قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية
كتاب الطهارة (^١)
اكتفى بلفظِ الواحدِ مع كثرةِ الطَّهارات؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ المصدرَ لا يُثنَّى ولا يُجْمَعُ؛ لكونِها (^٢) اسمُ جنسٍ (^٣) يشملُ جميعَ أنواعِها، وأفرادِها، فلا حاجةَ إلى لفظِ الجمع.
(قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (^٤» افتتحَ الكتابَ بهذه الآيةِ تيمُّنًا؛ ولأنَّ الدَّليلَ أصل، والحكمُ فرعُه، والأصلُ مقدَّمٌ بالرُّتبةِ على الفرع. ثمَّ لمَّا كانت الآيةُ دالَّةً على فرائضِ (^٥) الوضوء (^٦)، أدخلَ فاءَ التَّعقيبِ في قوله:
_________________
(١) وجَّه عبد الحي اللكنوي في «السعاية» (ص ٢٤) اختيار صاحب «الهداية»: الطهارات، واختيار صاحب «الوقاية»، فقال: مرجِّحُ أحد المسلكين هو التصور بوجه ما، فإن المصنف تصور الطهارة بأنها مصدر جنس، فمال قصده إلى إفراده، وصاحب «الهداية» تصور بأنه كثير الافراد، فمال قصده إلى جمعه، وهذا هو غرض الشارح من تبيان الأصل.
(٢) لا وجه لتأنيث الضمير في لكونها؛ لأنه لا يصلح رجوع الضمير إلى الطهارة، بل يجب أن يرجع إلى المصدر. ينظر: «حاشية عصام الدين على شرح الوقاية» (ق ٣/أ).
(٣) اسم الجنس هو ما دلّ على الماهية المطلقة الصادقة على القليل والكثير، ويسمّى اسم جنس إفراديًا، وبهذا المعنى يطلق على المصادر كلّها وعلى مثل ماء وعسل ونحوهما؛ لذا قيل: إن المصادر لا تثنّى ولا تجمع ولا تؤنَّث، ومَن جمعَ أو ثنَّى لا بدّ أن يكون قد ارتكب تأويلًا، وقوله: لكونها؛ علةٌ لقوله: لأن الأصل أن المصدر. والله أعلم. أفاده الشيخ قاسم بن نعيم الحنفي.
(٤) المائدة، الآية (٦)، وتتمتها: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ …﴾.
(٥) استعمل صاحب «التنوير» (١: ٦٣)، وصاحب «المراقي» (ص ٩٧)، وصاحب «الهداية» (ص ٢٣) أركان بدل فرائض، وهو حسن في دلالة الركن على المراد.
(٦) قال السُّهَيلي: كانت فريضة الوضوء بمكة، ونزلت آيته بالمدينة، أخرج الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤: ١٧٤)، والبزار في «مسنده» (٤: ١٦٧)، وغيرهم، عن أسامة بن زيد أنَّ أباه حدَّثه: (أن الرسول - ﷺ - في أوَّل ما أوحي إليه أتاه جبرائيل فعلمه الوضوء …) وزعم ابنُ الجَهْم المالكي أنه كان مندوبًا قبل الهجرة، وابنُ حزم أنه لم يشرع إلى في المدينة. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٤١).
[ ٢ / ٦ ]
ففرضُ الوضوء: غسلُ الوجهِ من الشَّعر إلى الأذن وأسفلُ الذَّقن واليدين، والرِّجلين، مع المرفقين والكعبين
(ففرضُ الوضوء:
غسلُ الوجهِ من الشَّعر): أي من قصاصِ شعرِ الرَّأس، وهو منتهى منبت شعرِ الرَّأس (إلى الأذن) فيكون ما بين العِذارِ (^١) والأُذُنِ داخلًا في الوجه، كما هو مذهبُ أبي حنيفةَ - ﵁ - ومحمَّدٍ - ﵁ - فيفرضُ غسلُه، وعليه أكثرُ مشايخنا (^٢) - ﵃ -.
وذكرَ شمسُ الأئمَّة الحَلْوَانيُّ (^٣) - ﵁ -: يكفيه أن يَبُلَّ ما بين العِذارِ والأُذُن، ولا يجب إسالةُ الماءِ عليه؛ بناءً على ما رُوي عن أبي يوسفَ - ﵁ -: أنَّ المصلِّي إذا بَلَّ وجهَهُ وأعضاءَ وضوئِهِ بالماء، ولم يسلْ الماءُ عن العضو جاز، لكن قيلَ تأويلُهُ: أنّه سالَ من العضوِ قطرةٌ أو قطرتان (^٤)، ولم يتدارك.
(وأسفلُ الذَّقن) فتممَّ حدودَ الوجهِ من الأطرافِ الأربعة (^٥).
ثمَّ عَطَفَ على الوجه قولَه: (واليدين، والرِّجلين مع المرفقين، والكعبين (^٦»
_________________
(١) العِذار: استواء شعر الغلام، يقال ما أحسن عِذاره، أي خطَّ لحيته. ينظر: «اللسان» (٤: ٢٨٥٧).
(٢) قال الحصكفي في «الدر المختار» (١: ٦٦): وبه يفتى. وقال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٦٦): وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. وفي «المراقي» (ص ٩٨): وعن أبي يوسف سقوطه بنبات اللحية. وفي «الدر المنتقى» (١: ١٠): وإن كان امراةً أو أمردًا فغلسه واجب اتفاقًا.
(٣) وهو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوَانِيّ، بفتح الحاء، وسكون اللام، بعدها واو، ثم ألف ساكنة في آخرها نون أو همزة، نسبة إلى عمل الحلوى، قال ابن ماكولا: إمام أهل الرأي في وقته ببخارا، من مؤلفاته: «المبسوط»، و«النوادر»، و«الفتاوي». وقد اختلفوا في وفاته فأرَّخ القاري في «الأثمار الجنية» (ق ٣٥/أ) وفاته سنة (٤٤٨ هـ)، وهو ما أرَّخ به صاحب «الأعلام» (٤: ١٣٦)، وفي «تاج التراجم» (ص ١٩٠): صحح الذهبي أنَّ وفاته سنة (٤٥٦ هـ).
(٤) وفي الوضوء بالثلج يكفي قطرتان اتفاقًا. ينظر: «حاشية عصام الدين» (ق ٦/أ).
(٥) وهي طولًا: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضًا: ما بين شحمتي الأذنين. ينظر: «المراقي» (ص ٩٧ - ٩٨). ولا يجب غسل باطن العينين والأنف، والفم، وأصول شعر الحاجبين، واللحية الكثة، والشارب، وونيم ذباب للحرج. ينظر: «الدر المختار» (١: ٦٦).
(٦) يستحبُّ ابتداء الغسل من رؤوس الأصابع في اليدين والرجلين؛ لأنه سبحانه جعل المرافق والكعبين غاية الغسل، فينبغي أن تكون نهاية الفعل. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢١).
[ ٢ / ٧ ]
خلافًا لزُفَرَ (^١) - ﵁ -، فإنَّ عنده لا يَدْخُلُ المرفقانِ والكعبانِ في الغَسل؛ لأنَّ الغايةَ لا تدخلُ تحتَ المغيَّا (^٢).
ونحن نقول: إن كانت الغايةُ بحيثُ لو لم تدخلْ فيها كلمةُ: إلى، لم يتناولْها صدرُ الكلام، لم يدخلْ تحت المغيَّا، كاللَّيلِ في الصَّوم.
وإن كانت بحيثُ يتناولُها الصَّدرُ كالمتنازعِ فيه تدخلُ تحتَ المغيَّا (^٣)، بناءً على أنَّ للنَّحويِّين في: إلى؛ أربعةُ مذاهب:
الأوَّل: دخولُ ما بعدَها فيما قبلها إلا مجازًا.
والثَّاني: عدمُ الدُّخولِ إلا مجازًا (^٤).
والثَّالث: الاشتراك (^٥).
والرَّابع: الدُّخولُ إن كانَ ما بعدها من جنسِ ما قبلها، وعدمُهُ إن لم يكن (^٦).
فهذا المذهبُ الرَّابعُ يوافقُ ما ذكرنا في اللَّيل (^٧) والمرافق (^٨).
_________________
(١) وهو زفر بن الهُذَيْل بن قيس العَنْبَرِيّ البصري صاحب أبي حنيفة، كان يفضِّلُه، ويقول: هو أقيس أصحابي، قال الذهبي: كان ثقة في الحديث، موصوفًا بالعبادة، ألف بيري زاده مصنفًا في المسائل المفتى بها على رأيه المذهب الحنفي، وهي سبع عشرة مسألة، له نسخة مخطوطة في دار صدام للمخطوطات، (١١٠ - ١٥٨ هـ). ينظر: «وفيات الأعيان» (٢: ٣١٧). «العبر» (١: ٢٢٩)، «الفوائد» (ص ١٣٢). أفرده الكوثري بتأليف سمّاه «لمحات النظر في سيرة الإمام زفر».
(٢) أي زفر يقول فيما ذهب إليه أن الغاية: أي الحدّ لا تدخل تحت المغيا: أي المحدود. ينظر: «البناية في شرح الهداية» (١: ١٠٧).
(٣) قال صدر الشريعة في «التوضيح» (١: ١١٦): الغاية إن كانت غاية قبل تكلمه نحو أكلت السمكة إلى راسها لا تدخل تحت المغيا، وإن لم تكن غاية قبل تكلُّمه، فصدر الكلام إن لم يتناولها فهي لمد الحكم نحو: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن صدر الكلام لا يتناول الغاية، وهي الليل فتكون الآية حينئذ لمد الحكم إليها، وإن تناول صدر الكلام الغاية نحو اليد فإنها تتناول المرافق.
(٤) أي كالمرافق فدخولها تحت حكم المغيا يكون بطريق المجاز على المذهب. ينظر: «التوضيح» (١: ١١٦). وهذا المذهب هو الذي صححه ابن هشام في «مغني اللبيب» (١: ٧٤).
(٥) أي دخول الغاية تحت المغيا في: إلى، بطريق الحقيقة، وعدم الدخول أيضًا بطريق الحقيقة. ينظر: «التوضيح» (١: ١١٦).
(٦) ذهب التفتازاني في «التلويح» (١: ١٦٦)، وابن الهمام في «التحرير» (ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، والقاري في «فتح باب العناية» (١: ٢٣): إلى أن المحقِّقين من النحاة قالوا: معنى: إلى؛ الغاية مطلقًا، وأما دخول ما بعدها في حكم ما قبلها أو خروجه عنه، فأمر يدور مع الدليل؛ لذلك قال القاري: أخذ زفر وداود فيهما بالمتيقَّن، فلم يدخلاها في الغسل، وأخذ الجمهور بالاحتياط وأدخلوها فيه؛ لكونه - ﷺ - أدار الماء على مرافقه.
(٧) أي أن صدر الكلام لما لم يتناول الغاية لا تدخل تحت المغيا. ينظر: «التوضيح» (١: ١١٦).
(٨) أي أن صدر الكلام لما تناول الغاية تدخل تحت حكم المغيا. ينظر: «التوضيح» (١: ١١٦).
[ ٢ / ٨ ]
وأمَّا الثَّلاثةُ الأُوَل: فالأوَّلُ يعارضُهُ الثَّاني، فتساويا، والثَّالثُ أوجبَ التَّساوي أيضًا، فوقعَ الشَّكُ في مواضعِ استعمالِ كلمة: إلى.
ففي مثل صورة: اللَّيل في الصَّوم، إنَّما وَقَعَ الشَّكُّ في التَّناولِ والدُّخول، فلا يثبتُ التَّناولُ بالشَّكّ.
وفي مثلِ صورة: النِّزاع، إنَّما وقعَ الشَّكُّ في الخروجِ بعدما ثبتَ تناولُ صدرِ الكلامِ والدُّخولُ فيه، فلا يخرجُ بالشَّكّ.
وما ذكرُوا (^١) أنَّها غايةُ الإسقاط فمشهور في الكتب (^٢)، فلا نذكرُه. ثمَّ الكعبُ (^٣) في رواية هشام (^٤) - ﵁ - عن محمَّد - ﵁ -: هو المفصلُ الذي في وسطِ القدمِ عند معقدِ الشِّراك (^٥)،
لكنَّ الأصحَّ (^٦) أنَّها العظمُ النَّاتئُ الذي ينتهي إليه عظم السَّاق؛ وذلك لأنَّه تعالى اختار لفظَ الجمعِ في أعضاءِ الوضوء، فأريدَ بمقابلةِ الجمعِ بالجمع انقسامُ الآحادِ على الآحاد،
_________________
(١) أي بعض المتأخرين من أصحابنا الذين شرحوا كلام علمائنا المتقدِّمين أن: إلى؛ للغاية، والغاية لا تدخل تحت المغيَّا مطلقًا، لكن الغاية هنا ليست الغَسل، بل للإسقاط، فلا تدخل تحت الإسقاط، فتدخل تحت الغَسل ضرورة؛ وذلك لأن اليد لما كانت اسمًا للمجموع لا تكون الغاية غاية لغسل المجموع؛ لأن غسل المجموع إلى المرافق محال، فقوله: ﴿إِلَى المَرَافِق﴾ يفهم منه سقوط البعض، ومعلوم أن البعض الذي سقط غسله، هو البعض الذي يلي الإبط، فقوله: ﴿إِلَى المَرَافِق﴾ غاية لسقوط غسل ذلك البعض فلا يدخل تحت السقوط.
(٢) ينظر: «الهداية» (١: ١٢)، و«الاختيار» (١: ١٣)، و«رمز الحقائق» (١: ٧)، وغيرها.
(٣) الكعب: هو العظم النَّاتئ، مأخوذ من الكاعب، وهي الجارية التي نتأ ثديُها، أي ارتفع. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ١١).
(٤) وهو هشام بن عبيد الله الرَّازِيّ، مات محمد بن الحسن في منْزله بالرَّيِّ، ودفن في مقبرتهم، من مؤلفاته: «النوادر»، و«صلاة الأثر»، قال: لقيت ألفًا وسبعمئة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمئة ألف درهم. ينظر: «الجواهر» (٣: ٥٦٩ - ٥٧٠). «طبقات ابن الحنائي» (ص ٢٨). «الفوائد» (ص ٣٦٤).
(٥) قالوا: هو سهو من هشام؛ لأن محمدًا إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة. ينظر: «البحر الرائق» (١: ١٤)، و«رد المحتار» (١: ٦٧).
(٦) قوله الأصح ليس كما ينبغي؛ لأنه يوهم أنه يقابله صحيح، وليس كذلك، فمقابله خطأ، والواجب إطلاق الصحيح، إلا أن يقال قد يطلق الأصح ويريد الصحيح. ينظر: «حاشية عصام الدين» (ق ٧/أ).
[ ٢ / ٩ ]
ومسحُ رُبْعِ الرَّأس واللِّحية
واختارَ في الكعبِ لفظَ المثنى فلم يمكنْ أن يُرادَ به انقسامُ الآحادِ على الآحاد، فتعيَّنَ أنَّ المثنَّى مقابلٌ لكلِّ واحدٍ من أفرادِ الجمع في كلِّ رِجْلِ كعبان، وهما العظمان النَّاتئان لا معقدُ الشِّراك (^١)، فإنَّهُ واحدٌ في كلِّ رجل (^٢).
