بئرٌ وقع فيها نجس، أو ماتَ فيها حيوان وانتفخَ أو تفسَّخ، أو ماتَ آدميّ، أو شاة، أو كلب، يُنْزَحُ كلُّ مائها إن أمكنَ وإلا قُدِّرَ ما فيها
وتجوزُ صلاةُ مَن أعادَ سنَّهُ (^١) إلى فمِهِ وإن جاوزَ قَدْرَ الدِّرهم) أفردَ هذه المسألةَ بالذِّكرِ مع أنَّها فُهِمَتْ فيما مرَّ؛ لأنَّ السِّنَّ عظمٌ (أو عصب) (^٢)، وقد ذكرَ أنَّ العظمَ طاهر؛ لمكانِ الاختلافِ فيها، فإنَّه إذا كان أكثرَ من قَدْرِ الدِّرهمِ لا يجوز الصَّلاةُ به عند محمَّدٍ - ﵁ -.
فصل [في الابار]
(بئرٌ وقع (^٣) فيها نجس، أو ماتَ (^٤) فيها (^٥) حيوان وانتفخَ (^٦) أو تفسَّخ، أو ماتَ آدميّ، أو شاة، أو كلب، يُنْزَحُ كلُّ مائها إن أمكنَ وإلا قُدِّرَ ما فيها)، الأصحّ أن يؤخذَ بقولِ رجلَيْن لهما بصارةٌ في الماء، ومحمَّد - ﵁ -: قدَّرَ بمائتي دلوٍ الى ثلاثمائة (^٧)
_________________
(١) صحح في «البحر» (١: ١١٣) طهارة سن الآدمي مطلقًا، وأقرَّه في «الدر المختار» (١: ١٣٨).
(٢) زيادة من ص وف وم.
(٣) زيادة من ص وف وم.
(٤) فإن أخرج منه الحيوان حيًا، فإن كان على جسده نجس متيقن أو كان نجس العين وجب نَزح الكل، وإلا فلا. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩١).
(٥) قيد اتفاقي، فإن الحكم كذلك فيما إذا مات خارجها، أو وقع فيها. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٤١).
(٦) الحاصل أنه إذا مات آدمي أو ما يقاربه في الجثة كالشاة والكلب ونحوهما ينْزح الكل، وإن لم ينتفخ، وفي ما عداها إنما يجب نَزح الكل إذا انتفخ وإلا فله حدٌّ معين. ينظر: «السعاية» (ص ٤٣١).
(٧) اختلفوا في التصحيح فيهما: فمنهم من ذهب إلى نَزح مئتي دلو إلى ثلاثمئة، كالشرنبلالي في «نور الإيضاح» (١: ٨٠)، وصاحب «الكنْز» (ص ٥)، و«الاختيار» (١:٢٧). وفي «الملتقى» (ص ٥): وبه يفتى. ومنهم من ذهب إلى التفويض في نزح مقدار ما فيها إلى ذوي البصائر، وقد صححه صاحب «الدرر» (١: ٢٥)، و«التبيين» (١: ٣٠)، واختاره في «الهداية» (١: ٢٢)، وأقرَّه صاحب «الكفاية» (١: ٩٣)، واختاره صاحب «التنوير» (١: ١٤٣)، وفي «الدر المختار» (١: ١٤٣): وبه يفتى، وهو الأحوط، ورجَّحه ابن عابدين في «حاشيته» (١: ١٤٣).
[ ٢ / ٥٢ ]
وفي نحوِ حمامةٍ أو دجاجةٍ ماتت فيها أربعونَ إلى ستِّين. وفي نحوِ فأرةٍ أو عصفور عشرونَ إلى ثلاثين. والمعتبرُ الدَّلوُ الوسط، وما جاوزَهُ احتسبَ به. ويتنجَّسُ البئرُ من وقتِ الوقوعِ إن عُلِمَ ذلك، وإلا فمنذ يومٍ وليلةٍ إن لم ينتفخ، ومنذُ ثلاثةٍ أيامٍ ولياليها إن انتفخ، وقالا: مذ وجد. وسؤرُ الآدميِّ والفَرس، وكلُّ ما يأكلُ لحمُهُ طاهر، والكلبُ والخنْزيرُ وسباعُ
(وفي نحوِ حمامةٍ أو دجاجةٍ ماتت فيها أربعونَ إلى ستِّين (^١).
وفي نحوِ فأرةٍ أو عصفور عشرونَ إلى ثلاثين.
