ولا يجوزُ صلاة، وسجدةُ تلاوة، وصلاةُ جنازة عند طلوعِها، وقيامِها، وغروبِها إلاَّ عصرَ يومِه
(آخرِ وقتِهِ) (^١) لِمَنْ وَثِقَ بالانتباه فحسب، والتَّعجيلُ لظهرِ الشِّتاء، والمغرب، ويومُ غَيْم يعجِّلُ العصرَ والعشاء، ويؤَخِّرُ غيرَهما (^٢).
[فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة]
ولا يجوزُ صلاة، وسجدةُ تلاوة، وصلاةُ جنازة عند طلوعِها، وقيامِها، وغروبِها إلاَّ عصرَ يومِه)، فقد ذُكِرَ في كتبِ أصول الفقه (^٣) أنَّ الجزءَ المُقارنَ للأداءِ سببٌ لوجوبِ الصَّلاة، وآخرُ وقتِ العصر، وقتٌ ناقص، إذ هو وقتُ عبادةِ الشَّمْس، فوجبَ ناقصًا، فإذا أدَّاه أدَّاه كما وجب، فإذا اعترضَ الفسادُ بالغروبِ لا تفسد، وفي الفجرِ كلُّ وقتِه وقتٌ كامل؛ لأنَّ الشَّمسَ لا تعبدُ قبلَ الطُّلوع، فوجبَ كاملًا، فإذا اعترضَ الفسادُ بالطَّلوع تفسد؛ لأنَّه لم يؤدِّها كما وَجَب (^٤).
فإن قيل: هذا تعليلٌ في معرضِ النَّص، وهو قولُه - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ
_________________
(١) في أ وب وج وس وص وف: آخره.
(٢) لأن في تأخير العشاء تقليل الجماعة على اعتبار المطر، وفي تأخير العصر توهم وقوعه في الوقت المكروه، فلذلك يستحب تعجيلهما، ولا كذلك في باقي الصلوات، فيؤخِّر حذارًا عن وقوعه قبل الوقت. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٤٩). و«رد المحتار» (١: ٢٤٧).
(٣) ينظر: «التوضيح» (١: ٢٠٦)، و«تغيير التنقيح» لابن كمال باشا (١: ١٢٨)، و«مرآة الأصول» (١: ١٣٤ - ١٣٥)، و«شرح المنار» لابن ملك (ص ٥٩ - ٦٠)، و«شرح المنار» لابن العيني (ص ٦٠).
(٤) ويمكن أيضًا أن يجاب عن إشكال الفجر بأن العصر يخرج إلى ما هو وقت الصلاة في الجملة بخلاف الفجر أو بأن في الطلوع دخولًا في الكراهة، وفي الغروب خروجًا عنها. ينظر: «التلويح» (١: ٢٠٧).
[ ٢ / ١٠٧ ]
وكُرِهَ النَّفلُ إذا خرجَ الإمامُ لخطبِة الجُمُعة، وبعد الصُّبْح إلاَّ
قَبْلَ الطُّلُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الفَجْر، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْر» (^١).
قلنا: لَمَّا وقعَ التَّعارض بين هذا الحديث، وبين النَّهى الواردِ (^٢)
عن الصَّلاة في الأوقات الثَّلاثة رجعنا إلى القياسِ كما هو حُكْمُ التَّعارض (^٣)، إذِ القياسُ يُرَجِّحُ هذا الحديثَ في صلاةِ العصر، وحديثُ النَّهي في صلاة الفجر، وأمَّا سائر الصَّلوات فلا تجوز في الأوقاتِ الثَّلاثة لحديثِ النَّهي إذ لا معارضَ لحديث النَّهي فيها.
(وكُرِهَ النَّفلُ (^٤) إذا خرجَ الإمامُ لخطبِة الجُمُعة، وبعد الصُّبْح إلاَّ
_________________
(١) في «صحيح البخاري» (١: ٢٠٤)، و«صحيح مسلم» (١: ٤٢٤)، ولفظه عند مسلم: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -، قال: «مَن أدركَ ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغربَ الشمسُ فقد أدرك العصر».