(ومسحُ رُبْعِ الرَّأس واللِّحية) المسحُ (^٣): إصابةُ اليدِ المبتلَّةِ العضو، إمَّا بَلَلًا يأخذُهُ من الإناء، أو بَلَلًا باقيًا باليدِ بعد غَسلِ عضوٍ من المغسولات (^٤). ولا يكفي البَلَلُ الباقي في يدِهِ بعد مسحِ عضوٍ من الممسوحات، ولا بَلَلٌ يأخذُهُ من بعضِ أعضائهِ سواءٌ كان ذلك العضوُ مغسولًا أو ممسوحًا، وكذا في مَسْحِ الخُفّ (^٥).
_________________
(١) الشِّراك: سَيْرُ النَّعْل، والجمع شُرُك، وأشرك النعل وشَرَّكها، جعل لها شراكًا. ينظر: «اللسان» (٣: ٢٢٥٠).
(٢) حاصل الاستدلال الذي ذكره الشارح أنه تقرَّر في مقرِّه أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولهم: ركبو دوابهم، بمعنى أن كل واحد منهم ركب دابته، ومقابلة الجمع بالمثنى لا تقتضي ذلك، كقولهم: لبسوا ثوبين، يعني أن كل واحد منهم لبس ثوبين ثوبين، إذا عرفت هذا فاعلم أن الله تعالى اختار الجمع في أعضاء الوضوء أي الوجوه والرؤوس والأيدي والمرافق، فأريد بمقتضى القاعدة مقابلة الواحد بالواحد، واختار في الكعب لفظ المثنى، فتكون مقابلة المثنى بكل فرد من أفراد الجمع، فدل ذلك على أن في كل رجل كعبين، والكعب بالمعنى الذي رواه هشام ليس إلا واحدًا في كل رجل فوجب أن يكون المراد هو العظم الناتئ. ينظر: «السعاية» (ص ٧١).
(٣) مسح: الميم والسن والحاء أصل صحيح، وهو إمرار الشيء على الشيء بسطًا. ينظر: «معجم مقاييس اللغة» (٥: ٣٢٢). قال اللكنوي في «السعاية» (ص ٧٤): وما ذكره الشارح لا يستقيم حدًا على حسب اللغة، ولا على حسب الشرع إلا بتكلفات يستغنى عن ارتكابها، فالأولى أن يقال اللام في المسح للعهد، والغرض منه ليس تحديده، بل طريقة مسح الرأس على الوجه المسنون.
(٤) قال الحاكم الشهيد بالمنع، وخطَّأه عامة المشايخ لما ذكره محمد في مسح الخف أنه إذا توضأ، ثم مسح على الخفّ ببلة بقيت على كفّه بعد الغسل جاز، وانتصر له ابن الكمال، وقال في «إيضاح الاصلاح» (ق ٢/ب): الصحيح ما قاله الحاكم فقد نص الكَرْخِيّ في «جامعه الكبير» على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد: لأنه قد تطهر به مرّة. وأقرَّه في النهر. وينظر: «رد المحتار» (١: ٦٧).
(٥) وكذا في مسح الجبيرة. ينظر: «السعاية» (ص ٧٦).
[ ٢ / ١٠ ]
واعلمْ (^١) أنَّ المفروضَ (^٢) في مسحِ الرَّأسِ أدنى ما يطلقُ عليه اسمُ المسح، وهو شعرةٌ أو ثلاثُ شعراتٍ عند الشَّافعيِّ (^٣) (^٤) - ﵁ -، عملًا بإطلاقِ النَّصّ.
وعندَ مالكٍ (^٥) (^٦): الاستيعابُ فرضٌ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (^٧)
_________________
(١) سيشرع في بيان اختلاف المذاهب في القدر المفروض في مسح الرأس، وإثبات مذهب الحنفية.
(٢) المفروض: المقدَّرُ من الفرض بمعنى التقدير، سواء كان بالدليل القطعي وهو الاعتقادي، أو الظني وهو العملي، والفرض الاعتقادي يكفر جاحده، والفرض العملي لا يكفر جاحده، فهو من جهة العمل فقط محكوم أنه فرض، لا من جهة الاعتقاد، فهو في قوة القطعي في العمل بحيث يفوت الجواز بفواته، والمجتهد قد يقوى عنده الدليل الظني حتى يصير قريبًا عنده من القطعي، فما ثبت به يسميه فرضًا عمليًا؛ لأنه يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، ويسمى واجبًا نظرًا إلى ظنية دليله، فهو أقوى نوعي الواجب، وأضعف نوعي الفرض، بل قد يصل خبر الواحد عنده إلى حدّ القطعي، ولذا قالوا: إنه إذا كان متلقى بالقبول جاز اثبات الركن به حتى ثبتت ركنية الوقوف بعرفات بقوله - ﷺ -: «الحج عرفة». والمقدار في مسح الرأس من قبيل الفرض العملي، لأن خبر الواحد ظنّي في نفسه مع قطع النظر عن صحة دلالته. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٢٣ - ٢٤)، و«كشف الستر عن فرضية الوتر» (ص ٧)، و«رد المحتار» (١: ٦٤).
(٣) وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب الشَّافِعِيّ القُرْشِيّ، أبو عبد الله، ينسب إليه المذهب الشافعي، وهو أحد مجددي المئة الثانية الهجرية، قال هلال بن العلاء: أصحاب الحديث عيال على الشافعي فتح لهم الأقفال. له: «الأم»، و«الرسالة»، (١٥٠ - ٢٠٤ هـ). ينظر: «تهذيب الأسماء» (١: ٤٤ - ٦٧). «طبقات الأسنوي» (١: ١٨ - ٢٠). «وفيات» (٤: ١٦٣ - ١٦٩).
(٤) ينظر: «الدرر البهية» (ص ١٢). «المقدمة الحضرمية» (ص ٦)، و«سفينة النجاة» وشرحه «كاشفة السجا» (ص ١٩)، و«الرياض البديعة» (ص ١٥).
(٥) وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأَصْبَحِيّ الحِمْيَريّ المَدَنِيّ، أبو عبد الله إمام دار الهجرة، ينسب إليه المذهب المالكي، له: «الموطأ»، (٩٣ - ١٧٩ هـ). ينظر: «وفيات» (٤: ١٣٥ - ١٣٩). «العبر» (١: ٢٧٢ - ٢٧٣). «طبقات الشيرازي» (ص ٥٣ - ٥٤).
(٦) ينظر: «إرشاد السالك» (ص ٦)، و«مصباح السالك» (ص ٢٥)، و«مختصر الأخضري» وشرحه «هداية المتعبد» (ص ١٣)، و«المقدمة العزية» وشرحها «الجواهر المضية» (ص ١٥)، و«عمد البيان» (ص ٢٧).
(٧) من سورة النساء، آية (٤٣).
[ ٢ / ١١ ]
وعندنا ربعُ الرَّأس (^١)
:
وقد ذكرُوا أنَّهُ إذا قيل: مسحتُ الحائط بيدي، يرادُ به (^٢) كلُّه، (لأنَّ الحائطَ اسمٌ للمجموع، وقد وقعَ مقصودًا؛ لأنَّهُ محلّ، والمحلُّ هو المقصودُ بالفعلِ المتعدي، فيرادُ بهِ كلُّه) (^٣).
وإذا قيل: مسحت بالحائط، يرادُ به (^٤) بعضه؛ لأنَّ الأصلَ في الباءِ أن تدخلَ على الوسائل، وهي غيرُ مقصودةٍ، فلا يثبتُ استيعابها، بل يكفي منها ما يتوسَّلُ به إلى المقصود، فإذا دخلَت الباءُ في (^٥) المحلِّ شُبِّهَ المحلُّ بالوسائل، فلا يثبتُ استيعابُ المحلّ.
_________________
(١) اعلم أن في مقدار مسح الرأس روايات: الأولى: وهي أشهرها مسح ربع الرأس، وهي رواية الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة - ﵃ -. كما في «درر الحكام» (١: ١٠)، وفي «رد المحتار» (١: ٦٧): الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون، كابن الهمام وابن أمير حاج، وصاحب «البحر»، و«النهر»، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم. والثانية: مقدار الناصية، واختارها القدوري، فقال في «مختصره» (ص ٢): والمفروض في مسح الرأس، وهو الربع. ومثله في «الهداية» (١: ١٢)، قال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٦٧): التحقيق أنها أقلّ منه. والثالثة: مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، قال ابن نجيم في «البحر» (١: ١٥): ذكر في «البدائع» أنها رواية الأصول، وفي «غاية البيان» أنها ظاهر الرواية، وفي «معراج الدراية» أنها ظاهر المذهب، واختيار عامة المحققين، وفي «الظهيرية»: وعليها الفتوى، ووجهوها: بأن الواجب الصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكلّ، ومع ذلك فهي غير المنصور. وفي «رد المحتار» (١: ٦٧): لكن نسبها إلى محمد، فيحمل ما في «المعراج» من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقًا.
(٢) زيادة من س.
(٣) زيادة من س.
(٤) زيادة من س.
(٥) الأولى: على؛ لأن الدخول يتعدَّى بإلى، إلا أن الشارح كثيرًا ما يتسامح في صلات الأفعال في هذا الكتاب وفي «التوضيح»، إما مسامحة ميلًا منه إلى جانب المعنى، وإما اعتمادًا على صنعة التضمين. ينظر: «السعاية» (ص ٨٢).
[ ٢ / ١٢ ]
لكن يُشْكِل هذا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (^١)، ويمكنُ أن يجابَ عنه:
أ- بأنَّ الاستيعابَ في التَّيمُّمِ لم يثبتْ بالنَّص، بل بالأحاديثِ (^٢) المشهورةِ (^٣) بأنَّ مسحَ الوجهِ في التَّيمُّمِ قائمٌ مقامَ غسلِه.
ب- فحكمُ الخَلَفِ (^٤) في المقدارِ حكمُ الأصل (^٥)، كما في مسحِ اليدين، فلو كان النَّصُّ دالًا على الاستيعابِ لَلَزمَ مسحُ اليدينِ إلى الإبطينِ في التَّيمُّم؛ لأنَّ الغايةَ لم تذكرْ في التَّيمُّم.
_________________
(١) من سورة النساء، آية (٤٣).
(٢) هي الأحاديث الواردة في باب التيمم، وقد رواها جمع من الصحابة: كابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، وعمار، وابن عباس - ﵃ -، كحديث عمار - ﵁ -: «ضرب النبي - ﷺ - بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه»، رواه البخاري في «صحيحه» (١: ٢٩)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١: ١٣٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤: ١٢٧)، وغيرهم. وللوقوف على أحاديث التيمم والكلام عليها ينظر: «نصب الراية» (١: ١٥٠ - ١٥٥).
(٣) الحديث المشهور عند الأصوليين: هو ما كان من الآحاد في عصر الصحابة - ﵃ - ثم انتشر حتى ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب في عصر التابعين وتبع التابعين، ولا اعتبار للشهرة بعد ذلك. ويفيد علم الطمأنينة، لا علم اليقين، فيرجَّح جهة الصدق، ولا يكفر جاحده بل يضلل؛ للشبهة في اتصاله، وقال الجصاص وجماعة من أصحابنا: إنه يفيد علم اليقين حتى يكفر جاحده، والصحيح الأول. ينظر: و«كشف الأسرار شرح المنار» (٢: ٧)، و«شرح ابن ملك» (ص ٢٠٧)، و«فصول البدائع» (٢: ٢١٥)، و«شرح ابن العيني» (ص ٢٠٧)، و«التبيين» (٢: ٣٥٢)، و«نور الأنوار» (٢: ٦ - ٧)، و«فتح الغفار» (٢: ٧٦)، و«حاشية الرهاوي» (٢: ٦١٥)، و«أحسن الحواشي» (ص ٧٤)، و«حاشية عزمي زاده» (٢: ٦١٥)، و«فصول الحواشي» (ص ٢٧٥)، و«حاشية ابن الحلبي» (٢: ٦١٥)، وغيرها. أما عند المحدِّثين: هو ما تكون له طرق محصورة فوق اثنين، ولم يبلغ حد التواتر. فلا يكون في سنده أقل من ثلاثة في كل طبقة، ينظر: «قمر الأقمار» (٢: ٦)، و«ظفر الأماني» (ص ٦٧ - ٦٨)، و«قواعد في علوم الحديث» (ص ٣٢). ويطلق الحديث المشهور على ما اشتهر على الألسنة مطلقًا، وإن لم يكن له إسناد واحد سواء كان صحيحًا أم ضعيفًا أم غير ذلك.
(٤) وهو مسح الوجه بالتراب.
(٥) وهو غسل الوجه بالماء.
[ ٢ / ١٣ ]
وأيضًا الحديثُ المشهور، وهو حديثُ (^١) المسحِ على النَّاصية (^٢)، دلَّ على أنَّ الاستيعابَ غيرُ مراد، فانتفى قولُ مالكٍ - ﵁ -.
وأمَّا نفيُ مذهبِ الشَّافعيِّ (^٣) - ﵁ - فمبنيٌّ على أنَّ الآيةَ مجملةٌ (^٤) في حقِّ المقدارِ لا مطلقةٌ (^٥) كما زعم؛ لأنَّ المسحَ في اللُّغة: إمرارُ اليدِ المبتلَّة (^٦).
ولا شكَّ أنَّ مماسّةَ الأنملةِ (^٧) شعرةً أو ثلاثًا لا تُسَمَّى مسحَ الرَّأس، وإمرارُ اليدِ يكونُ له حدّ، وهو غيرُ معلوم، فيكونُ مجملًا؛ ولأنَّهُ إذا قيل: مسحتُ بالحائط، يرادُ به البعض، وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (^٨) يرادُ (^٩) الكلّ، فتكونُ الآيةُ في المقدارِ مجملة، ففعلُهُ - ﷺ - أنَّهُ «مسحَ على ناصيتِه» (^١٠) يكون بيانًا.
_________________
(١) وهو ما روي عن المغيرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: «توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في «صحيح مسلم» (١: ٢٣١)، و«المجتبى» (١: ٧٦)، و«شرح معاني الآثار» (١: ٣١)، وغيرها. وعن أنس - ﵁ - في «سنن أبي داود» (١: ٣٦)، و«سنن ابن ماجه» (١: ١٨٧)، و«مسند أبي عوانة» (١: ٢١٨)، و«المستدرك» (١: ٢٧٥)، وغيرها.
(٢) النّاصية: واحدة النَّواصي: وهي قصاص الشعر في مقدِّم الرأس، وهي لغة طيئيَّة. ينظر: «اللسان» (٦: ٤٤٤٧).
(٣) ينظر: «مغني المحتاج شرح المنهاج» (١: ٥٣).
(٤) المجمل: وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد به اشتباهًا لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل. ينظر: «المنار» (ص ٧).
(٥) المطلق: هو الشائع في جنسه، بمعنى أنه حصة من الحقيقة محتملة الحصص كثيرةً من غير شمول، ولا تعيين. ينظر: «التلويح» (١: ٦٣).
(٦) سقطت من ص وف وم.
(٧) الأَنْمَلَة: من الأصابع العُقْدة، وبعضهم يقول الأنامل رؤوس الأصابع، عليه قول الأزهري، الأنملة: المفصل الذي فيه الظُّفْر، وهي بفتح الهمزة مع فتح الميم أكثر من ضمها، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم. ينظر: «المصباح المنير» (٢: ٩٦٨) للفيومي.
(٨) من سورة النساء، آية (٤٣).
(٩) زيادة من م.
(١٠) سبق تخريجه قبل أسطر.
[ ٢ / ١٤ ]
وأمَّا اللِّحيةُ: فعندَ أبي حنيفةَ - ﵁ -: مسحُ ربعها فرض (^١)
؛ لأنَّهُ لمَّا سقطَ غسلُ ما تحتها من البشرةِ صارَ كالرَّأس.
