هي لا تَجِبُ إلاَّ في نصابٍ حولِيٍّ فاضلًا عن حاجتِهِ الأصليَّة
كتاب الزكاة
(هي لا تَجِبُ إلاَّ في نصابٍ حولِيٍّ فاضلًا عن حاجتِهِ الأصليَّة) (^١).
اعلم أنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ إلاَّ في نصابٍ نام، والحولُ هو الممكِّنُ من الاستنماء؛ لاشتمالِهِ على الفصولِ الأربعة، والغالبُ فيها تفاوتُ الأسعار، فاقيمَ مُقامَ النَّماء، فأديرَ الحكمُ عليه، هذا هو المذكورُ في «الهداية» (^٢).
وفيه نظر؛ لأنَّ هذا يقتضي أنَّه إذا حالَ الحولُ على النِّصابِ تَجِبُ الزَّكاة سواءٌ وُجِدَ النَّماء، أو لم يوجد، كما في السَّفر، فإنَّه أقيمَ مقامَ المشقَّة، فيدارُ الرُّخصةُ عليه سواءٌ وَجَدَ المشقَّةَ أم لا، لكن ليس كذلك (^٣)، بل لا بُدَّ مع الحولِ من شيءٍ آخر، وهو الثَّمنيَّةُ كما في الثَّمنين: أي الذَّهب والفضَّة، أو السَّوم (^٤) كما في الأنعام، أو نيَّةِ التِّجارة في غير ما ذَكَرْنا، حتَّى لو كان له عبدٌ لا للخدمة، أو دارٌ لا للسُّكْنَى، ولم ينوِ التِّجارةَ لا تجبُ فيهما الزَّكاة، وإن حالَ عليهما الحول (^٥).
_________________
(١) قال الخصاف: كره بعض أصحابنا الحيلة على إسقاط الزكاة، ورخص فيها بعضهم، قال السرخسي: ذكر الخصاف الحيلة في إسقاط الزكاة وأراد به المنع عن الوجوب لا الإسقاط بعد الوجوب، ومشايخنا أخذوا بقول بالكراهية دفعًا للضرر عن الفقراء. ينظر: «المحيط» (حيل) (ص ٨٣ - ٨٤).
(٢) الهداية» (١: ٩٦).
(٣) أي ليس مجرَّدُ حولانِ الحولِ كافيًا لوجوبِ الزَّكاة.
(٤) السَّوم: من سامت تسوم سومًا: أي رعت. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ٣٤). وفي «الخانية» (١: ٢٤٥): السائمة: هي الراعية التي تكتفي بالرعي، فإذا علفت فهي علوفة، والعبرة في ذلك لأكثر السنة.
(٥) ما أورد الشارح على صاحب «الهداية» ردَّه اللكنوي في «عمدة الرعاية» (١: ٢٦٧): بإنَّ غرضَ صاحبِ «الهداية» من العبارةِ المذكورةِ ليس إلاَّ ذكر أنَّ الحولَ قائمٌ مقامَ النَّماء، والنَّماءُ الحقيقيُّ غيرُ معتبر، وإنَّ الحكمَ دائرٌ على الحولِ لا على النَّماء، وهو حاصلٌ منه، وأمَّا كونُهُ مشروطًا بأمرٍ آخرَ أو غيرَ مشروطٍ فهو بمعزلٍ عنه، وقد دلّ كلامُ «الهداية» قبل هذه العبارةِ وبعدها على اشتراطِ الشُّروطِ الأخرى التي ذكرَها الشَّارح كما لا يخفى على مَن طالعها.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
مملوكٌ مُلكًا تامًا على حرٍّ مكلَّف مسلم، فلا تجبُ على مكاتب ومديونٍ مطالبٍ من جهةِ عبدٍ بقدرِ دينِه، ولا في مالٍ مفقود، وساقطٍ في بحر، ومغصوبٍ لا بيِّنةَ عليه، ومدفونٍ في بَرْيَّةٍ
ولا بُدَّ أن يكونَ فاضلًا عن حاجتِهِ الأصليَّةِ كالأطعمة، والثِّياب، وأثاثِ المَنْزل، ودوابِّ الرُّكوب، وعبيدِ الخدمة، ودورِ السُّكْنَى، وسلاحٍ يستعملها، وآلاتِ المحترفة، والكتبِ لأهلها (^١).
