يَجِبُ على كلِّ حُرٍّ مسلمٍ مكلَّف صحيحٍ بصيرٍ، له زادٌ وراحلة، فضلًا عمَّا لا بُدَّ منه، وعن نفقةِ عيالِهِ إلى حين عودِه، مع أَمنِ الطَّريقِ، والزَّوج، أو
كتاب الحج
اعلم أنَّ الحجَّ (^١) فريضةٌ يَكْفُرُ جاحدُهُ لكن أَطْلَقَ عليه لفظَ الوجوب، وأرادَ الفريضةَ حيث، قال:
(يَجِبُ على كلِّ حُرٍّ مسلمٍ مكلَّف صحيحٍ (^٢) بصيرٍ، له زادٌ (^٣) وراحلة (^٤)، فضلًا عمَّا لا بُدَّ منه (^٥)، وعن نفقةِ عيالِهِ إلى حين عودِه، مع أَمنِ الطَّريقِ، والزَّوج، أو
_________________
(١) الحجُّ: في اللغة:: القصد على لسان الأكثر، وقيل: هو القصد إلى المعظم في النظر. ويطلق شرعًا على: زيارة مكان مخصوص لأداء أعمال مخصوصة في زمن مخصوص. ولكن الباعث على الحج الشوق الخالص إلى ثواب الله تعالى ومرضاته على قدر الفهم والتحقيق بمشاهدة آياته وبيناته حيث جعله الله تعالى سبحانه مثابة للعالمين وملجًا للخائفين ومنجاة للآئذين. فالحج يُكَفِّرُ الصغائر والكبائر ما لم تكن من حقوق الله التي يمكن قضاؤها كترك الصلاة والصوم، وحقوق العباد العباد كقتل النفس وأخذ مال الناس ظلمًا. ينظر: «الحج الأوفر في الحج الأكبر» (ص ٣) للقاري، و«تحقيق الخلاف في أن الحج هل يكفر الكبائر أم لا»، و«أنوار الحجج في اسرار الحج» (ص ١٠٢ - ١٠٣)، و«هبة الفتاح» (ص ٢٣١).
(٢) المراد من الصحة سلامةُ البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بدَّ منه في سفر الحجّ، فلا يفرضُ على مقعدٍ، وزَمِن، ومفلوج، ومقطوع الرجلين، ولا على المريض، والشيخ الفاني الذي لا يثبت نفسه على الراحلة عند الإمام، فهو شرط وجوب عنده، وعندهما شرط أداء. وقوله هو الأصح ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٦٠ - ٢٦١)، واختار ابن الهمام في «فتح القدير» (٢: ٣٢٧) قولهما.
(٣) زاد: وهو طعام يتخذ لأجل السفر. ينظر: «رشحات الأقلام شرح كفاية الغلام» (ص ٨٧).
(٤) راحلة: المركب من الإبل، والمراد بها المركب مطلقًا، ولو بالكراء على حسب ما يليق به. ينظر: «رشحات الأقلام» (ص ٨٧).
(٥) أي من مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وثيابه وأثاثه وآلات حِرفته، وقضاء دينه … ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٦٠٣).
[ ٢ / ٢٥١ ]
المحرمِ للمرأةِ إن كان بينَها وبين مكَّة مسيرةُ سفرٍ في العمرِ مرَّةً على الفور
المحرمِ (^١) للمرأةِ إن كان بينَها وبين مكَّة مسيرةُ سفرٍ (^٢) في العمرِ مرَّةً على الفور (^٣»، هذا عند أبي يوسف - ﵁ -.
وأما عند محمَّد - ﵁ - فعلى التَّراخي.
فزعمَ بعضُ المُتأخِّرين أن هذا الخلافَ بينَهما مبنيٌّ على أنَّ الأمرَ المطلقَ عند أبي يوسف - ﵁ - للفور، وعند محمَّدٍ لا، وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ الأمرَ المطلق (^٤) لا يوجبُ الفورَ باتِّفاقٍ بينهما (^٥)، فمسألةُ الحجِّ مسألةٌ مبتدأة (^٦):
فقال أبو يوسف - ﵁ -: وجوبُهُ (^٧) بالفورِ احترازٌ عن الفوت، حتَّى إذا أتى به بعد العامِ الأَوَّل كان أداءً عنده.
وعند محمَّد - ﵁ - وجوبُهُ على التَّراخي بشرطِ أن لا يفوتَ حتَّى لو لم يؤدِّ في العامِ الأَوَّل، (وأدَّى في الثَّاني والثَّالث يكون آداءً إتِّفاقًا، ولو لم يؤدِّ) (^٨)، ومات يكون آثمًا اتِّفاقًا.
أمَّا عند أبي يوسف - ﵁ - فظاهر.
وأمَّا عند محمَّد - ﵁ -؛ فلأنَّه فاتَ عن العامِ الأَوَّل، وعدمُ فوتِهِ في العمرِ مشكوك، فيكون آثمًا إثمًا موقوفًا، فإن أدَّى بعد ذلك يرتفعُ الإِثْمُ عنده، وعند أبي يوسف لا يرتفعُ الإثمُ للتَّأخير.
