يثبتُ بمصَّةٍ في حولينِ ونصفٍ لا بعده أمومةُ المُرْضعةِ للرَّضيع، وأُبّوةُ زَوجِ مرضعةٍ لبنُها منه له، فيحرمُ منه ما يحرمُ من النَّسب إلاَّ أمَّ أُخْتِهِ وأخيه
كتاب الرضاع
(يثبتُ بمصَّةٍ في حولينِ ونصفٍ لا بعده أمومةُ المُرْضعةِ للرَّضيع، وأُبّوةُ زَوجِ مرضعةٍ لبنُها (^١) منه له): أي للرَّضيع، فالحولان ونصف قولُ أبي حنيفة - ﵁ -، وأمَّا عند غيرِهِ فمدَّتُه حولان (^٢)، (وعند الشافعي - ﵁ - يثبتُ بخمس مصَّات) (^٣) (^٤).
(فيحرمُ منه ما يحرمُ من النَّسب إلاَّ أمَّ أُخْتِهِ وأخيه)؛ فإن أمَّ الأُخْتِ والأخِ من النَّسب، هي الأمّ، أو موطوءة الأب، وكلٌّ منهما حرام، ولا كذلك من الرِّضاع، وهي شاملةٌ لثلاثِ صور:
الأمُّ رضاعًا للأخت، أو الأخ نسبًا (^٥).
_________________
(١) أما إذا جبن اللبن أو جعل مخيضًا أو رائبًا أو غيرها وأطعمه الصغير لا يحرم. ينظر: «عدة أرباب الفتاوى» (ص ٢١).
(٢) اختلف الفقهاء في مدّة الرضاع: فقال زفر: ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع، وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن صالح والشافعي - ﵃ -: يحرم في الحولين ولا يحرم بعدهما، ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر الوقت. وقال ابن وهب عن مالك: قليل الرضاع وكثيره محرم في الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم قليله ولا كثيره. وقال ابن القاسم عن مالك: الرضاع حولان وشهر أو شهران بعد ذلك، ولا ينظر إلى إرضاع أمه إياه إنما ينظر إلى الحولين وشهر أو شهرين. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم يكن رضاعًا بعد الحولين. ينظر: «الأم» (٥: ٢٩)، و«المدونة» (٢: ٢٩٨)، و«أحكام القرآن» للجصاص (١: ٥٦١)، و«طرح التثريب» (٧: ١٣٨)، و«حاشية العدوي» (٢: ١٢٨)، و«منح العلي» (٢: ٨٨)، و«حاشية البيجرمي» (٤: ٧٣)، و«الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٢: ٢٤٧).
(٣) ينظر: «الأم» (٧: ٢٣٧)، و«التنبيه» (ص ١٢٨)، و«أسنى المطالب» (٣: ٤١٨)، وغيرها.
(٤) زيادة من أ وب وس وف.
(٥) كأن يكون لرجل أخت من النسب، ولها أمّ من الرضاع حيث يجوز له أن يتزوج أم أخته من الرضاع. ينظر: «مجمع الأنهر» (١: ٣٧٦).
[ ٣ / ٥١ ]
وأختَ ابنِه، وجدَّةَ ابنِه، وأُمَّ عمِّه، وعمَّتِه، وخالِه، وخالتِه للرَّجل، وأخا ابن المرأةِ لها رضاعًا
والأمُّ نسبًا للأخت، أو الأخِ رضاعًا (^١).
والأمُّ رضاعًا للأخت، أو الأخِ رضاعًا (^٢).
فإن قيل: قولُهُ: إلاَّ أمَّ أختِهِ؛ إن أريدَ بالأمِّ الأمُّ رضاعًا، وبالأختِ الأختُ رضاعًا لا يشملُ ما إذا كانت أحدُهما فقط بطريقِ الرِّضاع، وإن أريدَ بالأمَّ الأمُّ نسبًا، وبالأختِ الأختُ رضاعًا، أو بالعكس، لا يشملُ الصُّورتين الأُخريين.
قلنا: المرادُ ما إذا كانت إحداهما فقط (^٣) بطريقِ الرِّضاعِ أعمَّ من أن يكونَ إحداهما فقط، أو كلٌّ منهما.
(وأختَ ابنِه)؛ لأنّ (^٤) أختَ الابن من النَّسب، إمِّا البنت، وإمَّا الرَّبيبة (^٥)، و(أيَّتهما كانت) (^٦) قد وطئت أُمُّها، ولا كذلك من الرِّضاع.