والمعتبرُ الدَّلوُ الوسط (^٢)، وما جاوزَهُ احتسبَ به (^٣).
ويتنجَّسُ البئرُ من وقتِ الوقوعِ إن عُلِمَ ذلك، وإلا فمنذ يومٍ وليلةٍ إن لم ينتفخ، ومنذُ ثلاثةٍ أيامٍ ولياليها إن انتفخ، وقالا: مذ وجد (^٤).
وسؤرُ (^٥) الآدميِّ والفَرس، وكلُّ ما يأكلُ لحمُهُ طاهر، والكلبُ والخنْزيرُ
_________________
(١) فالأربعون للإيجاب، والستون للاستحباب. ينظر: «الاختيار» (١: ٢٦).
(٢) اختلف في الدلو المعتبر: فمنهم من اختار الدلو الوسط: كصاحب «الكنْز» (٥)، و«الملتقى» (ص ٥)، والقدوري في «مختصره» (ص ٤)، و«التنوير» (١: ١٤٥). ومنهم من اختار في كل بئر دلوها، كصاحب «البحر» (١: ١٢٤)، و«الهداية» (١: ٢٢)، و«الاختيار» (١: ٢٧). ومنهم: من اختار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينْزح به، يعتبر الدلو الوسط، كصاحب «المضمرات»، وتبعه اللكنوي في «عمدة الرعاية» (١: ٩٢). واختار صاحب «الدر المختار» (١: ١٤٥) إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعًا. وقيل: ما يسع فيها صاعًا، وهو مروي عن أبي حنيفة - ﵁ -، وقيل: ما يسع ثمان أرطال، وقيل: عشرة أرطال، وقيل: غير ذلك. ينظر: «البحر» (١: ١٢٤)، و«البدائع» (١: ٨٦).
(٣) أي لو نَزَح الواجب بدلو كبير كفى ذلك، وهو ظاهر المذهب؛ لحصول المقصود. ينظر: «العمدة» (١: ٩٢).
(٤) وقولهما موافق للقياس، وقوله استحسان، وهو الأحوط في العبادات. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٤٧).
(٥) السُّؤْرُ: بقية الشيء، وجمعه أسآر، فهو اسم للبقية بعد الشراب التي أبقاها الشارب. ينظر: «اللسان» (٣: ٩٢).
[ ٢ / ٥٣ ]
وسباعُ البهائمِ نجس، والهرَّةُ والدَّجاجةُ المخلاَّةُ وسباعُ الطَّيرِ وسواكنُ البيوتِ مكروه، والحمارُ والبغلُ مشكوكٌ يتوضَّأ به ويتيمَّم، والعَرَقُ معتبرٌ بالسُّؤْر
البهائمِ نجس، والهرَّةُ والدَّجاجةُ المخلاَّةُ (^١) وسباعُ الطَّيرِ وسواكنُ البيوتِ مكروه (^٢)، والحمارُ (^٣) والبغلُ (^٤) مشكوكٌ يتوضَّأ به ويتيمَّم): أي يتوضَّأُ بالمشكوك، ثمَّ يتيمَّمُ إلا في المكروهِ يتوضَّأ بهِ فقط إن عدمَ غيرُه.
(والعَرَقُ معتبرٌ بالسُّؤْر (^٥»: لأنَّ السُّؤر مخلوطٌ باللُّعاب، وحكمُ اللُّعابِ والعَرَقِ واحد؛ لأنَّ كلاًّ منهما متولِّدانَ من اللَّحم.
فإن قيل: يجبُ أن لا يكونَ بين سُؤْرِ مأكولِ اللَّحم، وغيرِ مأكولِ اللَّحمِ فرق؛ لأنه إن اعتبرَ اللَّحم، فلحمُ كلُّ واحدٍ منهما طاهر، ألاَّ ترى أنَّ غيرَ مأكولَ اللَّحم إذا لم يكنْ نجسَ العينِ إذا ذُكِّيَ يكون لحمُهُ طاهرًا، وإن اعتبرَ أنَّ لحمَهُ مخلوطٌ بالدَّمِ فمأكولُ اللَّحمِ وغيرُهُ في ذلكَ سواء.