_________________
(١) المحرم: من لا يحل له نكاحها على التأبيد بقرابة، أو رضاع، أو مصاهرة، سواء كان مسلمًا أو كافرًا إلا أن يكون مجوسيًا أو فاسقًا لا يؤمن من الفتنة أو صبيًا، أو مجنونًا. ينظر: «المحيط» (ص ٣٢)، و«التبيين» (٢: ٦)، و«لباب المناسك وعباب السالك» (ص ٣)، و«تقريرات الرافعي» (ص ١٥٧).
(٢) وهو ثلاثة أيام ولياليها، ولا اعتبار للفراسخ على المذهب وإنما الاعتبار للمراحل. وقد فصلت ذلك في صلاة المسافر.
(٣) أي هو الاتيان به في أول أوقات الإمكان، وأما التراخي فليس معناه تعين التأخير، بل بمعنى عدم لزوم الفور. والفور هو أصح الروايتين عند الإمام. ينظر: «رد المحتار» (٢: ١٤٠).
(٤) زيادة من أ وب وس.
(٥) قال الشارح في «التنقيح» (١: ٣٨٩ - ٣٩٠): أما المطلق فعلى التراخي؛ لأن الأمر جاء للفور، وجاء للتراخي، فلا يثبت الفور إلا بالقرينة، وحيث عدمت يثبت التراخي لا أن الأمر يدل عليه …
(٦) أي ليست مبنيَّةً على الخلافِ في الأمرِ المطلق. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٣٢٣).
(٧) زيادة من أ وب وس.
(٨) ساقطة من ص وف وم.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
فلو أحرمَ صبيٌّ فبلغ، أو عبدٌ فعتق، فمضى لم يؤدِّ فرضَه، فلو جدَّد الصَّبيُّ إحرامَهُ للفرضِ ثُمَّ وقفَ جازَ عنه بخلاف العبد، وفرضُهُ: الإحرام، والوقوفُ بعرفة، وطوافُ الزِّيارة. وواجبُهُ: وقوفُ جَمْع، والسَّعيُ بين الصَّفا والمَرْوَة، ورميُ الجِمَار، وطوافُ الصَّدَر للآفاقي، والحَلْق.
فثمرةُ الخلاف أنَّه إن أدَّى بعد تمام (^١) العامِ الأَوَّلِ يأثمُ بالتأخير عند أبي يوسف - ﵁ - خلافًا لمحمَّد - ﵁ -.
(فلو أحرمَ صبيٌّ فبلغ، أو عبدٌ فعتق، فمضى لم يؤدِّ فرضَه، فلو جدَّد الصَّبيُّ إحرامَهُ للفرضِ ثُمَّ وقفَ جازَ عنه بخلاف العبد)؛ لأنَّ إحرامَ الصَّبيِّ لم يكن لازمًا؛ لعدم الأهليَّة (^٢)، واحرامَ العبدِ لازم، فلا يمكِنُهُ الخروجُ عنه بالشُّروعِ في غيرِه.
(وفرضُهُ:
الإحرام (^٣)، والوقوفُ بعرفة (^٤)، وطوافُ الزِّيارة (^٥).
وواجبُهُ:
وقوفُ جَمْع)، وهو المُزْدَلِفَة (^٦)، (والسَّعيُ بين الصَّفا والمَرْوَة، ورميُ الجِمَار (^٧)، وطوافُ الصَّدَر (^٨) للآفاقي (^٩)، والحَلْق.
_________________
(١) زيادة من ف.
(٢) أي لعدم أهلية اللزوم عليه؛ ولذا لو أحصر الصبي وتحلل لا دم عليه ولا قضاء ولا جزاء عليه لارتكاب المحظورات. ينظر: «فتح القدير» (٢: ٣٣٢ - ٣٣٣).
(٣) وهو النية والتلبية وما يقوم مقامهما، وهو شرط ابتداءً، وله حكم الركن انتهاءً حتى لم يجز لفائت الحج استدامته؛ ليقضي به من قابل. ينظر: «لباب المناسك» (ص ٤)، و«الدر المختار» (٢: ١٤٧).
(٤) أي الحضور ولو ساعة منذ زوال يوم عرفة إلى طلوع فجر النحر ركنٌ. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٦٣).
(٥) ويسمَّى طواف الركن، أو طواف الحج، أو طواف الإفاضة، ويتأدى ركنه بأربعة أشواط. ينظر: «الدرر الحسان في أحكام الحج والعمرة» (ص ٢٢ - ٢٣).
(٦) المُزْدَلِفة: وهي عَلَمٌ على البُقعَةِ لا يَدْخُلُهَا أَلِفٌ وَلامٌ إلاَّ لَمْحًا للصِّفَةِ في الأَصْلِ كَدُخُولِهَا فِي الحَسَنِ والعَبَّاس، وازْدَلَفَ السَّهْمُ إلى كذا اقْتَرَب، فلاقْتِرَابِهَا إلَى عَرَفَاتٍ وَأَزْلَفْتُ الشَّيْءَ جَمَعْته، وقيل: سُمِّيَتْ مُزْدَلِفَةُ من هذا لاجْتماعِ النَّاسِ بها. ينظر: «المصباح المنير» (ص ٢٥٥).