(مملوكٌ مُلكًا تامًا): أي رقبةً، ويدًا (^٢)، (على حرٍّ مكلَّف): أي عاقل، بالغ، (مسلم، فلا تجبُ على مكاتب (^٣»؛ لعدمِ الملكِ التَّام، فإن له ملكَ اليدِ لا ملكِ الرَّقبة، (ومديونٍ مطالبٍ من جهةِ (^٤) عبدٍ بقدرِ دينِه)؛ لأنَّ ملكَهُ غيرُ فاضلٍ عن الحاجةِ الأصليَّة، وهي قضاءُ الدَّين، وإنِّما قيَّدَ بكونِه مطالبًا من عبد حتَّى لو كان مطالبًا من اللهِ لا يمنعُ وجوبَ الزَّكاة، كمنَ ملكَ نصابًا بعضُهُ مشغولٌ بدينِ الله كالنَّذر، أو الكفارة، أو الزَّكاة (^٥) تجب فيه الزَّكاة، ولا يشترطُ لوجوبِ الزَّكاة فراغُهُ عن هذا الدَّين.
وقولُهُ: بقدرِ دينِهِ، متعلِّقٌ بقولِهِ: فلا تَجِب: أي لا تَجِبُ على المديونِ بقدر ما يكونُ مالُهُ مشغولًا بالدَّين.
(ولا في مالٍ مفقود، وساقطٍ في بحر، ومغصوبٍ لا بيِّنةَ عليه، ومدفونٍ في بَرْيَّةٍ (^٦)
_________________
(١) التقييد بأهلها غير معتبر المفهوم إلا أنه يراد به إخراجها عن حاجته الأصلية، فالكتب لا زكاة فيها على الأهل وغيرهم من أي علم كانت لكونها غير نامية، وإنما الفرق بين الأهل وغيرهم في جواز أخذ الزكاة والمنع عنه فمن كان من أهلها إذا كان محتاجًا إليها للتدريس والحفظ والتصحيح، فإنه لا يخرج بها عن الفقر، فله أخذ الزكاة، وتمامه في «رد المحتار» (٢: ٨)، وينظر: «البحر» (٢: ٢٢٢).
(٢) يعني يكون مملوكًا له ذاتًا وتصرُّفًا بحيث يقدرُ على التَّصرُّفِ فيه، وعلى الانتقالاتِ الملكيّةِ فيه. ينظر: «رد المحتار» (٢: ٤ - ٥)، و«العمدة» (١: ٢٦٩).
(٣) مكاتب: أي العبد الذي كاتبه سيده على مال مقابل أن يعتقه. ينظر: «الاختيار» (٤: ٢٧٢).
(٤) زيادة من ب وج وس.
(٥) التمثيل بالزكاة هنا إنما يكون على رأي زفر - ﵁ - وعلى رواية غير معتبرة عن أبي يوسف - ﵁ -، والمعتبر عن الأئمة الثلاث أن دين الزكاة يمنع حال بقاء النصاب وكذا بعد الاستهلاك؛ لأن الإمام ونوابه يطالبونه في الأموال الظاهرة والباطنة. ينظر: «الإيضاح» (ق ٢٦/ب)، و«الدرر» (١: ١٧٢)، و«رد المحتار» (٢: ٥)، و«العمدة» (١: ٢٦٩).
(٦) البَريَّة: أي المفازة، وقيد بها؛ لأن المدفون في الدار والبستان نصاب؛ لأنه يمكن حفر جميع الدار والبستان والوصول إليه. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٥٦/ب).