قلنا: الحرمةُ إذا لم تكنْ للكرامة، فإنَّها آيةُ النَّجاسة، لكن فيه شبهةُ أنَّ النَّجاسة؛ لاختلاطِ الدَّمِ باللَّحم، إذ لولا ذلك بل يكونُ نجاستُهُ لذاتِه، لكانَ نجسَ العينِ وليس كذلك، فغيرُ مأكولِ اللَّحمِ إذا كانَ حيًَّا فلعابُهُ متولِّدٌ من اللَّحمِ الحرامِ المخلوطِ بالدَّمِ فيكونُ نجسًا لاجتماعِ الأمرين، وهما الحرمة والاختلاط بالدم، أمَّا في مأكولِ اللَّحمِ فلم يوجدْ إلا أحدهما، وهو الاختلاطُ بالدَّمِ فلم يوجبْ نجاسةَ السُّؤْر؛ لأنَّ هذهِ العلَّةَ بانفرادِها ضعيفة، إذ الدَّمُ المستقرُّ في موضعِهِ لم يُعْطَ له حكمُ النَّجاسةِ
_________________
(١) المخلاَّة: أي مرسلة تخالط النجاسات، ويصل منقارها إلى ما تحت قدميها، أما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها؛ لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول، بل تلاحظ الحب بينه. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٤٩).
(٢) أي تنْزيهًا فيجوز التوضؤ به واستعماله مع كراهته إن كان قادرًا على غيره، وإن لم يكن قادرًا على غيره فلا كراهة. ينظر: «السعاية» (٤٦٥).
(٣) أي الأهلي بخلاف الوحشي لأنه مأكول اللحم فلا شك في سؤره ولا كراهة. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٥٠).
(٤) أي البغل الذي أمه حمارة، أما البغل الذي أمه فرس فسؤره طاهر؛ لأن الأصل في الحيوان الإلحاق بالأم. ينظر: «الهدية العلائية» (ص ١٥ - ١٦).
(٥) أي مقيس بالسؤر فما كان سؤره طاهرًا فعرقه طاهر كالآدمي والفرس. ينظر: «العمدة» (١: ٩٣).
[ ٢ / ٥٤ ]
فإن عدمَ الماء إلا بنبيذِ التَّمر، قال أبو حنيفةَ - ﵁ -: بالوضوءِ به فقط، وأبو يوسفَ - ﵁ -: بالتَّيمُّمِ فحسب، ومحمَّدٌ - ﵁ - بهما.
في الحيّ، وإذا لم يكن حيًَّا فإن لم يكنْ مذكَّى كان نجسًا، سواءٌ كان مأكولَ اللَّحمِ أو غيره؛ لأنَّهُ صارَ بالموتِ حرامًا، فالحرمةُ موجودةٌ مع اختلاطِ الدَّمِ فيكونُ نجسًا، وإن كان مُذكَّى كان طاهرًا، أمَّا في مأكولِ اللَّحمِ فلأنَّهُ لم توجدْ الحرمةُ ولا الاختلاطُ بالدَّم، وأمَّا في غيرِ مأكولِ اللَّحم؛ فلأنَّهُ لم يوجدْ الاختلاطُ بالدَّم (^١)، والحرمةُ المجرَّدةُ غيرُ كافيةٍ في النَّجاسةِ على ما مرَّ أنَّها تثبتُ باجتماعِ الأمرين.
(فإن عدمَ الماء (^٢) إلا بنبيذِ (^٣) التَّمر، قال أبو حنيفةَ - ﵁ -: بالوضوءِ به فقط، وأبو يوسفَ - ﵁ -: بالتَّيمُّمِ فحسب (^٤)، ومحمَّدٌ - ﵁ - بهما)، والخلافُ في نبيذِ تمر (^٥) هو حلوٌ رقيقٌ يسيلُ كالماء، أمَّا إذا اشتدَّ فصارَ مُسْكِرًا لا يتوضَّأُ به إجماعًا.
* * *
_________________
(١) زيادة من ب وس وم.
(٢) ساقطة من ج وص وف وم.
(٣) سائر الأنبذة إلا التمر لا يجوز الوضوء بها عند عامة العلماء، وهو الصحيح. ينظر: «البحر» (١: ١٤٤).
(٤) هذا هو المذهب المعتمد المصحح المختار؛ وأبو حنيفة قد رجع إليه. ينظر: «البحر» (١: ١٤٤)، واختاره صاحب «التنوير» (١: ١٥٢)، وصححه صاحب «الدر المختار» (١: ١٥٢). وفي «الملتقى» (ص ٦) وبه يفتى. وفي «رمز الحقائق» (١: ١٦): والفتوى على رأي أبي يوسف - ﵁ -. واختار النسفي في «الكنْز» (ص ٥) قول أبي حنيفة.
(٥) زيادة من م.
[ ٢ / ٥٥ ]