(٢) لما روى عقبة بن عامر الجهني قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» في «صحيح مسلم» (١: ٥٦٨)، و«صحيح ابن حبان» (٣: ٣٤٨)، و«سنن الترمذي» (٣: ٣٤٨)، و«سنن أبي داود» (٣: ٢٠٨)، وغيرهم. ولما روى أبو سعيد الخدري، يقول قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» في «صحيح البخاري» (١: ٢١٣)، و«صحيح مسلم» (١: ٥٦٧)، واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (٣: ٤٥)، و«صحيح ابن حبان» (٤: ٣٤٨)، غيرهم، وللوقوف على باقي الأحاديث الواردة في النهي. ينظر: «إعلاء السنن» (٢: ٥١ - ٦٧)
(٣) إذا أنهما تساقطا فيصار إلى ما بعدهما من الحجة، ينظر: «المنار» (ص ١٨)، و«التوضيح» (٢: ١٠٤)، و«شرح المنار» لابن ملك (ص ٢٢٧)، و«شرح المنار» لابن العيني (ص ٢٢٧)، و«إفاضة الأنوار على أصول المنار» (ص ١٩٢)، و«نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار» (ص ١٩٢ - ١٩٣).
(٤) أي تحية المسجد وسنة الجمعة، وذلك هو المروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب - ﵃ - أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١: ٤٤٨، ٤٥٨)، وأخرج محمد في «الموطأ» (١: ٦٠٣) عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك: أنهم كانوا زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر … . وهذه الكراهة من حين خروج الإمام: أي من بيته المتصل بالمسجد، أو من بيت أعد له في المسجد على حدة، أو صعوده على المنبر للخطبة إلى تمام صلاته. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ١٥٠).
[ ٢ / ١٠٨ ]
سنَّتَه، وبعد أداءِ العصرِ إلى أداءِ المغرب، وصحَّ الفوائت، وصلاةُ الجنازة، وسجدةُ التَّلاوة في هذين الوقتين، ولا يُجمعُ فرضان في وقتٍ بلا حجّ، ومن طَهُرَتْ في وقتِ عصر، أو عشاء صلَّتْهما فقط، ومَن هو أهل فرضٍ في آخرِ وقتِهِ يقضيه لا مَن حاضَتْ فيه
سنَّتَه (^١)، وبعد أداءِ العصرِ إلى أداءِ المغرب، وصحَّ الفوائت، وصلاةُ الجنازة، وسجدةُ التَّلاوة في هذين الوقتين)، أي بعد الصُّبْحِ وبعد أداء العصرِ إلى أداء المغرب، لكنَّها تُكْرَهُ في الأوَّل، وهو ما إذا خرجَ الإمامُ للخطبة (^٢).
(ولا يُجمعُ فرضان في وقتٍ بلا حجّ)، وفيه خلاف الشَّافِعِيِّ (^٣) - ﵁ -. (ومن طَهُرَتْ في وقتِ عصر، أو عشاء صلَّتْهما فقط) خلافًا للشَّافِعِيّ (^٤) - ﵁ -، فإن عنده مَن طَهُرَتْ في وقتِ العصرِ صلَّتْ الظُّهْرَ أيضًا، ومَن طَهُرَتْ في وقتِ العشاءِ صلَّت المغربَ أيضًا، فإن وقتَ الظُّهْرِ والعصرِ عنده كوقتٍ واحد، وكذا وقتُ المغربِ والعشاء، ولهذا يجوزُ الجمعُ عندَهُ في السَّفَر.
(ومَن هو أهل فرضٍ في آخرِ وقتِهِ يقضيه لا مَن حاضَتْ فيه) يعني إذا بلغَ الصَّبيّ، أو أسلمَ الكافرُ في آخر الوقت، ولم يبقَ من الوقتِ إلاَّ قدرُ التَّحريمةِ يجبُ عليه قضاءُ صلاةِ ذلك الوقت (^٥) خلافًا لزُفَرَ - ﵁ -، ومَن حاضَتْ في آخر الوقت لا يجبُ عليها قضاءُ صلاةِ ذلك الوقتِ خلافًا للشَّافِعِيّ (^٦) - ﵁ -.
_________________
(١) لشغل الوقت به تقديرًا حتى لو نوى تطوعًا كان سنة الفجر بلا تعيين؛ لأن الصحيح المعتمد عدم اشتراط التعيين في السنن الرواتب، بل تصح بنية النفل ومطلق النية. ينظر: «الدر المختار» وحاشيته «رد المحتار» (١: ٢٥١).
(٢) إلا إذا كانت الفائتة واجبة الترتيب فلا تكره. ينظر: «الدر المختار» (١: ٢٥٢).
(٣) ينظر: «التنبيه» (ص ٣٠).
(٤) ينظر: «المنهاج» (١: ١٣٢).
(٥) لأن آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في أول الوقت، فمن كان أهلًا فيه وجب عليه فرض ذلك الوقت، ومن لم يكن أهلًا فيه سقط عنه. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ١٩٦).
(٦) ينظر: «المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (١: ١٣٢).
[ ٢ / ١٠٩ ]