الوقتُ للفجرِ من الصُّبْح المُعْتَرضِ إلى طُلُوعِ ذُكاء، وللظُّهْرِ من زوالِها إلى بلوغِ ظلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه سوى فَيءِ الزَّوال
كتاب الصلاة
[فصل في أوقات الصلاة]
(الوقتُ للفجرِ من الصُّبْح المُعْتَرضِ (^١) إلى طُلُوعِ ذُكاء) (^٢)، احترزَ بالمعترضِ عن المستطيل، وهو الصُّبْحُ الكاذب (^٣).
(وللظُّهْرِ من زوالِها إلى بلوغِ ظلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه سوى فَيءِ الزَّوال (^٤» لا بُدَّ ها هنا من معرفةِ وقتِ الزَّوال، وفيء الزَّوال، وطريقُهُ أن تسوي الأرضَ بحيث لا يكون بعضُ جوانبِها مُرْتفِعًا وبعضُها منخفضًا: إمِّا بصبِّ الماء، أو بنصبِ موازينِ المقنّنين (^٥)،
_________________
(١) أي المنتشر في الأفق يمنة ويسرى، وهو الصبح الثاني، ويسمَّى بالصبح الصادق؛ لأنه أصدق ظهورًا من المستطيل، ويسمى الصبح الأول؛ لأنه أول نور يظهر كذَنَب السِرْحان؛ لدقته واستطالته، ولأن الضوء في أعلاه دون أسفله، وبالصبح الكاذب؛ لأنه يعقبه ظلمة. ينظر: «حاشية الطحطاوي على الدر المختار» (١: ١٧٣).
(٢) ذُكاء: بالضم غير مصروف، اسم للشمس غير معرفة لا تدخلها الألف واللام، تقول: هذه ذكاء طالعة. ينظر: «الصحاح» (١: ٤٤٢).
(٣) لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «لا يغرنَّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير - أي ينتشر وينبسط - هكذا»، وحكاه حماد: بيديه، قال: يعني معترضا. في «صحيح مسلم» (٢: ٧٧٠) واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (٣: ٢١٠)، و«جامع الترمذي» (٣: ٨٦).
(٤) فيء الزوال هو الظلّ الذي يكون للأشياء وقت زوال الشمس. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ١٧٧).
(٥) وهم الذين يحفرون القناة، وموازينهم آلاتهم يعرفون بها تسوية الأرض وعدمها، فمنها الشاقول. ينظر: «ذخيرة العقبى» (١: ١٤٤).
[ ٢ / ١٠٣ ]
وترسمُ عليها دائرة، وتسمَّى بالدَّائرةِ الهنديَّة (^١)، ويُنْصَبُ في مركزِها مِقياسٌ قائمٌ بأن يكون بُعْدُ رأسِهِ عن ثلاثِ نُقَطِ من محيطِ الدَّائرةِ متساويًا (^٢)، ولتكن قامتُهُ بمقدارِ رُبْعِ قطر الدَّائرة (^٣).
فرأسُ ظلِّه في أوائلِ النَّهار خارجٌ عن الدَّائرة، لكنَّ الظِّلَّ ينقصُ إلى أن يدخلَ في الدَّائرة، فتضعَ علامةً على مدخلِ الظِّلِ من محيطِ الدَّائرة، ولا شَكَّ أن الظِّلَّ ينقصُ إلى حدٍّ ما، ثُمَّ يزيدُ إلى أن ينتهي إلى محيطِ الدَّائرة، ثُمَّ يخرجُ منها، وذلك بعد نصفِ النَّهار، فتضعُ علامةً على مخرجِ الظِّلّ، فَتُنَصِّفُ القوسَ التي ما بين مدخلِ الظِّلِّ ومخرجِه، وترسمُ خطًا مستقيمًا من منتصفِ القوسِ إلى مركزِ الدَّائرة، مُخْرَجًا إلى الطَّرف الآخرِ من المحيط، فهذا الخط، هو خطُّ نصفِ النَّهار، فإذا كان ظلُّ المقياسِ على هذا الخطّ، فهو نِصْفُ النَّهار، والظِّلُّ الذي في هذا الوقت هو فَيءُ الزَّوال، فإذا زالَ الظِّلُّ من هذا الخطّ، فهو وقتُ الزَّوال، وذلك أوَّل وقتِ الظُّهر.
وآخرُهُ إذا صارَ ظِلُّ المِقياس مثليّ المِقياس سوى فَيءِ الزَّوال مثلًا، إذا كان فَيءُ الزَّوال مقدارُ ربعِ المقياس، فآخرُ وقتِ الظُّهر أن يصيرَ ظلُّه مثليّ المِقياس وربعَه (^٤)، هذا في
_________________
(١) لأن أول مَن استخرج هذه الدائرة وبنى الأحكام عليها حكماء الهند؛ لذا سميت بالدائرة الهندية. ينظر: «العمدة» (١: ١٤٥).