(وجدَّةَ ابنِه): جدَّةُ الابن نسبًا (إمِّا أُمُّهُ أو) (^٧) أمُّ موطوءته، ولا كذلك من الرِّضاع.
(وأُمَّ عمِّه، وعمَّتِه، وخالِه، وخالتِه)، اعلم أنَّ أمَّ هؤلاءِ (نسبًا إمَّا) (^٨) موطوءةُ الجدِّ الصَّحيح، أو الجدِّ الفاسد، ولا كذلك من الرِّضاع، ولا تنسَ الصَّورَ الثَّلاث في جميعِ ما ذكرنا.
(للرَّجل): أي هذه النِّساءُ المذكورة لا تحرم للرَّجل إذا كانت من الرِّضاع.
(وأخا ابن المرأةِ لها رضاعًا): أي لا يحرمُ أخو ابن المرأةِ لها إن كان من الرِّضاع،
_________________
(١) كأن يكون له أخت من الرضاع، ولها أم من النسب حيث يجوز له أن يتزوج أمّ إخته من النسب. «درر الحكام» (١: ٣٥٦).
(٢) كأن يجتمع الصبي والصبية الأجنبيان على ثدي امرأة أجنبية والصبية أم أخرى من الرضاعة، فإنه يجوز لذلك أن يتزوج أم أخته من الرضاع. ينظر: «درر الحكام» (١: ٣٥٦)، «مجمع الأنهر» (١: ٣٧٦).
(٣) زيادة من س وص وم.
(٤) زيادة أ وب وس.
(٥) الرَّبيبة: واحدة الرَّبائب، وهي بنت امرأة الرجل؛ لأنه يربِّيها في الغالب. ينظر: «المغرب» (ص ١٨١).
(٦) زيادة من أ وم.
(٧) زيادة من أ وب وس.
(٨) زيادة من أ وب وس.
[ ٣ / ٥٢ ]
وَتَحِلُّ أختُ أخيه رضاعًا، كما تحلُّ نسبًا: كأخٍ من الأبِ له أختٌ من أُمِّهِ تحلُّ لأخيهِ من أبيه. ورضيعا ثدي كأخٍ وأختٍ لا شاربا لبنِ شاة، وحُكْمُ خلطِ لبنِها بماء، أو دواء
واعلم أنَّ هذا مكرَّر؛ لأنَّه ذَكَرَ أمَّ الأخ، ولمَّا كانت المرأةُ أمَّ أخِ الرَّجل، كان الرَّجلُ أخا ابن تلك المرأة.
وعبارةُ «المختصر» كانت كذلك: فيحرمُ منه ما يحرمُ من النَّسب إلاَّ أمَّ أولادِ أصولِه، وأختَ ابنِه، وجدَّتَه.
فأولادِ الأصولِ: الأخ، والأخت، والعمّ، والعمَّة، والخال، والخالة، فأمُّ هؤلاء تحرم من النَّسبِ لا من الرِّضاع.
ثُمَّ غَيَّرْتُ العبارة إلى هذا: فيحرمانِ مع قومِهما عليه كالنَّسب، وفروعِه، والزَّوجان عليهما (^١): أي تحرمُ المرضعةُ وزوجُها على الرَّضيع، ويحرمُ قومُهما (^٢) على الرَّضيع كما في النَّسب، وتحرم فروعُ الرَّضيعِ على المرضعةِ وزوجِها، ويحرمُ زوجُ الرَّضيع على المرضعةِ وزوجِها: أي الرَّضيعُ إن كان ذكرًا تحرمُ زوجتُهُ على زوجِ مرضعتِه، وإن كان الرَّضيعُ أُنثى يحرمُ زوجُها على مرضعتِها، وضابطهُ ما في هذا البيت الفارسي:
از جانب شيردِهْ هَمَه خويش شوند وز جانب شيرخواره زوجان وفروع (^٣)
(وَتَحِلُّ أختُ أخيه رضاعًا، كما تحلُّ نسبًا: كأخٍ من الأبِ له أختٌ من أُمِّهِ تحلُّ لأخيهِ من أبيه.
ورضيعا ثدي كأخٍ وأختٍ لا شاربا لبنِ شاة، وحُكْمُ خلطِ لبنِها بماء، أو دواء،
_________________
(١) انتهى من «النقاية» (ص ٨٣).