وعند أبي يوسفَ - ﵁ -: مسحُ كلِّها فرض؛ لأنَّهُ لمَّا سقطَ غسلُ ما تحتها، أقيمَ مسحُها مقامَ غسلِ ما تحتَها، فيفرضُ مسحُ الكلِّ بخلافِ الرَّأس، فإنَّهُ إذا كان عاريًا عن الشَّعرِ لا يجبُ غسلُ كلِّه، ولا مسحُ كلِّه.
وقد ذُكِرَ أنَّ المرادَ بالرُّبعِ ربعُ ما يُلاقي بشرةَ الوجهِ منها، إذ لا يجبُ إيصالُ
_________________
(١) اعلم أن في اللحية الكثة تسعَ روايات: الأولى: مسح الكل، وهي رواية بشر عن أبي يوسف - ﵁ -، وروي أيضًا عن أبي حنيفة - ﵁ - كذا في «تبيين الحقائق» (١: ٣)، «رمز الحقائق» (١: ٨). والثانية: مسح الربع. وهي رواية عن أبي حنيفة وزفر، وهي اختيار صاحب «الوقاية»، و«الكَنْز» (ص ٣)، وصححها قاضي خان في «الفتاوى» (١: ٣٤)، والثالثة: مسح الثلث. ورواية مسح الثلث أو الربع رواها الحسن عن أبي حنيفة - ﵁ -. كذا في «البدائع» (١: ٣). والرابعة: مسح ما يلاقي البشرة. وهو الأصح المختار في «درر الحكام» (١: ٨)، و«ملتقى الأبحر» (ص ٣). و«شرح الكَنْز» (ص ٤)، واختاره العيني في «رمز الحقائق» (١: ٨). والخامسة: غسل الربع. كذا في «رد المحتار» (١: ٦٨). والسادسة: غسل الثلث. كذا في «رد المحتار» (١: ٦٨). والسابعة: عدم الغسل والمسح. وهي رواية عن أبي يوسف. كذا في «البدائع» (١: ٣ - ٤). و«رمز الحقائق» (١: ٨). والثامنة: غسل الوجه. فعند أبي عبد الله الثلجي: لا يسقط نبات الشعر غسل الوجه. كذا في «البدائع» (١: ٣). والتاسعة: غسل الكل: أي غسل كل الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن. وقد أشار إليها محمد إليها في «الأصل»، وهذه الرواية هي المذهب الصحيح المرجوع إليه وما عداها مرجوع عنه. ينظر: «البدائع» (١: ٣ - ٤). و«فتح القدير» (١: ١٣)، و«إيضاح الإصلاح» (ق ٢/أ)، و«البحر الرائق» ١: ١٦)، و«فتح باب العناية» (١: ٢٦ - ٢٧)، و«الدر المختار» (١: ٦٨)، و«الدر المنتقى» (١: ١١). و«نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل» (ص ٣٥). وأما اللحية الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب غسل ما تحتها. ينظر: «الدر المختار» (١: ٦٩).
[ ٢ / ١٥ ]
وسُنَّتُهُ: للمستيقظِ غسلُ يديِهِ إلى رُسْغيِهِ ثلاثًا قبل إدخالِهما الإناء
الماءِ إلى ما استرسلَ من الذَّقنِ خلافًا للشَّافعيِّ (^١) - ﵁ -، كذا ذكره (^٢) في «الايضاح» (^٣).
وفي أشهرِ الرِّوايتَيْن عن أبي حنيفةَ - ﵁ -: مسحُ ما يسترُ البشرةَ فرض، وهو الأصحُّ المختار، كذا في «شرحِ الجامعِ الصَّغير» لقاضي خان (^٤).
وإذا مسحَ ثمَّ حلقَ الشَّعرَ لا تجبُ الإعادة، وكذا إذا توضَّأ، ثمَّ قصَّ الأَظْفار (^٥).
(وسُنَّتُهُ (^٦):
للمستيقظِ (^٧) غسلُ يديِهِ إلى رُسْغيِهِ (^٨) ثلاثًا قبل إدخالِهما الإناء (^٩» هذا الغسل:
_________________
(١) ينظر: «المنهاج» (١: ٥١)، وفيه: ويجب غسل عنقه شعرًا وبشرًا، واللِّحية إن خفَّت كهدب، وإلا فليغسل ظاهرها.
(٢) زيادة من م.
(٣) الايضاح شرح التجريد» كلاهما لعبد الرحمن بن محمد بن أميرويه بن محمد الكِرْمَانِيّ الحَنَفي، أبي الفضل، ركن الأئمة والإسلام، كان شيخًا كبيرًا، فقيهًا جليلًا، صاحب القوة الكاملة والقدرة الشاملة في الفروع والأصول والحديث والتفسير والمعقول والمنقول، ذا الباع الطويل في الجدل والخصام والمناظرة والكلام، من مؤلفاته: «شرح الجامع الكبير»، و«الإشارات»، و«الفتاوى»، (٤٥٧ - ٥٤٣ هـ). ينظر: «الكشف» (١: ٢١١)، «دفع الغواية» (ص ٢٠)، و«الفوائد» (ص ١٥٦ - ١٥٨).
(٤) وهو حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، وقال ابن قُطْلُوبُغَا: ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره، لأنَّهُ فقيه النَّفس، له: «الفتاوى الخانية»، و«شرح الجامع الصغير»، و«شرح الجامع الكبير»، و«شرح الزيادات»، (ت ٥٩٢ هـ). ينظر: «الجواهر» (٢: ٩٤). «تاج التراجم» (ص ١٥١ - ١٥٢). «الفوائد» (ص ١١١).
(٥) وروى محمد في «الآثار» (١: ٦٥): عن إبراهيم النخعي الإعادة فيمن يقص أظفاره أو يأخذ من شعره. وهو رأي مجاهد والحكم بن عيينة وحماد، وقال ابن المنذر أن الإجماع استقر على خلاف ذلك. ينظر: «السعاية» (ص ١٠١).
(٦) والمراد بالسنة السنة المؤكدة، وهي التي حكمها أن يثاب فاعلها، ويلام تاركها، ويستحق إثمًا إن اعتاد تركها. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٢).
(٧) التقييد بالمستيقظ اتفاقي، وإلا فالابتداء بغسل اليدين مطلقًا سنة. ينظر: «الدر المختار» (١: ٧٥).
(٨) الرُّسْغ: بالضم وبضمتين: المفصل ما بين الساعد والكفّ. ينظر: «القاموس» (٢: ١٠٩).
(٩) إن قيد الإناء بخصوصه وقع اتفاقًا، والغرض ادخال اليد في الماء. ينظر: «السعاية» (ص ١٠٥).
[ ٢ / ١٦ ]
عند بعضِ المشايخِ: سنَّة قبل الاستنجاء.
وعند البعض: بعدَه.
وعند البعض: قبلَهُ وبعدَهُ جميعًا (^١).
وكيفيةُ الغَسل: أنَّهُ إذا كان الإناءُ صغيرًا بحيثُ يمكنُ رفعُهُ يرفعُهُ بشمالِه، ويصبُّهُ على كفِّهِ اليمنى، ويغسلُها ثلاثًا، ثمَّ يصبُّ بيمينِهِ على كفِّه اليسرى كما ذكرنا.
وإن كان كبيرًا بحيث (^٢) لا يمكنُ رفعُه، فإن كان معه إناءٌ صغير، يرفعُ الماءَ ويغسلهُمَا ثلاثًا كما ذكرنا (^٣).
وإن لم يكن، يُدْخِلُ أصابعَ يدِهِ اليسرى مضمومةً في الإناء، ولا يدخلُ الكفّ (^٤)، ويصبُّ الماءَ على يمينه، ويدلِّكُ الأصابعَ بعضَها ببعض يفعلُ هكذا ثلاثًا، ثمَّ يدخلُ يمناهُ في الإناءِ بالغًا ما بلغ.
والنَّهيُّ في قولِهِ ﷺ: «فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاء» (^٥)، محمولٌ على ما إذا كان الإناءُ صغيرًا أو كبيرًا ومعهُ إناءٌ صغير.
أمَّا إذا كان الإناءُ كبيرًا، وليس معه إناءٌ صغير، يحملُ على الإدخالِ بطريقِ المبالغة، وكلُّ ذلك إذا لم يعلمْ على يدِهِ نجاسة (^٦)، أمَّا إذا عَلِمَ فإزالةُ النَّجاسةِ على
_________________
(١) وعليه الأكثر كما في «البحر» (١: ١٨)، وصححه قاضي خان في «فتاواه» (١: ٣٢)، واختاره الحصكفي في «الدر المختار» (١: ٧٥).
(٢) زيادة من أ.
(٣) أي بأن يرفعه بشماله فيغسل اليمين، ثم بيمينه فيغسل الشمال. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٢).
(٤) لأنه لو أدخل الكفّ صار الماء مستعملًا: أي صار الماء الملاقي للكف مستعملًا إذا انفصل لا جميع ماء الإناء. ينظر: «البحر» (١: ١٩).
(٥) الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) في «صحيح ابن خزيمة» (١: ٧٤)، و«صحيح ابن حبان» (٣: ٣٤٥)، و«المعجم الأوسط» (١: ٢٩٠)، و«مسند الحميدي» (٢: ٤٢٢)، و«مسند الطيالسي» (١: ٣١٧)، وغيرها، ورواية: «يغمس» بدون نون التوكيد في «صحيح مسلم» (١: ٢٣٣).
(٦) قالوا: يكره إدخال اليد في الإناء قبل الغسل للحديث وهي كراهة تنْزيهية؛ لأن النهي مصروف عن التحريم لقوله - ﷺ -: «فإنه لا يدري أين باتت يده». ينظر: «البحر» (١: ١٩).
[ ٢ / ١٧ ]
وتسميةُ اللهِ تعالى ابتداءً، والسِّواك، والمضمضةُ بمياه، والاستنشاقُ بمياه
وجهٍ لا يفضي إلى تنجيسِ الإناء أو غيرِهِ فرضٌ.
(وتسميةُ اللهِ تعالى ابتداءً (^١)، والسِّواك (^٢)، والمضمضةُ (^٣) بمياه، والاستنشاقُ (^٤) بمياه)، وإنَّما قال (^٥): بمياه، ولم يقل: ثلاثًا ليدلَّ على أنَّ المسنونَ التَّثليثَ بمياهٍ جديدة،
_________________
(١) اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أنها مستحبة. وصحَّحه صاحب «الهداية» (١: ١٢)، قال اللكنوي في «إحكام القنطرة في أحكام البسملة» (ص ٧٩): وهو قول ضعيف. والثاني: أنها واجبة، وصححه اللكنوي في «إحكام القنطرة» (ص ٨٢)، وابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٢٢ - ٢٣). والثالث: أنها سنة، واختاره القدوري في «مختصره» (ص ٢)، وصاحب «البناية» (١: ١٣٣)، و«الدر المختار» (١: ٧٤). و«مراقي الفلاح» (ص ١٠٤)، و«درر الحكام» (١: ١٠). ومن أراد الوقوف على أدلة كل طرف، والأحكام المتعقلة بها، فلينظر: «إحكام القنطرة في أحكام البسملة».
(٢) لقوله - ﷺ -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»، كما في «صحيح البخاري» (٢: ٦٨٢). وحكمه: أنه سنة في المتون، كما في «رد المحتار» (١: ٧٧)، وقال صاحب «الهداية» (١: ١٢): إنه مستحب، وصححه ابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٢٢)، والزيلعي في «تبيين الحقائق» (١: ٤). وقال الميداني في «تحفة النساك في فضل السواك» (ص ٤٧) في وقته: هو للوضوء، فإذا نسيه عند المضمضة أو قبلها على ما تقدَّم فعند القيام إلى الصلاة، حتى قال بعضهم: يستحبُّ في خمسة مواضع: عند اصفرار السن، وتغير رائحة الفم، وعند القيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء. ويجوز الاستياك بسواك غيره إن أذن له، ولا عبرة لِمَ اشتهر من الكراهة، ينظر: «إفادة الخير في الاستياك بسواك الغير» للكنوي.
(٣) وحدُّ المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيه أن يصل الماء إلى رأس الحلق. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٣٧).
(٤) وحدُّ الاستنشاق أن يصل الماء إلى المَارِن، والمبالغة فيه أن يجاوز المَارِن. ينظر: «فتح باب العناية» (١: ٣٧).
(٥) الغرض منه توجيه اختيار لفظ بمياه على لفظ ثلاثًا، بأن في اختيار المياه إشارة إلى أن التثليث بمياه جديدة بناءً على أن المياه جمع، وأقله ثلاثة، وأفراد الجمع تكون متغايرة، ولو قال ثلاثًا لم يفهم منه تجديد الماء. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٣).
[ ٢ / ١٨ ]
وتخليلُ اللِّحية، والأصابع، وتثليثُ الغَسْل، ومسحُ كلِّ الرَّأسِ
وإنَّما كرَّرَ قولَهُ بمياهٍ ليدلّ على تجديدِ الماءِ لكلٍّ منهما (^١) خلافًا للشَّافعي (^٢) - ﵁ -، فإنَّ المسنونَ عندَهُ أن يمضمضَ ويستنشقَ بغرفة واحدة، ثمَّ هكذا ثمَّ هكذا.
(وتخليلُ اللِّحية (^٣)، والأصابع (^٤)، وتثليثُ الغَسْل (^٥)، ومسحُ كلِّ الرَّأسِ (^٦)
_________________
(١) ويؤيده حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «أن رسول الله - ﷺ - توضأ فتمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديدًا» في «المعجم الكبير» (١٩: ١٨٠).
(٢) ينظر: «المنهاج» (١: ٥٨)، وفيه: ثم الأصح يتمضمض بغرفة ثلاثًا، ثم يستنشق بأخرى ثلاثًا، ويبالغ فيهما غير الصائم، قلت: الأظهر تفضيل الجمع بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق، والله أعلم. انتهى. ومثله في «مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد» (ص ٢١ - ٢٢).
(٣) وهو سنة عند أبي يوسف - ﵁ -، وجائز عند أبي حنيفة ومحمد - ﵃ -، كما في «الهداية» (١: ١٣)، و«اللباب شرح الكتاب» (١: ١٠)، و«منح الغفار» (ق ٧/ب)، وقال صاحب «الفتاوى السراجية» (١: ٤): والمختار قول أبي يوسف - ﵁ -. وقال صاحب «غنية المستملي شرح منية المصلي» (ص ٢٣): والأدلة ترجِّحُ قول أبي يوسف، وقد رجَّحه في «المبسوط»، وهو الصحيح. فعن أنس - ﵁ -: «إن رسول الله - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي ﷿» في «سنن أبي داود» (١: ٣٦)، و«الجامع الصغير» (١: ١١٢» للسيوطي، و«المعجم الأوسط» (٣: ٢٢١)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١: ٢٣٥): رجاله وثقوا، قال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٧٩): والمتبادر منه إدخال اليد من أسفل بحيث يكون كفّ اليد للداخل من جهة العنق، وظهرها إلى الخارج؛ ليمكن إدخال الماء المأخوذ في خلال الشعر، والتخليل يكون باليد اليمنى.
(٤) أي أصابع اليدين والرجلين، وكيفية تخليل أصابع اليد أن يشبِّك الأصابع، والرجل أن يخلل بخنصر يده اليسرى باديًا من خنصر رجله اليمنى خاتمًا بخنصر رجله اليسرى. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٤). والأصل فيه حديث «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع» في «صحيح ابن حبان» (٣: ٣٦٨)، و«المستدرك» (١: ٢٤٨)، و«جامع الترمذي» (٣: ١٥٥)، وغيرها.