(٢) وذلك لتأكد من أن المقياس قائمٌ، فإنه إذا كان بعده عن ثلاث نقط من نقط المحيط التي في ثلاث جوانب الدائرة متساويًا، كان البعد متساويًا من جميع الجهات، فيعلم انه قائم على الاستقامة دون ميلان. كذا في «ذخيرة العقبى» (ص ٧١).
(٣) إنما اشترط هذا مع أن الواجب أن يكون بمقدار يكون ظله أقصر من نصف قطر الدائرة لتمييز دخوله وخروجه؛ لأن وجود الفيء في أكثر الأقاليم لا يتصور إلا فيه. ينظر: «العمدة» (١: ١٤٥).
(٤) وهناك طرق أخرى يمكن بها معرفة ذلك، ففي «المحيط البرهاني» (ص ٦٥ - ٦٦) عن أبي حنيفة - ﵁ -: أنه ينظر إلى القرص، فما دام في كبد السماء، فإنها لم تزل، فإذا انحطت يسيرًا فقد زالت. وعن محمد - ﵁ -: أن يقوم الرجل مستقبل القبلة، فإذا مالت الشمس عن يساره، فهو الزوال. وقيل: أن يغرز خشبة مستوية في أرض مستوية قبل زوال الشمس، ويخط في مبلغ ظلها علامة، فإن كان الظل يقصر عن العلامة، فاعلم أن الشمس لم تزل؛ لأن ظل الأشياء يقصر إلى زوال الشمس، وإن كان الظل يطول وتجاوز الخط فاعلم بأن الشمس قد زالت، وإن امتنع الظل عن القصر ولم يأخذ في الطول، فهذا هو وقت الزوال، وهو الظل الأصلي. انتهى. قال الشيخ وهبي سليمان غاوجي في «التعليق الميسر على ملتقى الأبحر» (١: ٥٥): قول محمد - ﵁ - يصح إذا كانت القبلة إلى جهة الجنوب ينظر: المدينة المنورة وبلاد الشام، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وللعصر منه إلى غيبتِها، وللمغربِ منه إلى مغيبِ الشَّفَق، وهو الحمرةُ عندهما، وبه يُفْتَى
رواية عن أبي حنيفة (^١) - ﵁ -.
وفي روايةٍ أخرى عنه (^٢)، وهو قولُ أبي يوسف ومحمَّد والشَّافِعِيِّ (^٣) - ﵃ -: إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه سوى فَيءِ الزَّوال.
(وللعصر منه إلى غيبتِها) فوقتُ العصرِ من آخر وقتِ الظُّهرِ على القولينِ إلى أن تغيبَ الشَّمس (^٤).
(وللمغربِ منه (^٥) إلى مغيبِ الشَّفَق، وهو الحمرةُ عندهما، وبه يُفْتَى) (^٦)، وعند
_________________
(١) واختار هذه الرواية أصحاب المتون كالنسفي في «الكَنْز» (ص ٨)، و«المختار» (١: ٥٢)، و«غرر الأحكام» (١: ٥١)، وصححه صاحب «المراقي» (ص ٢٠٢)، و«البحر» (١: ٢٥٧ - ٢٥٨)، وفيه: قال في «البدائع»: أنها المذكورة في الأصل، وهو الصحيح، وفي «النهاية»: إنها ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وفي «غاية البيان»: وبها أخذ أبو حنيفة وهو المشهور عنه، وفي «الينابيع»: وهو الصحيح، وفي «تصحيح قاسم»: إن برهان الشريعة المحبوبي اختاره وعوَّل عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة، ورجح دليله، وفي «الغياثية»: وهو المختار، وصححها الكرخي ينظر: «المحيط» (ص ٦٧).
(٢) اختارها الطحاوي في «مختصره» (ص ٢٣)، واستظهره الشرنبلالي في «حاشيته على الدرر» (١: ٥١)، واختاره صاحب «الدر المختار» (ص ٢٤٠)، وقال: وفي «غرر الأذكار» وهو المأخوذ به، وفي «البرهان»: وهو الأظهر لبيان جبريل، وهو نص في الباب، وفي «الفيض»: وعليه عمل الناس اليوم وبه يفتى. واستحسن صاحب «رد المحتار» (١: ٢٤٠) أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى المثل، وأن لا يصلي العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤديًا للصلاتين في وقتهما بالاجماع. وينظر: «فتح القدير» (١: ١٩٣)
(٣) ينظر: «المنهاج» (١: ١٢١).
(٤) قال شيخ الإسلام التفتازاني: المعتبر في غروب الشمس سقوط قرص الشمس، وهذا ظاهر في الصحراء، وأما في البنيان وقلل الجبال - أي أعلاها - فبأن لا يرى شيء من شعاعها على أطراف البنيان وقلل الجبال، وأن يقبل الظلام من المشرق. ينظر: «العمدة» (١: ١٤٧).
