويؤدِّي الفجر (^١) عند أبي حنيفة - ﵁ -، وإن فات الظُّهرُ والعصر، ولم يبقَ من وقتِ المغربِ إلاَّ ما يسع سبعَ ركعاتٍ يُصَلِّي الظُّهرَ والمغرب.
(أو نُسِيت، أو فاتت ستَّةٌ حديثةً كانت أو قديمةً (^٢»، قيل: السِتَّةُ وما دونَها حديثة، وما فوقَها كثيرةٌ (^٣) كذا في (فوائد) «الجامع الصَّغير الحُسَاميّ» (^٤)، (قلَّتْ (^٥) بعد الكثرة أو لا، فيصحُّ وقتيُّ مَن تركَ صلاةَ شهرٍ فَنَدِم، وأخذَ يؤدِّي الوقتيَّات، ثُمَّ تركَ
_________________
(١) ظاهر الكلام أنه لا تجوز صلاة الفجر ما لم يصل الوتر، وصرح في المجتبى بان الأصح جواز الوقتية. ينظر: «رد المحتار» (١: ٤٤٨).
(٢) أي سواء كانت الفوائت في الزمان القريب المتصل بأداء الوقتية، أو في الزمان البعيد، فحاصل كلام المصنف أن الفوائت إذا صارت ستًا سقط الترتيب مطلقًا سواء كانت كلها قديمة، أو كلها حديثة، أو بعضها قديمة، وبعضها حديثة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٢١٨).
(٣) أي تكون قديمة، وكلام الشارح محتمل لترجيح ما ذهب إليه المصنف، أو ترجيح هذه الرواية، وفي «النقاية» (ص ٣١) قال: ستًا. ولم يزد عليها.
(٤) أي «شرح الجامع الصغير» (ق ٤٣) لحسام الدين، وهو عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالصدر الشهيد أبي محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، ومن مؤلفاته: «الفتاوى الصُّغرى»، و«الفتاوى الكبرى»، و«شرح أدب الخَصَّاف»، و«الواقعات»، و«المنتقى»، و«عمدة المفتي والمستفتي»، قال الإمام اللكنوي: قد طالعت «شرحه للجامع الصغير»، وهو شرح مختصر مفيد، (٤٨٣ - ٥٣٦ هـ). ينظر: «الجواهر» (٢: ٦٤٩ - ٦٥٠)، «الفوائد» (ص ٢٤٢)، «النجوم الزاهرة» (٥: ٢٦٨ - ٢٦٩)، «إيضاح المكنون» (٤: ١٢٤)، «الأعلام» (٥: ٢١٠). … وأما قول الشارح «الجامع الصغير الحسامي» فهو على سبيل الاختصار، إذا «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ)، وقد شرحه كبار علماء الحنفية، فصار معلومًا عند إطلاق مصنفي الفقه الحنفي «الجامع الصغير» لقاضي خان مثلًا، أن المقصود هو شرحه.
(٥) أي كثرة الفوائت تسقط الترتيب مطلقًا سواء صارت قليلة بعد الكثرة أو لم تكن كذلك. ينظر: «العمدة» (١: ٢١٨).
[ ٢ / ١٦١ ]
فرضًا، أو قضى صلاةَ الشَّهْرِ إلاَّ فرضًا أو فرضيْن، صلَّى خمسًا ذاكرًا فائتةً فسدَ الخمسُ موقوفًا إن أدَّى سادسًا صحَّ الكُلّ، وإن قضى الفائتةَ بطلَ فرضيةُ الخمسِ لا أصلُها
فرضًا)، هذا تفريعُ قولِه: قديمة كانت أو حديثة، فإنَّه إذا أخذَ يؤدِّي الوقتيَّات صارت فوائتُ الشَّهرِ قديمة، وهي مسقطةٌ للتَّرتيب، فإذا تركَ فرضًا يجوزُ مع ذِكْرِهِ أداء وقتيٍّ بعده.
(أو قضى صلاةَ الشَّهْرِ إلاَّ فرضًا أو فرضيْن)، هذا تفريعُ قولِه: قلَّتْ بعد الكثرة أو لا، فإنَّه لمَّا قضى صلاةَ الشَّهرِ إلاَّ فرضًا أو فرضَيْن قَلَّت الفَوائتُ بعد الكثرة، فلا يعودُ التَّرتيبُ الأَوَّل إلاَّ أن يقضيَ الكُلّ، وعند بعضِ المشايخ إن قلَّتْ بعد الكثرةِ يعودُ التَّرتيب (^١)، واختارَ الإمامُ السَّرَخْسِيّ الأَوَّل، قال صاحبُ «المحيط» (^٢): وعليه الفتوى (^٣).
(صلَّى خمسًا ذاكرًا فائتةً فسدَ الخمسُ موقوفًا إن أدَّى سادسًا صحَّ الكُلّ، وإن قضى الفائتةَ بطلَ فرضيةُ الخمسِ لا أصلُها)، رجلٌ فاتَتْهُ صلاةٌ فأدَّى مع ذكرِها خمسًا بعدَها، فسدَتْ هذه الخمسُ لوجوبِ التَّرتيب، لكنَّ عند أبي يوسف ومحمِّدٍ - ﵃ - فسادًا غيرَ موقوف، وهو القياس (^٤)، وعند أبي حنيفةَ - ﵁ - فسادًا موقوفًا إن أدَّى سادسًا صحَّ الكلّ، وإن قضى الفائتة فالخمسُ التي أدَّاها بطلُ وصفُ فرضيّتِها، فإنَّه لا يلزمُ من بطلانِ الفرضيةِ بطلانُ الصَّلاةِ عند أبي حنيفة وأبي يوسفَ - ﵃ - خلافًا لمحمَّد (^٥) - ﵁ -.
_________________
(١) وهو قول أبي جعفر الهندواني، واستظهر هذا القول صاحب «الهداية» (١: ٧٣). ينظر: «الكفاية» (١: ٤٣٠).
(٢) المحيط البرهاني» (ص ٢٧٧).
(٣) واختاره صاحب «الكنْز» (ص ١٨)، و«التنوير» (١: ٤٩٠)، و«الملتقى» (ص ٢١)، و«المراقي» (ص ٤٣٨)، و«المختار» (١: ٨٧)، قال صاحب «الدر المختار» (١: ٤٩٠): هو المعتمد، وقال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٤٩٠): هو أصح الروايتين.
(٤) لأن مسقط الترتيب إنما هو الكثرة قبل أداء صلاة لا الكثرة الحاصلة بعدها، فإذا صلى صلاة مع تذكر فائتة فسدت في الحال فسادًا باتًا؛ لعدم تحقق كثرة الفوائت المسقطة للترتيب من دون أن تحدث الكثرة بعدها أم لا. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٢١٩).
(٥) لأن التحريمة عقدت للفرض، فإذا بطلت الفرضية بطلت التحريمة أصلًا، ولهما: أنها عقدت لأصل الصلاة بوصف الفرضية، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل. ينظر: «الهداية» (١: ٧٣).
[ ٢ / ١٦٢ ]