(٥) وقيَّدَ بالغسل إذ لا يطلب تثليث المسح. كما في «رد المحتار» (١: ٨٠). وقال صاحب «التاتارخانية» (ق ١١/ب): إذا زاد عن الثلاث فهو بدعة.
(٦) ينظر: تفصيل اختلاف العلماء في اعتبار مسح كل الرأس سنة أو مستحب في «الإحكام» (ق ٨٤/ب).
[ ٢ / ١٩ ]
مرَّة والأُذُنَيْنِ بمائه، والنِيَّةُ، والتَّرتيب الذي نصَّ عليه
مرَّة (^١» خلافًا للشَّافعيّ - ﵁ -، فإنَّ عنده تثليثُ المسحِ سُنَّة (^٢)، وقد أوردَ التِّرْمِذِيُّ (^٣) في «جامعه»: «أنَّ عليًَّا - ﵁ - توضَّأ فغسلَ أعضاءه ثلاثًا، ومسحَ رأسَهُ مرّةً واحدةً (^٤)، وقال: هكذا وضوءُ رسولِ الله - ﷺ -» (^٥)، (٧ وفي «صحيحِ البُخاري (^٦)» مثلُ هذا (^٧).
(والأُذُنَيْنِ بمائه (^٨»: أي بماءِ الرَّأسِ خلافًا له (^٩)، فإنَّ تجديدَ الماءِ لمسحِ الأُذُنَيْنِ سُنَّةٌ عنده.
(والنِيَّةُ، والتَّرتيب الذي نصَّ عليه): أي التَّرتيبُ المذكورُ في نصِّ القرآن، وكلاهما فرضان عنده (^١٠)، أمَّا النِيَّةُ فلقولِهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات» (^١١).
_________________
(١) وكيفيته: أن يضع كفيه وأصابعه على مقدِّم رأسه ويمدّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه باصبعه، ولا يكون الماء مستعملًا بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذه الطريقة. ينظر: «تبيين الحقائق» (١: ٥). و«رد المحتار» (١: ٨٢).
(٢) لكن ظاهر عبارة «التنبيه» (ص ١٢)، و«المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (١: ٥٩) تدل على أن السنة عند الشافعي ﵀ هي مسح الرأس مرة واحدة.
(٣) وهو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى التِّرمذيِّ الضَّرير، نسبةً إلى ترمذ، قال اللكنوي: كان أحد العلماء الحُفَّاظ الأعلام له تصانيفٌ كثيرةٌ، وكتابه «الجامع» أحسنُ كتبهِ وأكثرها فائدةً وأحسنها ترتيبًا، من مؤلفاته: «الجامع»، و«العلل الصغير»، و«العلل الكبير»، (٢٠٩ - ٢٧٩ هـ). ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٦: ٢٥٠ - ٢٥٢). «وفيات» (٤: ٢٧٨).
(٤) زيادة من ص وم.
(٥) في «صحيح البخاري» (١: ٨٢)، و«جامع الترمذي» (١: ٤٩)، و«السنن الكبرى للنسائي» (١: ١٠٢)، و«سنن أبي داود» (١: ٤٩)، و«سنن ابن ماجه» (١: ١٥٠).
(٦) وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه الجُعْفِي البُخَارِيّ، أبو عبد الله، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، يتوقَّدُ ذكاء، ولم يخلف بعده مثله، من مؤلفاته: «الأدب المفرد»، و«التاريخ الكبير»، و«الضعفاء»، (١٩٤ - ٢٥٦ هـ). ينظر: «تهذيب الأسماء» (١: ٦٧)، «العبر» (٢: ١٣).
(٧) زيادة من ب وس.
(٨) وكيفيته: أن يمسح داخلهما بالسبابتين، وظاهرهما بالإبهامين. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٤).
(٩) أي للشافعي - ﵁ -، ينظر: «مغني المحتاج» (١: ٦٠).
(١٠) أي عند الشافعي - ﵁ -، ينظر: «المنهاج» (١: ٤٧، ٥٤).
(١١) في «صحيح البخاري» (١: ٣). و«صحيح مسلم» (٣: ١٥١٥)، و«صحيح ابن حبان» (٢: ٢٢٣)، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ٧٣)، وغيرهم.
[ ٢ / ٢٠ ]
وجوابُنا (^١): إنَّ الثَّوابَ منوطٌ (^٢) بالنِيَّة اتِّفاقًا، فلا بُدَّ أن يقدَّرَ الثَّواب، أو يقدَّرَ شيء يشملُ الثَّواب، نحو: حكمِ الأعمالِ بالنِيَّات، فإنَّ قُدِّرَ الثَّوابَ فظاهر، وإن قُدِّرَ الحكم، فهو نوعان: دنيويٌّ كالصِّحَّة، وأخرويُّ كالثَّواب، والآخرويٌّ مرادٌ بالإجماع.
فإن قيل: حكمُ الأعمال بالنِيَّات، ويرادُ بهِ الثَّواب، صُدِّقَ الكلام، فلا دلالةَ له على الصِّحَّة.
فإن قيل: مثلُ هذا الكلام يتأتَّى في جميعِ العبادات، فلا دلالةَ على اشتراطِ النِيَّةِ في العبادات، وذا باطل، فإنَّ المُتَمَسَّكَ في اشتراطِ النِيَّة في العبادات هذا الحديث.
قلنا: نقدَّرُ الثَّواب، لكنَّ المقصودَ في العباداتِ المحضةِ هو الثَّواب، فإذا خَلَتْ عن المقصودِ لا يكونُ لها صحَّة؛ لأنَّها لم تشرعْ إلا مع كونها عبادةٌ بخلافِ الوضوء، إذ ليسَ عبادة مقصودة، بل شُرِعَ شرطًا لجوازِ الصَّلاة، فإذا خلا (عن المقصود: أي) (^٣) عن الثَّوابِ انتفى كونُهُ عبادة، لكن لا يلزمُ من هذا انتفاءُ صحَّتِه؛ إذ لا يَصْدُقُ أنَّه
_________________
(١) حاصل جوابه: أن حصول الثواب في العبادات موقوف على النية اتفاقًا حتى أن الأعمال إذا خلت عن قصد الطاعة وارادة التقرب إلى الله لا يحصل ثوابها سواء كان من قبيل الوسائل كالوضوء والتيمم أو العبادات المحضة، فلا بدَّ ان يحذف الثواب في هذا الحديث، ويقال معناه: ثواب الأعمال ليس إلا بالنية أو يحذف شيء يشمل الثواب وغيره كالحكم، فإنه يشمل: الثواب وهو الحكم الأخروي، والصحة وهو الحكم الدنيوي، ويقال معناه: إنما حكم الأعمال بالنيات، فإن قدر الثواب فظاهرٌ لا دلالة للحديث المذكور على اشتراط النية بصحة العبادات، بل إنما يدل على اشتراطها؛ لحصول الثواب، وهو خلاف ما أراده الشافعي، وعين ما أردناه، وإن قدر الحكم فهو وإن كان بظاهره يفيد توقف الصحة على النية إلا أنا نقول الحكم نوعان: دنيوي، وهو الصحة والفساد، وأخروي كالثواب والعقاب، والأخروي مراد في هذا الحديث بالاجماع، فإنهم أجمعوا على أنه لا ثواب إلا بالنية، فإذا قيل: حكم الأعمال بالنيات، وأريد به الثواب صح هذا الكلام من غير ضرورة إلى أن يحمل على العموم، ويجعل شاملًا للصحة فلا يحمل الحكم على المعنى الأعم لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، والاحتياج إلى حذف الثواب أو ما يعمّه إنما وقع لعدم استقامة ظاهر الحديث المقتضي لنفي وجود الأعمال بدون النية، فلما اندفع ذلك بإرادة الثواب، فلا يراد غيره. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٦٥).
(٢) منوط: ناط الشئ: أي علَّقه. ينظر: «مختار» (ص ٦٨٥).
(٣) زيادة من م.
[ ٢ / ٢١ ]
لم يشرعْ إلا عبادة، فبقي صحَّتُهُ بمعنى أنَّهُ مفتاحُ الصَّلاةِ (^١)، كما في سائرِ الشُّرائط: كتطهيرِ الثَّوب، والمكان، وسترِ العورة، فإنَّهُ لا تشترطُ النِيَّةُ في شيءٍ منها.
وأمَّا التَّرتيبُ؛ فلقولِهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٢)، فيفرضُ تقديمُ غسلِ الوجه، فيفرضُ تقديم (^٣) الباقي مُرَتَّبًا؛ لأنَّ تقديمَ غسلِ الوجهِ مع عدمِ التَّرتيبِ (في الباقي) (^٤) خلافُ الإجماع (^٥).
_________________
(١) وفيه إشارة لقول النبي - ﷺ -:: «مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطَّهُور، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيِر، وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيم» في «جامع الترمذي» (١: ٩، ٢: ٣)، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي «المستدرك» (١: ٢٢٣)، و«مسند أبي حنيفة» (١: ١٣٠)، و«الآثار» (١: ١)، وغيرها.
(٢) من المائدة، الآية (٦)، وتتمتها: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
(٣) زيادة من ص وم.
(٤) ساقطة ص وم.
(٥) الاجماع هو اتفاق مجتهدي عصر واحد على حكم واحد، وهو على قسمين:
(٦) بسيط: وهو الاتفاق في الحكم مع الاتفاق في العلة، ٢ - ومركب: وهو الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في العلة، أو الاختلاف في الحكم والعلة جميعًا، لكنه يستلزم الاتفاق في حكم ثالث، وهذا يسمى بعدم القائل بالفصل، وإذا تمهد هذا، فالمراد من الاجماع القسم الأخير، فخلاصة استدلال الشافعية، أن تقديم غسل الوجه على بقيًّة الأعضاء ثابت بالآية، فلا يمكن الحنفية إنكاره، لأن في إنكاره ترك العمل بالفاء الداخلة على غسل الوجه، ثم القول بعدم الترتيب في البواقي خرق للإجماع، وإحداث القول بالفصل بين مذهبنا ومذهبكم، لإجماعنا وإياكم على وجوب المساوات بين غسل الوجه، وبين باقي أركان الوضوء، وعدم الفصل بينهما، فالفصل بينهما باطل بالاجماع، فحاصل استدلالهم مبني على مقدمتين: الأولى أن الآية تدل على تقديم غسل الوجه، والثانية لزوم خلاف الإجماع على تقدير تسليم هذا التقديم، والقول بعدم الترتيب في البواقي. وتمامه في «السعاية» (ص ١٤٥ - ١٥٥).
[ ٢ / ٢٢ ]
قلنا (^١): المذكورُ (^٢) بعده حرفُ الواو، فاغسلوا هذا المجموع، فلا دلالةَ له على تقديمِ غسلِ الوجه.
وإن سُلِّمَ فمتى استدلَّ المجتهدُ بهذهِ الآية، لم يكنْ الإجماعُ مُنْعَقِدًا (^٣)، فاستدلالُهُ بها على ترتيبِ الباقي استدلالٌ بلا دليل، وتمسُّكٌ بمجرَّدِ زعمِهِ لا بالإجماع.
وقد رأيتُ في كتبهم: الاستدلالُ بقولِهِ - ﷺ -: «هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ تَعَالَى الصَّلاةَ إِلاَّ بِهِ» (^٤)، وقد كان هذا الوضوءُ مُرَتَّبًا، فيفرضُ التَّرتيب (^٥).
_________________
(١) أجاب في «التلويح» (١: ٩٩ - ١٠٠) عن الاستدلال المذكور، فقال: منع دلالة الفاء الجزائية على لزوم تعقيب مضمون الجزء لمضمون الشرط من غير تراخ على وجوب تقديم ما بعدها على ما عطف عليه بالواو للقطع بأنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة …﴾ على أنه يجب السعي عقيب النداء، بلا تراخ، وأنه لا يجوز تقديم ترك البيع على السعي.
(٢) حاصله: انا لا نسلم دلالة الآية على تقديم غسل الوجه حتى يتفرع عليه ثبوت الترتيب بين البواقي؛ لعدم القائل بالفصل؛ لأن المذكور بعد ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ حرف الواو التي هي للجمع مطلقًا من غير دلالة على الترتيب، ولفظ أيديكم وأرجلكم معطوف على وجوهكم، فيكون داخلًا تحت اغسلوا، ويكون من باب عطف المفرد على المفرد، فالفاء إنما دخلت على غسل الجميع لا على غسل الوجه فقط، فلا تفيد الآية إلا تقديم غسل المجموع من غير دلالة على الترتيب. وتمامه في «العمدة» (١: ٦٦).
(٣) لأن الإجماع المركب بيننا وبينه لم ينعقد كما سبق، مع قطع النظر عن هذا الاستدلال.
(٤) في «سنن الدراقطني» (١: ٧٩)، ولفظه: عن ابن عمر - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - دعا بماء فتوضأ مرَّة مرة، ثم قال هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم دعا بماء فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، ثم سكت ساعة، ثم قال هذا وضوء من توضَّأ به كان له أجرُهُ مرَّتين، ثم دعا بماء فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»، قال الوادياشي في «تحفة المحتاج» (١: ١٨٩): فيه ضعفٌ وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم. ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» (١: ٥٧): صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي والمنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم
(٥) ويرد على هذا الاستدلال: أن الحديث بجميع طرقه ضعيف لا يصلح للاحتجاج به على الافتراض. وأيضًا: أنه إذا سلمت صحته فإنه من أخبار الآحاد التي لا يثبت بها الافتراض، وأيضًا: أن دعوى أن ذلك الوضوء كان مرتبًا دعوى من غير بينة، فإنه لم يرد في طريق من طرق الحديث المذكور ذلك، وليس في كتب الحديث ما نقلوه في كتبهم أنه توضأ مرتبًا. ينظر: «السعاية» (١: ١٥٩ - ١٦٠).
[ ٢ / ٢٣ ]
والوِلاء. ومستحبُّهُ: التَّيامن
وقد سَنَحَ (^١) لي جوابٌ حَسَن، وهو أنَّهُ توضَّأ مرَّةً مرَّة، وقال - ﷺ -: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إِلاَّ بِهِ»، فهذا القولُ يرجعُ إلى المرَّةِ فحسب، لا إلى الأشياءِ الأُخر؛ لأنَّ هذا الوضوءَ لا يخلو:
إمَّا أن يكون ابتداؤهُ من اليمين، أو من (^٢) اليسار.
وأيضًا: إمَّا أن يكون على سبيلِ الموالات، أو عدمِها.
فقولِه - ﷺ -: «هَذَا وُضُوءٌ …» إلى آخرِه، إن أريدَ به هذا الوضوء بجميعِ أوصافِهِ يلزمُ فرضيَّة الموالات، أو ضدّها، أو التَّيامن أو ضدّه، وإن لم يُرِدْ بجميعِ أوصافِهِ لا يدلُّ على فرضيَّةِ التَّرتيب.
(والوِلاء (^٣»: أي غسلُ الأعضاءِ المفروضات (^٤) على سبيلِ التَّعاقبِ بحيثُ لا يَجِفُّ العضوُ الأوَّل.
وعند مالكٍ (^٥) - ﵁ -: هو فرض، والدَّليلُ على كونِ الأمورِ المذكورةُ سنَّةٌ مواظبةُ النَّبيِّ - ﷺ - من غيرِ دليلٍ على فرضيَّتِها (^٦).
(ومستحبُّهُ:
التَّيامن): أي الابتداءُ باليمينِ في غسلِ الأعضاء، فإن قلت: لا شكَّ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -
_________________
(١) سَنَحَ لي رأي: أي عَرَض. ينظر: «مختار» (ص ٣١٦).