(٢) وهم أصول المرأة التي أرضعت، وفروعها من ذلك الزوج أو غيره، وإخوتها، وأخواتها، وإخوة أصولها وأخواتهم، وأصول الزوج، وفروعه من تلك المرأة أو غيرها، وإخوته، وأخواته، وإخوة أصوله وأخواتهم. ينظر: «فتح باب العناية» (٢: ٨٥).
(٣) مفاد الشطر الأول: إن من جانب المرضعة، وكذا زوجها يكون الكلّ ذا قرابة من الرضيع: أي الذين لهم قرابة محرمة من النسب فيدخل فيه المرضعة وزوجها واقرباؤهما، ومفاد الشطر الثاني: إن من جانب الرضيع إنِّما يثبت القرابة للمرضعة وزوجها من فروعه وأحد زوجيه. ينظر: «العمدة» (١: ٦٧).
[ ٣ / ٥٣ ]
أو لبنِ امرأةٍ أُخْرى، أو شاةٍ بالغلبة، وبطعامٍ الحلُّ كما في لبنِ رجل واحتقانُ صبيٍّ بلبنِها. وحرمُ بلبنِ البكر، والميتة. وإن رضعَّتْ ضرَّتَها حَرُمَتا، ولا مهرَ للكبيرةِ إن لم توطأ، وللرَّضيعةِ نصفُه، ورجعَ به على المرضعة إن قصدَتْ الفساد، وإلاَّ فلا، وحجَّتُه رجلان، أو رجلٌ وامرأتان
أو لبنِ امرأةٍ (^١) أُخْرى (^٢)، أو شاةٍ بالغلبة، وبطعامٍ الحلُّ) (^٣): أي حكمُ خلطِ لبنِها بطعامٍ الحِلُّ، (كما في لبنِ رجل): أي إذا نَزَلَ للرَّجلِ لبنٌ فشربَهُ صبيٌّ لا يتعلَّق به حرمةُ الرِّضاع، (واحتقانُ (^٤) صبيٍّ بلبنِها.
وحرمُ بلبنِ البكر (^٥)، والميتة.
وإن رضعَّتْ ضرَّتَها حَرُمَتا): أي إذا أرضعَتْ امرأةٌ ضرَّتَها حالَ كونِ الضُّرَّةِ رضيعةٍ حرمتا على الزَّوج، (ولا مهرَ للكبيرةِ إن لم توطأ، وللرَّضيعةِ نصفُه، ورجعَ به على المرضعة إن قصدَتْ الفساد، وإلاَّ فلا، وحجَّتُه رجلان، أو رجلٌ وامرأتان) (^٦).
* * *
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) هذا على قول أبي يوسف - ﵁ -، وهو اختيار المتون مثل: «الكنْز» (٥٠)، و«الملتقى» (ص ٥٧)، و«النقاية» (ص ٨٣)، وغيرها، وعند محمد - ﵁ - تتعلق الحرمة بهما، وعن الإمام روايتان، ورجح بعض المشايخ قول محمد، وفي «الغاية» هو أظهر، وأحوط، وقيل: إنه أصح، وهو اختيار صاحب «الهداية» (١: ٢٢٥)؛ لتأخّر دليل محمد - ﵁ -. ينظر: «الشرنبلالية» (١: ٣٥٧).
(٣) أي إن اختلط بلبنها الطعام لم يتعلق به التحريم وإن كان اللبن غالبًا عند الإمام، وعندهما: إذا كان اللبن غالبًا يتعلق به التحريم. ينظر: «الهداية» (١: ٢٢٤).
(٤) احتقان: من حَقَنْتُ المريضَ: إذا أَوصلتُ الدَّواءَ إلى باطنِهِ من مَخْرَجِهِ بالمِحْقَنَة، وَاحْتَقَنَ هو، والاسمُ الحُقْنَةُ، ثمَّ أطلقتْ على ما يُتَدَاوَى به والجَمْعُ حُقَنٌ. ينظر: «المصباح» (ص ١٤٤ - ١٤٥).
(٥) أي بنت تسع سنين فأكثر، والمراد التي لم تجامع قط بنكاح أو سفاح، وإن كانت العذرة غير باقية كأن زالت بنحو وثبة. ينظر: «رد المحتار» (٢: ٤٠٨).
(٦) أي الشهادة على الإرضاع لا تقبل إلا بما يثبت به الشهادة على المال، وهو رجلان أو رجل وامرتان. ينظر: «الإفصاح عن شهادة المرأة في الإرضاع» (ص ١٠).
[ ٣ / ٥٤ ]