[ ٢ / ٢٠١ ]
نُسِي مكانُه، ودين جحدَهُ المديونُ سنين ثُمَّ أقرَّ بعدَها عند قوم، وما أُخِذَ مصادرةً ووصلَ إليه بعد سنين، بخلافِ دينٍ على مُقرٍّ مليء، أو معسر، أو مُفْلِس، أو جاحد عليه ببيِّنة، أو عَلِمَ به قاض، ولا يبقى للتِّجارة ما اشتراهُ لها فَنَوَى خدمتَه، ثُمَّ لا يصيرُ للتِّجارة وإن نواهُ لها ما لم يَبِعْه، وما اشترى للتِّجارة كان لها، لا ما وَرِثَه ونوى لها، وما ملكه بهبة، أو وصيَّة، أو نكاح، أو خُلع، أو صُلْح عن قَوَد ونواهُ لها كان لها عند أبي يوسف - ﵁ -، لا عند محمَّد - ﵁ -، وقيل: الخلافُ على عَكسِه
نُسِي مكانُه، ودين جحدَهُ المديونُ سنين ثُمَّ أقرَّ بعدَها عند قوم، وما أُخِذَ مصادرةً (^١) ووصلَ إليه بعد سنين)، هذه الأمثلةُ أمثلة المال الضِّمار (^٢)، وعندنا لا تجب الزَّكاةُ في المالِ الضِّمار، خلافًا للشَّافِعِيِّ (^٣) - ﵁ -؛ بناءً على اشتراطِ الملكِ التَّام، فهو مملوكٌ رقبةً لا يدًا، والخلافُ فيما إذا وَصَلَ المالُ الضِّمار إلى مالكِهِ، هل تجبُ عليه زكاةُ السِّنين التي كان المالُ فيها ضمارًا أم لا؟
(بخلافِ دينٍ على مُقرٍّ مليء، أو معسر، أو مُفْلِس، أو جاحد عليه ببيِّنة، أو عَلِمَ به قاض)، فإنَّه إذا وَصَلَت هذه الأموالُ إلى مالكِها تجبُ زكاةُ الأيَّامِ الماضيَّة.
(ولا يبقى للتِّجارة ما اشتراهُ لها فَنَوَى خدمتَه، ثُمَّ لا يصيرُ للتِّجارة وإن نواهُ لها ما لم يَبِعْه (^٤)، وما اشترى للتِّجارة كان لها، لا ما وَرِثَه ونوى لها، وما ملكه بهبة، أو وصيَّة، أو نكاح، أو خُلع، أو صُلْح عن قَوَد (^٥) ونواهُ لها كان لها عند أبي يوسف - ﵁ -، لا عند محمَّد (^٦) - ﵁ -، وقيل: الخلافُ على عَكسِه)، فالحاصلُ أن ما عدا الحجرينِ والسَّوائم إنِّما تَجِبُ فيها الزَّكاةُ بنيَّةِ التِّجارة.
_________________
(١) مصادرة: وهو ما يأخذُهُ السُّلطانُ من رعيته من غيرِ حقّ، والفرقُ بينَهُ وبينَ الغصبِ أنَّ الغصبَ أخذُ المالِ مباشرةً قهرًا، والمصادرةُ أن يأمرَهُ بأن يأتيَ به. ينظر: «العمدة» (١: ٢٧٠).
(٢) الضمار من المال: ما لا يرجى رجوعه. ينظر: «اللسان» (٤: ٢٦٠٧).
(٣) ينظر: «التنبيه» (ص ٣٧)، و«المهذب» (١: ١٤٢)، و«حلية العلماء» (٣: ١٣)، وغيرها.
(٤) أي إذا أخرجَ عبدًا وغيره عن التِّجارةِ ونوى خدمتَهُ لا يكون أبدًا للتِّجارة، وإن نواهُ لها، إلا أن يبيعَهُ أو يؤجِّرَه. ينظر: «الدر المختار» (٢: ١٠).