(٢) زيادة من م.
(٣) الوِلاء بالكسرِ، لغةُ المتابعةِ، وشرعًا متابعةُ فعلٍ بفعلٍ بحيثُ لا يجفُّ العضو الأَوَّل عند اعتدالِ الهواء، فلو جفَّفَ الوجه، أَو اليد بالمِنديلِ قبل غَسْل الرّجلِ لم يتركْ الولاء، بخلاف ما في «التُّحفة» (١: ١٣)، و«الاختيار» (١: ١٥)، و«المصفى»: من أن لا يشتغلَ بين الأفعالِ بغيرها، فإنَّهُ على هذا الوجهِ لو جفَّفَ لتركَ؛ ولذا مَنَعَ عنه بعضُ المشايخ. كما في «جامع الرموز» (١: ١٩ - ٢٠). وصحح اللكنوي في «الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل» (ص ٢٣): عدم تركه للولاء.
(٤) زيادة من م.
(٥) ينظر: «سبيل السعادة» ٠ ص ١٢)، و«مرشد السالك» (ص ٢٦)، و«نظم المرشد المعين» وشرحه «الحبل المتين» (ص ٢٠)، و«نظم مقدمة ابن رشد» (ص ٦)، و«منظومة القرطبي» (ص ٦)، والفرض رواية عن مالك - ﵁ - إذا كان متعمدًا، وإذا نسي فلا إعادة عليه.
(٦) لأن الفرض ما كان فعله أولى من تركه مع منع الترك بدليل قطعي. ينظر: «التنقيح» (١: ١٢٣).
[ ٢ / ٢٤ ]
واظبَ على التَّيامنِ في غسلِ الأعضاء (^١)، ولم يروِ أحدٌ أنَّهُ بدأ بالشِّمال، فينبغي أن يكونَ سنَّة.
قلتُ: السُنَّةُ ما واظبَ عليه النَّبيُّ - ﷺ - مع التَّركِ أحيانًا، فإن كانت المواظبةُ المذكورةُ على سبيلِ العبادةِ فسننُ الهدى (^٢)، وإن كانت على سبيلِ العادةِ فسننُ الزَّوائد، كلبسِ الثَّياب، والأكل باليمين، وتقديمِ الرِّجلِ اليُمْنى في الدُّخول، ونحو ذلك.
وكلامُنا في الأَوَّل (^٣)، ومواظبةُ النَّبيِّ - ﷺ - على التَّيامنِ كانت من قبيلِ الثَّاني (^٤)، ويفهمُ هذا من تعليلِ صاحبِ «الهداية» (^٥) بقولِه: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيء، حَتَّى التَّنَعُلَّ والتَّرُجُّل» (^٦). (^٧)
_________________
(١) وقد قال - ﷺ -: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم»، كما في «صحيح ابن حبان» (٣: ٣٧٠)، و«سنن ابن ماجه» (١: ١٤١)، و«المعجم الأوسط» (٢: ٢١)، و«موارد الظمآن» (١: ٣٥٠).
(٢) السنة نوعان: سنة الهدى وتركها يوجب إساءة وكراهية: كالجماعة والأذان، والإقامة ونحوها، وسنة الزوائد وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - ﷺ - في لباسه وقيامه وقعوده. ينظر: «التنقيح» (١: ١٢٤).
(٣) أي مقصودنا نفي المعنى الأول عن التيامن، وهو أنه من سنن الهدى.
(٤) أي أنه من سنن الزوائد.
(٥) وهو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبو الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إمامًا فقيهًا حافظًا مفسِّراَ جامعًا للعلوم ضابطًا للفنون، متقنًا محقِّقًا نظارًا مدقِّقًا زاهدًا ورعًا بارعًا فاضلًا ماهرًا أصوليًا أديبًا شاعرًا لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، له: «مختارات النوازل»، و«كفاية المنتهى»، «مختار الفتاوى»، (ت ٥٩٣ هـ). ينظر: «الجواهر» (٢: ٦٢٧ - ٦٢٩)، «تاج» (ص ٢٠٦ - ٢٠٧)، «مقدِّمة الهداية» (٣: ٢ - ٤).
(٦) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب الحديث كما صرَّح مخرِّجوا أحاديث «الهداية»، كما في «نصب الراية» (١: ٣٤)، و«الدراية» (١: ٢٨)، و«البناية» (١: ١٨٧)، وإنِّما ورد عن عائشة - ﵁ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل» في «صحيح البخاري» (١: ١٦٥)، و«صحيح مسلم» (١: ٢٢٦)، واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ٩١)، و«صحيح ابن حبان» (١: ٢٧١)، وغيرها، وتمام الكلام في معنى الحديث، وتنعل رسول الله - ﷺ - في «غاية المقال فيما يتعلق بالنعال» للكنوي وحاشيتها «ظفر الأنفال على حواشي غاية المقال» له أيضًا.
(٧) انتهى من «الهداية» (١: ١٣).
[ ٢ / ٢٥ ]
ومسحُ الرَّقبة، وناقضُهُ: ما خرجَ من السَّبيلَيْن
(ومسحُ الرَّقبة (^١»؛ (لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - مسح عليها) (^٢) (^٣).
(وناقضُهُ:
ما خرجَ من السَّبيلَيْن) سواءٌ كان معتادًا، أو غيرَ معتاد: كالدَّودة (^٤)، والرَّيحِ (^٥)
_________________
(١) جمهور الحنفية قالوا أنَّ مسح الرقبة مستحب، ينظر: «تحفة الطلبة» (٣٦)، ومنهم من قال أنه: سنة، كالشرنبلالي في «المراقي» (ص ١١٠)، و«الوشاح على نور الإيضاح» (ص ٤٩)، وإليه يميل الكاشغري في «منية المصلي وغنية المبتدي» (ص ٦ - ٧).
(٢) وقد ورد في ذلك آثار يعضد بعضُها بعضًا تفيد استحباب مسح الرقبة: منها: ما رواه طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال»، وفي رواية: «أول القفا» في «مسند أحمد» (٣: ٤٨١)، و«سنن أبي داود» (١: ٣٢)، و«شرح معاني الآثار» (١: ٣٠)، و«المعجم الكبير» (١٩: ١٨)، و«السنن الكبير للبيهقي» (١: ٦٠)، و«تاريخ بغداد» (٦: ١٦٩)، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٥٦١). ومنها: «مسح الرقبة أمان من الغُلّ يوم القيامة» قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (١: ١٥٩): سنده ضعيف. وقال القاري في «الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة» (ص ٤٣٤): سنده ضعيف، والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ولذا قال أئمتنا: أنه مستحب، أو سنة. وتمام الكلام على الأحاديث في مسح الرقبة في «تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة» للكنوي، وحاشيتها «تحفة الكملة على حواشي تحفة الطلبة».
(٣) زيادة من أ وب.
(٤) فإن خروجها غير معتاد، فإن خرجت من الدبر نقض الوضوء اتفاقًا، وإن كانت خارجة من قبل المرأة اختلفوا فيه، فالذين قالوا بنقض الريح الخارجة من القبل قالوا بنقضها أيضًا، ومن لم يقل به، لم يقل به، وإن خرجت من الذكر اختلفوا فيه أيضًا، فذكر الشارح فيما سيأتي، وابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٩٢)، وغيرهما: أنها غير ناقضة، وذكر في «الخلاصة»، و«فتاوى قاضي خان» (١: ٣٦)، وظهير الدين المرغيناني كما في «المحيط» (ص ١٠٥) أنها ناقضة. كذا في «عمدة الرعاية» (١: ٦٩).
(٥) اتفقوا على نقض الريح الخارجة من الدبر، واختلفوا في الخارجة من القبل والذكر: فذكر صاحب «الهداية» (١: ١٥)، و«الكفاية» (١: ٣٣)، و«التنوير» (١: ٩٢)، وقاضي خان في «فتاواه» (١: ٣٦): أنه لا ينقض، وصححه العيني في «البناية» (١: ١٩٤)، والطرابلسي في «المواهب» (ق ٦/أ). وروي عن محمد أنه يوجب الوضوء، هكذا ذكره القدوري، وبه أخذ بعض المشايخ، وقال الكرخي: لا وضوء إلا أن تكون المرأة مفضاة، فيستحب الوضوء. ينظر: «المحيط» (ص ١٠٤).
[ ٢ / ٢٦ ]
أو من غيرِهِ إن كان نَجَسًا سالَ إلى ما يطهر
الخارجةِ من القُبُلِ والذَّكر، وفيه اختلاف المشايخ.
(أو من غيرِهِ إن كان نَجَسًا (^١) سالَ إلى ما يطهر): أي إلى موضعٍ يجبُ تطهيرُهُ في الجملة، إمَّا في الوضوء، أو في الغُسْل (^٢).
وعند الشَّافعيِّ (^٣) - ﵁ - الخارجُ من غيرِ السَّبيلَيْن لا ينقضُ الوضوء.
وقولُه: إن كان نَجَسًا، متعلِّقٌ بقولِه: أو من غيرِه، والرِّوايةُ النَّجَس، بفتحِ الجيم: وهو عينُ النَّجاسة، وأمَّا بكسرِ الجيم، فما لا يكونُ طاهرًا، هذا في اصطلاحِ الفقهاء (^٤).
وأمَّا في اللُّغةِ فيقال: نَجِسَ الشَّيءُ يَنْجُس، فهو نَجِسٌ ونَجَس (^٥).
وإنَّما قال: سال؛ لأنَّهُ إذا لم يتجاوزِ المخرجَ لا ينقضُ الوضوءَ عندنا، وينقضُ عندَ زُفَر - ﵁ -.
_________________
(١) قوله نجسًا احترازٌ عن اللعاب ونحوها فإنه لا ينقض بخروجها. ينظر: «حواشي ملتقطة على النقاية» (٤).
(٢) وتفصيله أن الأعضاء على ثلاثة أقسام: قسم لا يجب تطهيره في الغسل والوضوء، وهي الأعضاء الباطنة من كل وجه كالقلب وتجاويف العروق ونحوها، وسيلان الدم ونحوه إليها لا ينقض الوضوء؛ فإن الدم يجري من موضع إلى موضع داخل البدن ولا يقدح ذلك في شيء، وقسم: يجب تطهيره في الوضوء والغسل كليهما كاليد والوجه، وهي الظاهرة من كل وجه، وقسم يجب تطهيره في الغسل لا في الوضوء كالفم والأنف، وهي الباطنة من وجه الظاهرة من وجه، وسيلان النجس إلى هذين القسمين ينقض الوضوء؛ ولذا قالوا: إن خرج الدم إلى قصبة الأنف انتقض الوضوء، وإن خرج البول أو الدم من موضع إلى قصبة الذكر لا ينقض الوضوء. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٧٠).
(٣) ينظر: «سلم المناجاة» وشرحه لمحمد نووي (ص ١١)، و«عمدة السالك» (ص ٥)، و«المنهاج القويم» (ص ١٦)، وغيرها.
(٤) قال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ٩١) بعد نقل كلام صدر الشريعة: فهما لغة ما لا يكون طاهرًا، أي سواءكان نجس العين أو عارض النجاسة: كالحصاة الخارجة من الدبر والناقض في الحقيقة النجاسة العارضة لها، فكان الفتح أولى من هذه الجهة أيضًا.
(٥) ينظر: «اللسان» (٦: ٤٣٥٢): والنجس: القذر من الناس، ومن كل شيء.
[ ٢ / ٢٧ ]
وكذا إذا عَصَرَ القُرْحةَ (^١) فتجاوز، وكان بحالٍ لو لم يعصرْ لم يتجاوزْه (^٢).
وكذا (^٣) إذا عَضَّ شيئًا، أو خلَّلَ أسنانَه، أو أدخلَ أُصْبَعَهُ في أنفِهِ فرأى أثرَ الدَّم، أو استنثرَ فخرجَ من أنفِهِ الدَّمُ عَلَقًا (^٤) عَلَقا مثل: العدس، لا ينقضُ الوضوء (^٥) عندنا، خلافًا لزُفَرَ - ﵁ -، ووجهُه: أنَّ خروجَ النَّجاسةِ مؤثِّرٌ في زوالِ الطَّهارةِ كالسَّبيلَيْن.
ونحن نقول: نعم؛ لكنَّ القليلَ بادٍ لا خارج، والنَّجاسةُ المستقرِّةُ في موضعِهَا لا تنقض.
قلت: هذا الدَّليلُ غير تامّ؛ لأنَّهُ لا يشملُ ما إذا غُرِزَتْ إبرةٌ فارتقى الدَّمُ على رأسِ الجرحِ لكن لم يسلْ (عن رأسِ الجرح) (^٦)، فإنَّ الخروجَ هناكَ محسوسٌ، ومع ذلك لا ينقضُ عندنا (^٧)، وقد خطرَ ببالي وجهٌ حسن: وهو أنَّهُ لم يتحقَّقْ خروجُ النَّجاسة؛ لأنَّ هذا الدَّمَ غيرُ نجس، بل النَّجسُ هو الدَّمُ المسفوح، وهكذا في القيءِ القليل، وسيأتي في هذهِ الصَّفحة (^٨).
وقولُه: إلى ما يطهر، احترازٌ عمَّا إذا قشرتْ نَفْطةٌ (^٩) في العين، فسالَ الصَّديدُ بحيث
_________________
(١) القُرحة: بالضم والفتح لغتان: الجراح. ينظر: «اللسان» (٥: ٣٥٧١).
(٢) اتفقوا فيما إذا خرج من القرحة أنه ينقض، واختلفوا فيما إذا أخرج منها: فمنهم من ذهب إلى عدم النقض كصاحب «الهداية» (١: ١٥ - ١٦)، و«العناية» (١: ٤٨)، ومنهم من ذهب إلى النقض كالسرخسي في «جامعه»، وصاحب «الكافي»، و«غاية البيان»، و«النهاية»، واختاره في «الفتاوى البزازية» (٤: ١٢)، وصححه ابن الهمام واللكنوي ينظر: «فتح القدير» (١: ٤٨)، و«عمدة الرعاية» (١: ٧٠).
(٣) أي لا ينقض الوضوء بناء على اشتراط السيلان إذا عضَّ أي أخذ شيئًا بأسنانه، أو خلَّل: أي أدخل الخلال في أسنانه، فرأى أثر الدم في الخلال أو الشيء المعضوض. ينظر: «السعاية» (ص ٢١١). و«نفع المفتي» (ص ٥٣).
(٤) العَلَقُ: الدم الغليظ. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٤٥٠).
(٥) زيادة من ب وم.
(٦) زيادة من م.
(٧) ينظر: «المحيط» (ص ١٢٦ - ١٢٧)، و«البحر» (١: ٣٥).
(٨) ص ٣١).
(٩) نَفْطَة: من نَفِطَ أي إذا صار بين الجلد واللحم ماء. ينظر: «المصباح» (٢: ٩٥٥).
[ ٢ / ٢٨ ]
والقيء دمًا رقيقًا إن ساوى البُزاق أو مِرَّةً، أو طعامًا، أو ماءً، أو عَلَقًا إن
لم يخرجْ من العينِ لا ينقضُ الوضوء؛ لأنَّ داخلَ العينِ لا يجبُ تطهيرُهُ أصلًا لا في الوضوء، ولا في الغُسْل، إذ ليسَ له حكمُ ظاهرِ البدن، فالمعتبرُ الخروجُ إلى ما هو ظاهرُ البدنِ شرعًا.