(٧) الجِمار: جَمْعُ جَمْرَةٍ، وهي الحِجَارَةُ مثلُ الحَصَى. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣٣).
(٨) ويسمَّى طواف الوداع، وهو طواف البيت عند الرجوع إلى مكانه. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٢٦٤).
(٩) للآفاقي: من آفاق السماء والأرض، واحده أُفِقٌ: وهي نَوَاحِيهَا، وَقَوْلُهُمْ وَرَدَ آفَاقِيَّ مَكَّةَ يَعْنُونَ به مَن هو خَارِجَ المَوَاقِيت، وَالصَّوَابُ أُفُقِيٌّ. ينظر: «المغرب» (ص ٢٧).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وغيرُها سننٌ وآداب. وأشهرُهُ: شوال، وذو القعدة، وعشرُ ذي الحِجَّة، وكُرِه إحرامُهُ له قبلَها. والعمرةُ سُنَّةٌ: وهي طواف، وسعيّ، ولا وقوفَ لها، وجازَت في كلِّ السَّنَة، وكُرِهَتْ في يومِ عرفة وأربعةٍ بعده. وميقاتُ المُدنيِّ: ذو الحُلَيفة، والعراقيِّ ذاتُ عِرق، والشَّامِي جُحفة، والنَّجديُّ قَرْن، واليَمَنيُّ يَلَمْلَم. وحَرُمَ تأخيرُ الإحرامِ عنها لِمَن قصدَ دخولَ مكَّة لا التَّقديم. وحلَّ لأهلِ داخلِها دخولُ مكَّةَ غيرَ مُحْرِم، فميقاتُهُ الحلّ
وغيرُها سننٌ وآداب.
وأشهرُهُ: شوال، وذو القعدة، وعشرُ ذي الحِجَّة، وكُرِه إحرامُهُ له قبلَها.
والعمرةُ سُنَّةٌ: وهي طواف، وسعيّ، ولا وقوفَ لها (^١)، وجازَت في كلِّ السَّنَة، وكُرِهَتْ في يومِ عرفة وأربعةٍ بعده.
وميقاتُ المُدنيِّ: ذو الحُلَيفة (^٢)، والعراقيِّ ذاتُ عِرق، والشَّامِي جُحفة (^٣)، والنَّجديُّ قَرْن (^٤)، واليَمَنيُّ يَلَمْلَم (^٥).
وحَرُمَ تأخيرُ الإحرامِ عنها (^٦) لِمَن قصدَ دخولَ مكَّة لا التَّقديم.
وحلَّ لأهلِ داخلِها (^٧) دخولُ مكَّةَ غيرَ مُحْرِم (^٨)، فميقاتُهُ الحلّ): أي مَن هو داخلٌ المواقيت (^٩)، لكنَّه خارجَ مكَّة، فميقاتُهُ الحلّ، أي خارجَ الحرم.
_________________
(١) أي ليس فيها وقوف بعرفةٍ، ولا مزدلفة، ولا رواح الى منى. كما في «العمدة» (١: ٣٢٥).
(٢) ذو الحُلَيفَة: وتسمى الآن: آبار علي: فيما اشتهر لدى العامة، وهي قرية قرب المدينة المنورة على بعد (٧ كم) من مكة المكرمة. ينظر: «الدرر الحسان» (ص ٢٠)، و«الموسوعة الكويتية» (٢: ١٤٦).
(٣) جُحفة: وهي قرية على بعد (٢٢٠ كم) من مكَّة المكرمة. ويحرمُ الحجاج من رابِغ، وتقع قبل الجُحْفة إلى جهة البحر، فالمحرم من رابغ محرمٌ قبل الميقات. وقد قيل: إن الإحرام منها أحوطُ؛ لعدم التَّيقنِ بمكانِ الجُحفة. ينظر: «الدرر الحسان» (ص ٢٠)، و«الموسوعة الكويتية» (٢: ١٤٦).
(٤) قَرْن: قَرْن المنازل: وهو اسم جبل يطل على عرفات، وتسمَّى اليوم السَّيل: وهو على بعد (٩٤ كم) من مكَّة المكرمة. ينظر: «الدرر الحسان» (ص ٢٠)، و«الموسوعة الكويتية» (٢: ١٤٦).
(٥) يَلَمْلَم: اسم جبل على بعد (٩٤ كم) من مكة المكرمة. ينظر: «الدرر الحسان» (ص ٢١).
(٦) أي عن مواقيت الإحرام.
(٧) أي داخل الميقات وخارج مكة المكرمة.
(٨) لأنه يكثر دخوله فيها للحاجة، وفي إيجاب الإحرام كلّ مرّة حرج. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٦٦/أ).
(٩) في م: الميقات.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ولِمَن سكن بمكَّة للحجِّ الحرم، وللعمرةِ الحلّ.