(٥) أي من الغروب.
(٦) وقال الحصكفي في «الدر المنتقى» (١: ٧٠)، و«الدر المختار» (١: ٢٤١): هو المذهب، وقال صاحب «رمز الحقائق» (١: ٢٩)، و«المراقي» (ص ٢٠٤)، و«المواهب» (ق ١٩/أ): وعليه الفتوى، وقال صاحب «الجوهرة النيرة» (١: ٤١): قولهما أوسع للناس وقوله أحوط. واختاره صاحب «الهدية العلائية» (ص ٥٤).
[ ٢ / ١٠٥ ]
وللعشاءِ منه، وللوترِ ممَّا بعد العشاءِ إلى الفجرِ لهما. يستحبُّ للفجرِ البدايةُ مسفرًا بحيث يمكنُهُ ترتيلُ أربعين آية، أو أكثر، ثُمَّ إعادتُهُ إن ظَهَرَ فسادُ وضوئِه، والتَّأخيرُ لظهرِ الصَّيف، وللعصرِ ما لم تتغيَّرِ الشَّمس، وللعشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيل، وللوترِ إلى
أبي حنيفةَ الشَّفَقُ هو البياض (^١).
(وللعشاءِ منه، وللوترِ ممَّا بعد العشاءِ (^٢) إلى الفجرِ لهما): أي للعشاء، والوتر.
(يستحبُّ للفجرِ البدايةُ مسفرًا (^٣) بحيث يمكنُهُ ترتيلُ أربعين آية، أو أكثر، ثُمَّ إعادتُهُ إن ظَهَرَ فسادُ وضوئِه)، قال - ﷺ -: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإنَّهُ أَعْظَمُ للأَجْرِ» (^٤).
(والتَّأخيرُ لظهرِ الصَّيف)، في «صحيح البُخَارِيّ»: «أَبْرِدُوا بِالصَّلاة، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم» (^٥)، (وللعصرِ ما لم تتغيَّرِ الشَّمس (^٦)، وللعشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيل، وللوترِ إلى
_________________
(١) اختاره صاحب «الكنْز» (ص ٩)، و«الملتقى» (ص ١٠)، و«الغرر» (١: ٥١)، و«الفتح» (١: ١٩٦)، و«البحر» (١: ٢٥٨ - ٢٥٩)، والطحاوي في «مختصره» (ص ٢٣). ومن المشايخ من قال: ينبغي أن يؤخذ بقولهما في الصيف وبقوله في الشتاء، ينظر: «الدر المنتقى» (١: ٧١). قال صاحب «التعليقات المرضية على الهدية العلائية» (ص ٥٤): بين الحمرة والبياض ينظر: الفجر الصادق والكاذب قدر ثلاث درجات أي ١٢ دقيقة.
(٢) هذا عندهما؛ لأن الوتر عندهما سنة فهو من توابع العشاء، وأما عنده فالوتر فرض عملي، فوقت الوتر والعشاء واحد؛ لأن الوقت إذا جمع فرضين كان لهما كقضاء وأداء، وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند التذكر لوجوب الترتيب، وثمرة الخلاف تظهرُ فيمن صلَّى الوتر قبل العشاء ناسيًا، أو صلاهما مُرتبتين، ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة - ﵁ - تعاد العشاء وحدها؛ لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يعاد الوتر أيضًا؛ لأنه تبعٌ للعشاء، فلا يصح قبلها. كذا في «فتح باب العناية» (١: ١٨٢)، و«عمدة الرعاية» (١: ١٤٨).
(٣) مسفرًا: من أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء إضاءةً لا يشك فيه. ينظر: «اللسان» (٣: ٢٠٢٦).
(٤) من حديث رافع بن خديج وأبي هريرة وبلال وأنس وابن مسعود وغيرهم - ﵃ - في «صحيح ابن حبان» (٤: ٣٥٧)، و«جامع الترمذي» (١: ٢٨٩)، وقال: حسن صحيح، و«سنن النسائي» (١: ٤٧٨)، و«مجمع الزوائد» (١: ٣١٥)، و«الآحاد والمثاني» (١: ١٧٨)، و«المعجم الكبير» (٤: ٢٨٩)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ٢٨٤)، و«شرح معاني الآثار» (١: ١٧٨)، وغيرها، وينظر: «الدراية» (١: ١٠٣ - ١٠٤).
(٥) في «صحيح البخاري» (٣: ١١٨٩)، و«صحيح مسلم» (١: ٤٣٠)، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ١٧٠).
(٦) سقطت من س وص.
[ ٢ / ١٠٦ ]
آخرِ وقتِهِ لِمَنْ وَثِقَ بالانتباه فحسب، والتَّعجيلُ لظهرِ الشِّتاء، والمغرب، ويومُ غَيْم يعجِّلُ العصرَ والعشاء، ويؤَخِّرُ غيرَهما.