واعلم أنَّ قولَهُ: إلى ما يطهر، يجبُ أن يكونَ متعلِّقًا بقولِه: ما خرج، لا بقولِه: سال، فإنَّهُ إذا فَصَد وخَرَجَ دمٌ كثيرٌ وسال بحيثُ لم يتلطَّخْ رأسُ الجرح، فإنَّهُ لا شكَّ في الانتقاضِ عندنا مع أنَّهُ لم يسلْ إلى موضعٍ يلحقُهُ حكمُ التَّطهير، بل خرجَ إلى موضعٍ يلحقُهُ حكمُ التَّطهير، ثمَّ سال، فالعبارةُ الحسنةُ (^١) أن يقال: ما خرجَ من السَّبيلَيْن أو غيرِهِ إلى ما يطهرُ إن كان نجسًا سال.
(والقيء) عطفٌ على قولِه: ما خرج، فأرادَ أن يفصِّلَ أنواعَهُ لأنَّ الحكمَ مُخْتَلِفٌ فيها، فقال: (دمًا رقيقًا إن ساوى البُزاق) حتى إن كان البُزاقُ أكثرَ لا ينقض، ولمَّا ذكرَ حكمَ المساواة، عُلِمَ حكمُ الغلبةِ بالطَّريقِ الأَوْلى، إذا اصفرَّ البزاقُ من الدَّمِ فلا يجب الوضوء، وإن احمرَّ يجب.
ثمَّ عطفَ على قولِه: دَمًَا، قولُه: (أو مِرَّةً (^٢)، أو طعامًا، أو ماءً (^٣)، أو عَلَقًا (^٤) إن
_________________
(١) لكن العبارة التي أثبتها في «النقاية» (ص ٤) هي عبارة «الوقاية».
(٢) مرَّة، أي صفراء، وهي: أحد الأخلاط الأربعة، وهي: الدم، والمرة السوداء، والمرة الصفراء، والبلغم. ينظر: «رد المحتار» (١: ٩٣)، وفي «اللسان» (٦: ٤١٧٦): هي إحدى الطبائع الأربع، قال ابن سيده: المِرَّة مزاج من أمزجة البدن.
(٣) أي الطعام أو الماء إذا وصل إلى معدته ولم يستقر، وهو نجس مغلظ، ولو من صبيٍّ ساعة ارتضاعه، وهو الصحيح لمخالطته النجاسة، ولو هو في المريء فلا نقض اتفاقًا. كما في «الدر المختار» (١: ٩٣). وفي «البحر» (١: ٢٦): قال الحسن: إذا تناول طعامًا أو ماءً، ثم قاء من ساعته لا ينقض؛ لأنه طاهر حيث لم يستحل، وإنما اتصل به قليل القيء، فلا يكون حدثًا، فلا يكون نجسًا، وكذا الصبي إذا ارتضع وقاء من ساعته، وصححه في «المعراج»، وغيره، ومحل الاختلاف ما إذا وصل إلى معدته، ولم يستقرّ، أما لو قاء قبل الوصول إليها، وهو في المريء، فإنه لا ينقض اتفاقًا.
(٤) العَلَق: لغة دم منعقد، كما هو أحد معانيه، لكن المراد به هنا سوداء محترقة، وليس بدم حقيقة، ولهذا اعتبر فيه ملء القم، وإلا فخروج الدم ناقض بلا تفصيل بين قليله وكثيره على المختار. ينظر: «رد المحتار» (١: ٩٣).
[ ٢ / ٢٩ ]
كان ملأَ الفم، لا بَلْغَمًا أصلًا. وينقضُ صاعدُ ملأَ الفمِ عند أبي يوسف - ﵁ -، وهو يعتبرُ الاتِّحادَ في المجلس، وعند محمَّدٍ - ﵁ -: في السَّببِ بجمعِ ما قاءَ قليلًا قليلًا
كان ملأَ الفم (^١)، لا بَلْغَمًا أصلًا) سواءٌ كان نازلًا من الرَّأس، أو صاعدًا من الجوف، وسواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ لأنَّهُ (^٢) للزوجتِهِ لا يتداخلُهُ النَّجاسة.
(وينقضُ صاعدُ (^٣) ملأَ الفمِ عند أبي يوسف - ﵁ -) لكنَّ النَّازلَ من الرَّأسِ لا ينقضُ عنده أيضًا (^٤).
(وهو يعتبرُ الاتِّحادَ في المجلس، وعند محمَّدٍ (^٥) - ﵁ -: في السَّببِ بجمعِ ما قاءَ قليلًا قليلًا)، فقولُه: وهو يعتبرُ الضَّميرَ يرجعُ إلى أبي يوسفَ - ﵁ -، وهذا ابتداءُ مسألةٍ صورتُها: إذا قاءَ قليلًا قليلًا بحيثُ لو جُمِعَ يبلغُ ملأَ الفم، فأبو يوسفَ - ﵁ - يعتبرُ اتِّحادَ المجلس، أي إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يُجْمَع، فيكونُ ناقضًا.
ومحمَّدٌ - ﵁ -: يعتبرُ اتِّحادَ السَّببِ وهو الغَثَيان (^٦)، فإن كانَ بغثيانٍ واحدٍ يُجْمَعُ (فيكون ناقضًا) (^٧)، فحصلَ أربعُ صور:
اتِّحادُ المجلسِ والغثيان، فيجمعُ اتِّفاقًا.
واختلافُهما فلا يجمعُ اتِّفاقًا.
واتِّحادُ المجلسِ مع اختلافِ الغثيانِ فيجمع، عندَ أبي يوسفَ - ﵁ - خلافًا لمحمَّد - ﵁ -.
_________________
(١) ملأ الفم: ما لا يمكن معه التكلُّم، وقيل: أن لا يمكن إمساكه إلا بتكلُّف. ينظر: «غنية المستملي» (ص ١٢٩).
(٢) أي البلغم وذلك بسبب كونه لزجًا لا تختلط معه النجاسة، وهو في نفسه ليس نجسًا، فلا ينتقض. ينظر: «السعاية» (ص ٢٢٠).
(٣) أي من الجوف لأنه صار نجسًا بمجاورة النجاسة. ينظر: «شرح الوقاية لابن ملك» (ق ٧/أ).
(٤) أي عند أبي يوسف - ﵁ -، كما عند أبي حنيفة ومحمد - ﵃ -، فهو اتفاقي. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٧٣).
(٥) وصحح النسفي في «الكافي» قول محمد لأن الأصح إضافة الأحكام إلى أسبابها. ينظر: «الدر المختار» (١: ٩٥).
(٦) الغَثَيان: هو اضطراب نفسه حتى تكاد تتقيأ من خِلْط ينصب إلى فم المعدة. ينظر: «المصباح المنير» (٢: ٦٧٩).
(٧) زيادة من أ وب وس.
[ ٢ / ٣٠ ]
وما ليسَ بحَدَثٍ ليس بنجِس
واختلافُ المجلسِ مع اتِّحادِ الغثيانِ فيجمعُ عندَ محمَّدٍ خلافًا لأبي يوسف - ﵃ -.
(وما ليسَ بحَدَثٍ ليس بنجِس (^١» أي بكسرِ الجيم (^٢)، فيلزمُ من انتفاءِ كونِهِ حَدَثًا انتفاءُ كونِهِ نَجِسًا، فالدَّمُ إذا لم يسلْ عن رأسِ الجُرحِ طاهر، وكذا القيءُ القليل، وعن محمَّد - ﵁ - في غيرِ روايةِ الأصول (^٣): إنّه نجس؛ لأنه لا أثرَ للسَّيلانِ في النَّجاسة، فإذا كان السَّائل نجسًا، فغيرُ السَّائلِ يكونُ كذلك.
ولنا: قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، إلى قولِه: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (^٤)، فغيرُ المسفوحِ لا يكونُ محرَّمًا، فلا يكون نجسًا، والدَّمِ الذي لم يسلْ عن رأِس الجرحِ دمٌ غيرُ مسفوح، فلا يكونُ نجسًا.
فإن قيل: هذا فيما يؤكلُ لحمُه، وأمَّا فيما لا يؤكلُ لحمُهُ كالآدميِّ فغيرُ المسفوحِ حرامٌ أيضًا، فلا يمكنُ الاستدلالُ بحلِّهِ على طهارتِه.
قلت: لمَّا حكمَ بحرمةِ المسفوحِ بقي غيرُ المسفوحِ على أصلِه، وهو الحلّ، ويلزمُ منه الطَّهارة، سواءٌ كان فيما يؤكلُ لحمُه، أو لا؛ لإطلاقِ النَّصّ.
ثمَّ حرمةُ غيرِ المسفوحِ في الآدميِّ بناءً على حرمةِ لحمِه، لا توجبُ نجاستَهُ إذ هذه الحرمة؛ للكرامةِ لا للنَّجاسة، فغيرُ المسفوحِ في الآدميِّ يكونُ على طهارتِهِ الأصليَّةِ مع كونِهِ محرَّمًا.
_________________
(١) قد جرت العادة بذكر هذه القاعدة في مبحث النواقض استطرادًا بعد الكلام أن قليل الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء، وأرادوا ذكر حكمه في النجاسة والطهارة، فمنهم من يذكرها بلفظ: كل، ومنهم من يصدرها بلفظ: ما، والمفاد واحد، فإن ما للعموم، وحاصله أن كل شيء ليس بحدث أي ناقض للوضوء ليس بنجس حتى لا يجب غسله، ولا يضر الصلاة معه. ينظر: «السعاية» (ص ٢٢١).
(٢) ويجوز بالفتح، وهو الأوفق بالمقام، كما نبه اللكنوي في «عمدة الرعاية» (١: ٧٤
(٣) سبق أن بينا المراد برواية الأصول في الدراسة.
(٤) من سورة الأنعام، الآية (١٤٥)، وتمامها: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
[ ٢ / ٣١ ]
ونومُ مضطجع، ومتكئ، ومستندٍ إلى ما لو أزيلَ لسقطَ لا غير
والفرقُ بين المسفوح، (وغيرِ المسفوحِ) (^١) مبنيٌّ على حكمةٍ غامضة، وهي: أنَّ غيرَ المسفوحِ دمٌ انتقلَ عن العروق، وانفصلَ عن النَّجاسات، وحصلَ لهُ هضمٌ آخرَ في الأعضاء فصارَ مستعدًِّا لأن يصيرَ عضوًا، فأخذَ طبيعةَ العضو، فأعطاهُ الشَّرعُ حكمَهُ بخلافِ دمِ العروق، فإذا سالَ عن رأسِ الجرحِ علمَ أنَّهُ دمٌ انتقلَ من العروقِ في هذهِ السَّاعة، وهو الدَّمُ النَّجس، أمَّا إذا لم يسلْ عُلِمَ أنَّهُ دمُ العضو، هذا في الدَّم.
أمَّا في القيء، فالقليلُ هو الماءِ الذي كان في أعلى المعدة، وهي ليستْ محلّ) النَّجاسة، فحكمُهُ حكمُ الرِّيق.
(ونومُ مضطجع (^٢)، ومتكئ، ومستندٍ إلى ما لو أزيلَ لسقطَ (^٣) لا غير): أي لا ينقضُ الوضوءَ نومٌ غيرِ ما ذكر، وهو النَّومُ قائمًا، أو قاعدًا، أو راكعًا، أو ساجدًا في الصَّلاةِ وغيرها (^٤)
_________________
(١) في أ وب وس وص وف: وغيره.
(٢) أي أن ينام واضعًا جنبيه على الأرض. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٧٦).
(٣) أي لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم، وقد اختلفوا فيها: فمنهم من ذهب إلى أنه لا ينقض كصاحب «الدر المختار» (١: ٩٥)، وصححه صاحب «البدائع» (١: ٣١)، وقال: وبه أخذ عامة المشايخ، وصححه الزيلعي في «التبيين» (١: ١٠)، وقال: رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة - ﵃ -. ومنهم من اختار أنه ناقض كصاحب «الوقاية»، وشارحها في «النقاية» (ص ٥)، والحلبي في «ملتقى الأبحر» (ص ٣)، والطحاوي في «مختصره» (ص ١٩)، والقدوري في «مختصره» (ص ٢)، وصاحب «الهداية» (ص ١٥)، وصاحب «الاختيار» (ص ١٦ - ١٧)، وصاحب «المحيط» (ص ١٤٤). وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الأرض، وإلا نقض اتفاقًا. ينظر: «رد المحتار» (١: ٩٦).
(٤) اختلفوا في النوم ساجدًا على أقوال: الأول: أنه غير ناقض مطلقًا، وهو ظاهر المذهب على ما في «الخلاصة»، وصححه صاحب «تحفة الفقهاء» (١: ٢٢)، و«الهداية» (ص ١٥). والثاني: أنه إن تعمد النوم في الصلاة، فهو حدث، وإلا فلا، وهو المروي عن أبي يوسف، ينظر: «فتح القدير» (ص ٤٣). والثالث: أنه حدث خارج الصلاة غير حدث فيها، وهو المروي عن شمس الأئمة الحلواني واختاره صاحب «المنية» (ص ٤٤). والرابع: أنه ليس بحدث إذا كان على الهيئة المسنونة في الصلاة كان فيها أو خارجها، واختاره صاحب «الفتح» (ص ٤٣)، و«البدائع» (١: ٣١)، والحلبي في «شرح المنية الصغير» (ص ٩٣). والخامس: أنه ليس بحدث في الصلاة مطلقًا وخارج الصلاة إن كان على الهيئة المسنونة، وصححه الزيلعي في «التبيين» (١: ١٠).
[ ٢ / ٣٢ ]
والإغماء، والجنونُ، وقهقهةُ مصلٍّ بالغٍ يركعُ ويسجد
(والإغماء (^١)، والجنونُ) على أيِّ هيئةٍ كانا، ويدخلُ في الإغماءِ السُّكر، وحدُّهُ هنا: أن يدخلَ في مشيتِهِ تحرُّكٌ هو الصَّحيح (^٢)، وكذا في اليمين، حتى لو حلفَ أنَّهُ سكران، يعتبرُ هذا الحدّ.
(وقهقهةُ مصلٍّ بالغٍ يركعُ ويسجد) حتى لا ينقضَ الوضوءَ قهقهةُ الصَّبيّ (^٣).
وشرطُهُ: أن يكونَ في صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود، حتى لو قهقه في صلاةِ الجنازة، أو سجدةِ التَّلاوةِ لا تنقضُ الوضوء، بل يبطلُ ما قهقه فيه، وإنَّما شَرَطَ ما ذُكِر؛ لأنَّ انتقاضَ الوضوءِ بها ثبتَ بالحديثِ (^٤) على خلافِ القياس (^٥)، فيقتصرُ على موردِه.
ثمَّ القهقهة إنَّما تنقضُ الوضوء إذا كان يقظانًا حتى لو نامَ في الصَّلاةِ على أيِّ هيئةٍ فقهقَهَ لا ينقضُ الوضوء (^٦).
وعند الشَّافعيّ (^٧) - ﵁ -: لا ينقضُ الوضوءُ بالقهقهة.
_________________
(١) الاغماء: ضَرْب من المرض يُضعِفُ القوى، ولا يزيل العقل، بل يستره بخلاف الجنون فإنه يزيله، وهو كالنوم في فوت الاختيار، وفوت استعمال القدرة حتى بطلت عباراته. ينظر: «البحر» (١: ٤١).
(٢) احتراز عمّا حدَّه قاضي خان في «فتاواه» (١: ٤٢) وهو: أن لا يعرف الرجل من المرأة.
(٣) ينظر: «جامع أحكام الصغار» (١: ٧ - ٨).