(٥) القَوَد: القِصاص. ينظر: «القاموس» (١: ٣٤٣).
(٦) قال الحصكفي عن قول محمد - ﵁ - في «الدر المختار» (٢: ١٤)، «الدر المنتقى» (١: ١٩٦): هو الأصح.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ولا أداءَ إلاَّ بنيَّةٍ قُرِنَتْ به، أو بعزل قَدْرِ ما وَجَب، وتصدُّقُهُ بكلِّ مالِه بلا نيَّةٍ مُسْقِطٌ، وببعضِهِ لا عند أبي يوسف - ﵁ -، وعند محمد - ﵁ - سقط زكاة المؤدَّى.
ثُمَّ هذه النِّيَّةُ إنِّما تعتبرُ إذا وُجِدَتْ زمانَ حدوثِ سببِ الملك، حتَّى لو نَوَى التِّجارة بعد حدوثِ سببِ الملك لا تَجِبُ فيه الزَّكاةُ (بنية التِّجارة) (^١)، وهذا معنى قولِهِ: ثُمَّ لا يصيرُ للتِّجارة، وإن نواهُ لها.
ثُمَّ لا بُدَّ أن يكونَ سببُ الملكِ سببًا اختياريًا، حتَّى لو نوى التِّجارةَ زمانَ تملُّكِهِ بالإرث لا تجب فيه الزَّكاة، ثُمَّ ذلك السَّبب الاختياري، هل يجبُ أن يكونَ شراءً أم لا؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - ﵃ - لا (^٢)، وعند محمَّد - ﵁ - تجب، وقيل: الخلافُ على العكس، فعند أبي يوسف - ﵁ - لا بُدَّ أن يكونَ شراء، وعند محمَّد لا.
(ولا أداءَ إلاَّ بنيَّةٍ قُرِنَتْ به، أو بعزل قَدْرِ ما وَجَب، وتصدُّقُهُ بكلِّ مالِه بلا نيَّةٍ مُسْقِطٌ، وببعضِهِ لا عند أبي يوسف (^٣) - ﵁ -، (وعند محمد - ﵁ - سقط زكاة المؤدَّى) (^٤»: أي إذا تصدَّقَ بجميعِ مالِهِ بلا نيِّةِ الزَّكاة (^٥) تسقط الزَّكاة، وإن تصدَّقَ ببعضِ مالِهِ تسقطُ زكاةُ المؤدَّى عند محمَّد - ﵁ - خلافًا لأبي يوسف﵁ -، حتَّى لو كان له مئتا درهم، فتصدَّقَ بمئة درهم، تسقط عند محمَّد - ﵁ - زكاةُ المئةِ المؤدَّاة، وعند أبي يوسفَ - ﵁ - لا تسقط عنه زكاةُ شيءٍ أصلًا.
_________________
(١) ساقطة من ص وم، وفي أ وب وس: بنيته.
(٢) أي لا يجبُ أن يكونَ شراء، بل كلُّ عملٍ موجبٍ للملك إذا اقترنت به نيَّةُ التِّجارةِ يكفي.
(٣) وقول أبي يوسف هو المختار ينظر: «الهداية» (١: ٩٨)، و«الملتقى» (ص ٢٩)، و«الدر المختار» (٢: ١٢).
(٤) زيادة من ق.
(٥) في هذا القيدِ مسامحة، فإنّه لو نوى بتصدُّقِ جميعِ المالِ النَّذرِ أو الكفَّارة أو غيرهما يقعُ عمَّا نوى ويضمنُ الزَّكاةَ مع أنه يصدقُ عليه أنه تصدَّق بلا نيَّةِ الزَّكاة، ولقد أحسنَ المصنِّفُ حيث قال: بلا نيَّة، على سبيلِ الإطلاق، ولم يتنبَّه الشَّارحُ على دقيقةِ اطلاقه. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٢٧٢).
[ ٢ / ٢٠٣ ]