(٤) وهو عن أبي العالية ﵀، وغيره: (إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة) في «سنن الدارقطني» (١: ١٦٧)، و«الكامل» (٣: ١٦٧)، و«تاريخ جرجان» (١: ٤٠٥)، و«سنن البيهقي الكبير» (٢: ٢٥٢)، و«مصنف عبد الرزاق» (٢: ٣٧٦)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ٣٤١)، و«مراسيل أبي داود» (ص ٧٥)، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقة في «الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة»: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحًا على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة.
(٥) المراد بالقياس هنا القاعدة: وهي نقض الوضوء من الخارج النجس أو من الخارج من السبيلين.
(٦) ينظر: «منية المصلي» (ص ٤٥)، وشرحها «الغنية» (ص ١٤٢ - ١٤٣).
(٧) ينظر: «حلية العلماء» (١: ١٥٤)، و«الوسيط» (١: ٣١٣)، و«حواشي الشرواني» (١: ١٤٠). ولا تنقض أيضًا عند مالك كما في «القوانين الفقهية» (١: ٥٢)، و«الكافي» (١: ٦٦). وأحمد كما في «المبدع» (١: ٥١٧).
[ ٢ / ٣٣ ]
والمباشرةُ الفاحشةُ إلا عندَ محمَّدٍ - ﵁ -، ودودةٌ خرجتْ من دُبُرٍ لا التي خرجتْ من جُرح
وحدُّها: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه (^١).
والضَّحك: أن يكونَ مسموعًا لهُ لا لجيرانِه، وهو يبطلُ الصَّلاةَ لا الوضوء (^٢).
والتَّبسُّم: أن لا يكونَ مسموعًا أصلًا، وهو لا يبطلُ شيئًا (^٣).
(والمباشرةُ (^٤) الفاحشةُ (^٥) إلا عندَ محمَّدٍ (^٦) - ﵁ -): وهي أن يماسَّ بدنُهُ بدنَ المرأةِ مجرَّديْن، وانتشرَ آلتُه (^٧)، وتماسَّ الفرجان.
(ودودةٌ (^٨) خرجتْ من دُبُرٍ لا التي خرجتْ من جُرح)؛ لأنَّها طاهرة، وما عليها من النَّجاسةِ قليلة، وأمَّا الخارجةُ من الدُّبرِ فتنقض؛ لأنَّ خروجَ القليلِ منهُ ناقض، ومن الإحليلِ لا؛ لأنَّها خارجةٌ من جرح؛ (لأنَّ الإحليلَ ليسَ محلًا لدودة،
_________________
(١) حكم القهقة في خارج الصلاة: أنه قبيح وعمل شنيع. ينظر: «الهسهسة» (ص ١٠٠).
(٢) حكم الضحك في غير الصلاة: أنه مباح من غير عجب، أو يكثر وقد ثبت ضحكه - ﷺ - حتى بدت نواجذه في عدّة مواضع، كما في «صحيح البخاري» (٥: ٢٣٨٩)، و«صحيح مسلم» (١: ١٧٣)، وغيرها. ينظر: «الهسهسة» (ص ٩٥).
(٣) وحكم التبسم في غير الصلاة: أنه مباح؛ لما روي عن جابر بن سمرة: «كان رسول الله - ﷺ - لا يضحك إلا تبسمًا) في «سنن الترمذي» (٥: ٦٠٣)، وقال الترمذي: حسن غريب ومن هذا صحيح، وفي «المستدرك» (١: ٦٦٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٦: ٣٢٨). و«مسند أحمد» (٥: ٩٧). و«مسند أبي يعلى» (١٣: ٥٥٣). و«المعجم الكبير» (٢: ٢٤٤). ينظر: «الهسهسة» (ص ٩٥).
(٤) وهي من باشر الرجل امرأته إذا أفضى إليها. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٧٧).
(٥) المراد بالفحش: الظهور لا الذي نهى عنه الشارع لأنها تكون بين الرجل وامرأته، أو المعنى فاحشة باعتبار أغلب صورها؛ لأنها تكون بين المرأتين والرجلين والرجل والغلام، ثم هي من الناقض الحكمي. ينظر: «رد المحتار» (١: ٩٩).
(٦) والقول في كونها ناقضة على قولهما أن مثل هذه سبب غالب لخروج المذي، فيقام السبب مقام المسبب، أما محمد - ﵁ - فإنها ليست من النواقض عنده ما لم يخرج شيء من المذي ونحوه، وعامة الكتب على الأخذ بقولهما، وصحح القاري في «فتح باب العناية» (١: ٧٨)، وأبو المكارم في «شرح النقاية» (ق ٥/ب)، وغيرهما قوله.
(٧) هذا في حق نقض وضوئه لا وضوئها، فإنه لا يشترط في نقضه انتشار آلة الرجل. ينظر: «القنية» (ق ٣/أ).
(٨) في أ وب وس: لا دودة.
[ ٢ / ٣٤ ]
ولحمٌ سقطَ منه، ومسُّ المرأةِ والذَّكَرِ. وفرضُ الغُسْل: المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاق
فإذا خرجتْ منهُ عُلِمَ أنَّ فيه جراحة، وخرجت منها) (^١)، ومن قُبُلِ المرأةِ فيهِ اختلافُ المشايخ (^٢).
(ولحمٌ (^٣) سقطَ منه (^٤»: أي من جرح.
(ومسُّ (^٥) المرأةِ (^٦) والذَّكَرِ) (^٧) خلافًا للشَّافِعِيِّ (^٨) - ﵁ -.
(وفرضُ الغُسْل:
المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاق)، وهما سنَّتانِ عند الشَّافعيِّ (^٩) - ﵁ -.
ولنا: أنَّ الفمَ داخلٌ من وجه، خارجٌ (^١٠) من وجهٍ حسًَّا عند انطباقِ الفمِ وانفتاحِه، وحكمًا في ابتلاعِ الصَّائم الرِّيق (^١١)، ودخولِ شيءٍ في فمِه (^١٢)، فجعلَ
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) سبق ذكر الاختلاف (١: ٢٦).
(٣) في ف وم: ولا لحم.
(٤) يعني لو سقط من رأس الجرح لا ينقض؛ لأن الدودة واللحم طاهران، وما عليها من النجاسة قليل، وهو معفوّ؛ لكونها في غير السبيلين. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٨/أ).
(٥) في م: ولا مس.
(٦) ويؤيده ما روي عن عائشة - ﵁ - قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما» في «صحيح البخاري» (١: ١٥٠)، و«صحيح مسلم» (١: ٣٦٧)، واللفظ له.
(٧) ويؤيده ما روى قيس بن طلق، قال حدثني أبي، قال: كنا عند النبي - ﷺ - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله - ﷺ - إن أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - ﷺ -: «وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك» في «صحيح ابن حبان» (٣: ٤٠٣)، واللفظ له، و«المنتقى» (١: ١٨)، و«المجتبى» (١: ١٠١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ١٥٢)، و«مصنف عبد الرزاق» (١: ١١٨)، و«شرح معاني الآثار» (١: ١١٨)، و«مجمع الزوائد» (١: ٢٤٤)، وغيرها.
(٨) ينظر: «التنبيه» (ص ١٣).
(٩) ينظر: «المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (ص ١: ٧٣).
(١٠) في أ: وخارج.
(١١) فحكمه حكم الداخل إذ لا يفطر به، وهذا آية كونه داخلًا.
(١٢) فحكمه حكم الخارج إذ يفطر الصائم به، وهذا آية كونه خارجًا.
[ ٢ / ٣٥ ]
وغسلُ سائر البدن
داخلًا في الوضوءِ خارجًا في الغُسْل؛ لأنَّ الواردَ فيه صيغةُ المبالغة (^١)، وهي (قوله تعالى) (^٢): ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٣)، وفي الوضوءِ غَسلُ الوجه، وكذلكَ الأنف (^٤)، وإذا تمضمضَ وقد بقيَ في أسنانِهِ طعامٌ فلا بأسَ به.
(وغسلُ سائر (^٥) البدن (^٦»: أي جميعُ ظاهرِ البدن، حتى لو بقيَ العجينُ في الظُّفرِ فاغتسلَ لا يجزئ، وفي الدَّرنِ (^٧) يجزئ؛ إذ هو متولِّدٌ من هنالك، وكذا الطِّين؛ لأنَّ الماءَ ينفذُ فيه، وكذا الصَّبغُ والحِنَّاء، فالحاصلُ أنَّ المعتبرَ في هذا الحَرَج (^٨).
_________________
(١) إذ بسبب ورود صيغة المبالغة في الغسل دون الوضوء يكون افتراض غسل ما كان داخلًا من وجه وخارجًا، وفي الوضوء ما كان خارجًا من كل وجه كظاهر الوجه.
(٢) زيادة من أ وب وس.
(٣) من سورة المائدة، (٦)، وتمامها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
(٤) أي الأنف ينطبق عليه ما انطبق على الفم في حالة الصوم، فيأخذ حكمه في المبالغة في الغسل.
(٥) زيادة من أ.
(٦) لما روي عن رسول - ﷺ - من الأحاديث، كحديث أبي هريرة، وابن عباس، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة، وغيرهم - ﵃ - بألفاظ متقاربة أن النبي - ﷺ -، قال: «تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر» في «جامع الترمذي» (١: ١٧٨)، واللفظ له، و«سنن أبي داود» (١: ٦٥)، و«مجمع الزوائد» (١: ٢٧٢)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، و«مصباح الزجاجة» (١: ٨١)، و«مسند الربيع» (١: ١٦)، و«مسند ابن راهويه» (٣: ٩٦٤)، و«مسند الشاميين» (١: ٤١٦)، و«مسند ابن الجعد» (١: ٣٥). وحديث علي - ﵁ -، قال: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: (من ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار) في «مسند أحمد» (١: ١٠١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١: ٩٦)، و«سنن البيهقي الكبير» (١: ٢٢٧)، و«سنن ابن ماجه» (١: ١٩٦)، و«المعجم الصغير» (٢: ١٧٩)، و«الأحاديث المختارة» (٢: ٧٤).
(٧) الدَّرَن: الوسخ. ينظر: «اللسان» (٢: ١٣٦٨).
(٨) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى: وعلى هذا ما تبقى على أيدي عمال الدهان ونحوهم من آثار الدهان ونحوه، ولا يمكنهم حله بسهولة أو استمرار: لا يمنع طهارتهم للوضوء أو الغسل؛ لأنه لا يمكنهم الاحتراز عنه، مع التذكير لهم بالاحتراز منه ما أمكن. ينظر: هامش «فتح باب العناية» (١: ٨٤).
[ ٢ / ٣٦ ]
وإذا ادَّهنَ (^١) فأمرَّ الماءَ عليه (^٢) فلم يصل (^٣) يجزئ.
وأمَّا ثُقْبُ القُرْط (^٤): فإن كان القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّه أنَّ الماءَ لا يصلُ من غيرِ تحريك، فلا بدَّ منه. فإن لم يكنْ القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّهِ أنَّ الماءَ يصلُ من غيرِ تكلُّفٍ لا يتكلَّف، وإن غلبَ على ظنِّه أنَّهُ لا يصلُ إلا بتكلُّفٍ يتكلَّف. وإن انضمَّ الثُّقْبُ بعدَ نزعِه، وصارَ بحالٍ إن أمرَّ الماءَ عليها يدخلها، وإن غفلَ لا يدخلها أمرَّ الماء، ولا يتكلَّفُ في إدخالِ شيءٍ سوى الماءِ من خشبٍ أو نحوه (^٥).
وإن كان في أُصْبَعِهِ خاتمٌ ضيقٌ يجبُ تحريكُه؛ ليصلَ الماءُ تحتَه.
ويجبُ على الأَقْلَفِ (^٦) إدخالُ الماءِ داخلَ القُلْفَة (^٧)، وإن نزلَ البولُ إليها، ولم يخرجْ عنها نقضَ الوضوء، هذا عند بعضِ المشايخ (^٨) - ﵃ -، فلها حكمُ الظَّاهرِ من كلِّ وجه.
_________________
(١) ادَّهن أي استعمل الدهن كزيت وشيرج ونحوه بخلاف شحم وسمن جامد في عضو من أعضاءه، فإذا أسال الماء إليه لم يصل إلى العضو، فإنه يكفي دون ضرورة إزالة الدهن؛ لوجود غسل العضو، كذا في «رد المحتار» (١: ١٠٤)، و«عمدة الرعاية» (١: ٧٨).
(٢) زيادة من ب وم.
(٣) في ب وس وص: يقبل.
(٤) القُرْطُ: هو ما يعلق في شحمة الأذن. ينظر: «تاج العروس» (٢٠: ١١).
(٥) لأن المعتبر غلبة ظنه بوصول الماء. ينظر: «الدر المختار» (١: ١٠٤).
(٦) الأَقْلَفُ: من لم يُخْتَن. ينظر: «تاج العروس» (٢٤: ٢٨٢).
(٧) القُلْفَة: جلدة الذَّكَرِ التي أُلبستها الحشفة، وهي التي تقطع من ذكر الصبي. ينظر: «تاج العروس» (٢٤: ٢٨٢).
(٨) صحَّح الزيلعي في «التبيين» (١: ١٤)، وملا خسرو في «غرر الأحكام» (١: ١٧)، والعيني في «رمز الحقائق» (١: ١٠) وجوب إيصال الماء داخل القلفة. واختاره صاحب «مجمع الأنهر» (١: ٢١)، والكردري، وصاحب «الهداية» في «مختارات النوازل». وصحح الكمال في «فتح القدير» (١: ٥٠) استحباب إدخال الماء داخل القلفة، وتبعه الحصكفي في «الدر المنتقى» (١: ٢١)، و«الدر المختار» (١: ١٠٣)، وابن نجيم في «البحر» (١: ٥١)، واختاره صاحب «الكنْز» (ص ٣)، و«الملتقى» (ص ٤). وصحح الشرنبلالي في «الشرنبلالية» (١: ١٧)، و«المراقي» (ص ١٣٧) التفصيل، فإذا كان يمكن فسخ القلفة بلا مشقة لا يجزئه تركه، وإلا أجزأه. وتبعه اللكنوي في «عمدة الرعاية» (١: ٧٩).
[ ٢ / ٣٧ ]
لا دلكُه. وسُنَّتُهُ: أن يغسلَ يديهِ إلى رسغيه، وفرجَه، ويزيلُ نجسًا إن كان على بدنه، ثم يتوضأ إلاّ رجليه، ثُمَّ يفيضُ الماءَ على كلِّ بدنِهِ ثلاثًا، ثمَّ يغسلُ رجليهِ لا في مكانِه
وعند البعض: لا يجبُ إيصالُ الماءِ إليها في الغُسْل، مع أنَّهُ ينقضُ الوضوءَ إذا نزلَ البولُ إليها، فلها حكمُ الباطنِ في الغُسل، وحكمُ الظَّاهرِ في انتقاضِ الوضوء.
(لا دلكُه (^١).
وسُنَّتُهُ:
أن يغسلَ يديهِ (إلى رسغيه) (^٢)، وفرجَه، ويزيلُ نجسًا إن كان): أي إن كانت النَّجاسة (على بدنِه (^٣)، ثمَّ يتوضَّأُ إلا رجليه)، استثناءٌ متَّصل، أي يغسلُ أعضاءَ الوضوء (^٤) إلا رجليه، (ثُمَّ يفيضُ (^٥)
الماءَ على كلِّ بدنِهِ ثلاثًا، ثمَّ يغسلُ رجليهِ لا في مكانِه): أي إذا كان مكانُ الغُسْلِ مجتمع الماءِ المستعمل، حتى إذا اغتسلَ على
_________________
(١) ولا يجب الدلك إلا في رواية عن أبي يوسف - ﵁ -، وكأنّ وجهه خصوص صيغة ﴿فاطَّهروا﴾، فإن افتعّل للمبغالة، وهو أصله، وذلك الدلك. كما في «فتح القدير» (١: ٥٠)، ولنا: الدلك يكون متممًا فيكون مستحبًا. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق ٨/أ).
(٢) زيادة من أ وس.
(٣) وإزالة النجاسة سنة على حدة غير غسل الفرج، فإنه غير مختص بوجود النجاسة عليه، ينظر: «البحر» (١: ٥٢)، و«الدر المختار» (١: ١٠٦).
(٤) والأولى أن يمسح رأسه في هذا الوضوء، وهو الصحيح. ينظر: «البحر» (١: ٥٢).
(٥) اختلفوا في كيفية الإفاضة: فقيل: يبدأ برأسه، ثم منكبه الأيمن، ثم الأيسر، وهذا اختيار صاحب «المراقي» (ص ١٤١)، و«فتح باب العناية» (١: ٨٧)، و«تحفة الفقهاء» (١: ٢٩)، و«البدائع» (١: ٣٤)، و«الهداية» (١: ١٦)، و«فتح القدير» (١: ٥١)، والقدوري في «مختصره» (ص ٣)، و«التبيين» (١: ١٤). و«البحر» (١: ٥٢). وصححه الحصكفي في «الدر المختار» (١: ١٠٧)، وقال: هو ظاهر الرواية، ومن الأحاديث فيه حديث عائشة - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله» في «صحيح البخاري» (١: ٩٩)، وغيره. وقال الحلواني: يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثًا ثم الأيسر ثلاثًا ثم على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثًا. واختاره صاحب «التنوير» (١: ١٠٧)، وصححه ملا خسرو في «الغرر» (١: ١٨) وقيل: يبدأ بالأيمن ثلاثًا، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. ينظر: «التاتارخانية» (ق ٢١/ب)، و«حاشية الشلبي على التبيين» (١: ١٤).
[ ٢ / ٣٨ ]
وليس على المرأةِ نقضُ ضفيرتِها، ولا بلُّها إذا ابتلَّ أصلُها
لوحٍ أو حجرٍ يغسلُ الرِّجلينِ هناك (^١).
(وليس على المرأةِ نقضُ ضفيرتِها (^٢)، ولا بلُّها إذا ابتلَّ أصلُها): خصَّ المرأةَ بالذِّكرِ (^٣) لقولِهِ - ﷺ - لأمِّ سلمةَ ﵂: «يكفيكِ إذا بلغَ الماءُ أصولَ شعرِك» (^٤).
ويجبُ على الرَّجلِ نقضُها (^٥)، وقيل: إذا كان الرَّجلُ مضفَّرَ الشَّعرِ كالعلويَّةِ (^٦) والأتراكِ لا يجب، والأحوطُ أن يجب.
_________________
(١) اعلم أنهم اختلفوا في تأخير غسل الرجلين: فمنهم من ذهب إلى التقديم مطلقًا كصاحب «الدر المختار» (١: ١٠٦)، وظاهر كلام النسفي في «الكنْز» (ص ٤). ومنهم من ذهب إلى التأخير مطلقًا وهو ظاهر كلام القدوري في «مختصره» (ص ٣)، والحلبي في «الملتقى» (ص ٤). ومنهم من ذهب إلى التفصيل، كما قال الشارح، كصاحب «التبيين» (ص ١٤)، و«المراقي» (ص ١٤١)، و«التحفة» (١: ٢٩)، و«البحر» (ص ٥٢)، و«تحفة الملوك» (ص ٢٨)، و«البدائع» (ص ١: ٣٤)، و«الهداية» (١: ١٦)، و«الاختيار» (١: ١٩)، ونبه ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٠٦) أن الاختلاف في الأولوية لا في الجواز.
(٢) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر - أي تجمع ـ، وجمعها ضفائر. ينظر: «اللسان» (٤: ٢٥٩٤).
(٣) زيادة من م.
(٤) ورد في كتب الحديث بألفاظ أخرى، مثل: عن أم سلمة، قالت: قلت يا رسول الله إنِّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه؛ لغسل الجنابة، قال: «لا إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء» في «صحيح مسلم» (١: ٢٥٩)، واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ١٢٢)، و«المنتقى» (١: ٣٥)، و«جامع الترمذي» (١: ١٧٦)، وتمامه في «نصب الراية» (١: ٨٠).
(٥) فيه عن أبي حنيفة - ﵁ - روايتان نظرًا إلى العادة، وإلى عدم الضرورة، وذكر الصدر الشهيد أن يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقهم لعدم الضرورة، وللاحتياط، قال في «الخلاصة»: وفي شعر الرجل يفترض إيصال الماء إلى المسترسل، ولم يذكر غير ذلك، فكان هو الصحيح، عملًا بمقتضى المبالغة في الآية مع عدم الضرورة المخصصة في حقهم. ينظر: «غنية المستملي» (ص ٤٨).
(٦) أي المنتسبون إلى علي بن أبي طالب - ﵁ -، وبعضهم يخصهم بمن كان من غير فاطمة - ﵁ -. ينظر: «غنية المستملي» (١: ٤٧).
[ ٢ / ٣٩ ]
موجِبُهُ: إنزالُ منيٍّ ذي دفقٍ وشهوةٍ عند الانفصال
وقولُه: ولا بلُّها، قال بعضُ مشايخنا - ﵃ -: تبلُّ ذوائبَها وتعصرُها (^١)، لكنَّ الأصحَّ عدمُ وجوبِه، وهذا إذا كانت مفتولة، أمَّا إذا كانتْ منقوضةً يجبُ إيصال الماءِ إلى أثناءِ الشَّعرِ كما في اللِّحية؛ لعدمِ الحرج.
(وموجِبُهُ:
إنزالُ منيٍّ (^٢) ذي دفقٍ (^٣) وشهوةٍ (^٤) عند الانفصال (^٥» حتى لو أنزلَ بلا شهوةٍ لا يجبُ الغسلُ عندنا، خلافًا للشَّافعيِّ - ﵁
- (^٦).
_________________
(١) قال بهذا الرأي الفقيه أحمد بن إبراهيم، وقال: فائدة اشتراط العصر أن يبلغ الماء شعب قرونها. ينظر: «المحيط» (ص ١٦٨).
(٢) المَنِيّ: وهو عام يشمل ماء الرجل والمرأة، وله خواص يعرف بها: أحدها: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، الثانية: الرائحة كرائحة الطلع رطبًا، ورائحة البيض يابسًا، الثالثة: الخروج بدفق ودفعات، والرابع: أنه أبيض خاثر ينكسر منه الذكر، هذا في مَنِيّ الرجل، وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق. وأما المذي: وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق، والودي: وهو ماء أبيض كدر لا رائحة له يخرج بعد البول، وهما موجبان للوضوء لا للغسل. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٠٧)، «عمدة الرعاية» (١: ٨١)، «اللباب» (١: ١٦).
(٣) الدفق: هو سرعة الصب من رأس الذكر لا من مقرِّه. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٠٨).
(٤) صورة إنزال المني على دفق وشهوة عند الانقصال موجب للغسل عند الإمام وصاحبيه - ﵃ -، وشرط الدفق إنما هو عند أبي يوسف لا عندهما، فلم يشترطا إلا الانفصال عن شهوة؛ لذا لم يقيد الإنزال بالدفق الشرنبلالي في «المراقي» (ص ١٣١)، وملا خسرو في «الغرر» (١: ١٩)، وصاحب «التنوير» (١: ١٠٩)، وتبعه صاحب «الدر المختار» (١: ١٠٩)، فقال الشرنبلالي: إذا انفصل عن مقرِّه بشهوة. وقد نبه على ذلك البابرتي في «العناية على الهداية» (١: ٥٣)، وصاحب «مجمع الأنهر» (١: ٢٣)، والحصكفي في «الدر المنتقى» (١: ٢٣)، و«رد المحتار» (١: ١٠٩)، وغيرهم. وإن كان قيَّده بما قيد به الماتن صاحب «الهداية» (١: ١٧)، و«الاختيار» (١: ٢٠)، و«الكنْز» (ص ٤)، و«الملتقى» (ص ٤)، والقدوري في «مختصره» (ص ٣).
(٥) أي انفصاله عن موضعه ومستقره، وهو الصلب في الرجل، والترائب: أي عظام الصدر في المرأة، وهذا متعلق بقيد الشهوة لا بالدفق، فإنه لا يكون إلا عند الخروج. ينظر: «السعاية» (ص ٣١٠).
(٦) ينظر: «مغني المحتاج» (١: ٧٠)، و«شرح الشهاب الرملي على الستين مسألة» مع «حاشيته» للدمياطي (ص ٤٤). و«حاشية أحمد الميهي» (ص ٢٤).
[ ٢ / ٤٠ ]
ولو في نوم، وغيبةُ حَشَفةٍ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعلِ والمفعولِ به، ورؤيةُ المستيقظِ المَنِيّ، أو المَذْي وإن لم يحتلم، وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاس
ثمَّ الشَّهوةُ شرطٌ وقتَ الانفصالِ عند أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ - ﵃ -، ووقت الخروجِ عند أبي يوسفَ - ﵁ - حتى لو انفصلَ عن مكانِهِ بشهوة، وأخذَ رأسَ العضوِ حتى سكنتْ شهوتُهُ فخرجَ بلا شهوةٍ يجبُ الغسلُ عندهما لا عنده، وإن اغتسلَ قبلَ أن يبول، ثمَّ خرجَ منهُ (^١) بقيَّةُ المنيِّ يجبُ غسلٌ ثانٍ عندهما، لا عنده.
(ولو في نوم)، ولا فرقَ في هذا بين الرَّجلِ والمرأة (^٢)، ورُوِي عن محمَّدٍ - ﵁ - في غيرِ روايةِ الأصول: إذا تذكَّرتِ الاحتلامَ والإنزالَ والتَّلذُّذ، ولم ترَ بللًا كان عليها الغُسْل، قال شمسُ الأئمَّةِ الحَلْوانِيّ - ﵁ -: لا يؤخذُ بهذهِ الرِّواية (^٣).
(وغيبةُ حَشَفةٍ (^٤) في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعلِ والمفعولِ به، ورؤيةُ المستيقظِ المَنِيّ، أو المَذْي (^٥) وإن لم يحتلم)، (أمَّا في المَنِيِّ فظاهر، و) (^٦) أمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيًَّا رَقَّ بحرارةِ البدن، وفيه خلافٌ لأبي يوسفَ (^٧) - ﵁ -.
(وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاس)؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهرْنَ﴾ (^٨)، على قراءةِ التَّشديد (^٩)، ولمَّا كان الانقطاعُ سببًا للغُسْل، فإذا انقطع، ثمَّ أسلمتْ لا يلزمُها
_________________
(١) زيادة من م.
(٢) فإنها إذا رأت بللًا وجب عليها الغسل، تذكرت المنام أو لم تتذكر. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٨١).
(٣) ينظر: «المحيط» (ص ١٨٠). وظاهر كلام صاحب «الفتاوى البزازية» (١: ١١) يدل على الأخذ بها.
(٤) الحَشَفَة: ما فوق الختان، وهي رأس الذَّكَر. ينظر: «اللسان» (٢: ٨٨٧).
(٥) المذي: بتسكين الذال: ماء رقيق أبيض يخرج عند ملاعبة الأهل. ينظر: «طلبة الطلبة» (ص ١٨).
(٦) زيادة من ص وم.
(٧) قال أبو يوسف: لا يجب عليه حتى يتذكر الاحتلام؛ لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب إلا بيقين، وهو القياس، وهما أخذا بالاحتياط؛ لأن النائم غافل، والمني قد يرق بالهواء، فيصير مثل المذي، فيجب عليه احتياطًا. ينظر: «التبيين» (١: ١٦).
(٨) من سورة البقرة، الآية (٢٢٢).
(٩) اختلفوا في تخفيف الطاء وضم الهاء وتشديد الطاء وفتح الهاء من قوله: ﴿حتى يطهرن﴾: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ خفيفة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والمفضل وحمزة، والكسائي: ﴿يَطَّهَرْنَ﴾ مشددة. وقرأ حفص عن عاصم: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ خفيفة. ينظر: «السبعة في القراءات» (١: ١٨٢)، و«حجة القراءات» (١: ١٣٥).
[ ٢ / ٤١ ]
لا وطئُ بهيمةٍ بلا إنزال. وسُنَّ للجمعةِ والعيدَيْن والإحرامِ وعرفة. ويجوزُ الوضوءُ: بماءِ السَّماءِ والأرض كالمطرِ والعين وإن تغيَّرَ بطولِ المُكْث، أو غُيِّرَ أحدُ أوصافِه
الاغتسال؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع، بخلافِ ما إذا أجنبتْ الكافرة، ثُمَّ أسلمت، حيث يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكون جُنُبًا بعد الإسلام، والانقطاعُ غير مستمِّرٍ فافترقا.
«لا وطئُ بهيمةٍ بلا إنزال) (^١) (^٢).
وسُنَّ للجمعةِ والعيدَيْن والإحرامِ وعرفة (^٣»، فغُسْلُ الجُمُعةِ سُنَّ لصلاةِ الجُمُعة، وهو الصَّحيح (^٤).
(ويجوزُ الوضوءُ:
بماءِ السَّماءِ والأرض كالمطرِ والعين)، وأمَّا ماءُ الثَّلجِ فإن كان ذائبًا بحيثُ يتقاطرُ يجوز، وإلا فلا، (وإن تغيَّرَ بطولِ المُكْث، أو غُيِّرَ أحدُ (^٥) أوصافِه): أي الطَّعم، أو اللَّون
_________________
(١) لأن موجب الغسل هو الانزال، والايلاجُ أقيم مقامه؛ لكونه سببًا له مفضيًا إليه غالبًا، وهذه السببية إنما تتحقق فيما يتكامل فيه الشهوة، وفرج البهائم ليس كذلك، لنقصان السببية في اقتضاء الشهوة، وكذا وطء ميتة وصغير لا تُشْتَهَى. ينظر: «فتح باب العناية» (ص ٣٢١)، «السعاية» (ص ٣٢١).
(٢) زيادة من ج.
(٣) صحح الحلبي في «غنية المستملي» (ص ٥٤ - ٥٥) أن هذه الأغسال الأربعة مستحبة، وليست سنة، ومال إليه ابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٥٧).
(٤) وهو قول أبي يوسف - ﵁ - خلافًا للحسن بن زياد - ﵁ -. ينظر: «ذخيرة العقبى على شرح الوقاية» (ص ١٢) ليوسف جلبي، و«السراجية» (١: ١٠). وثمرة الخلاف تظهر أن من لا تجب عليهم الجمعة كالنساء والصبيان لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف - ﵃ -. لكن عبد الغني النابلسي في «نهاية العماد» (ص ١٨٨ - ١٨٩)، قال: إنهم صرَّحوا بأن هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانيًا، ولئن كانت للطهارة أيضًا فهي حاصلة بالوضوء ثانيًا مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأن مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط. ا. هـ. وأيده على كلامه ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١١٤).
(٥) هذا التقييد اتفاقي، فإنه لو غير وصفين لا يؤثر ما لم يسلب عنه اسم المائية. ينظر: «العمدة» (١: ٨٣).
[ ٢ / ٤٢ ]
شيءٌ طاهرُ كالتُّراب، والأُشْنَان، والصَّابون، والزَّعْفَران، وبماءٍ جارٍ فيه نَجَسٌ لم يُرَ أثرُه: أي طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه
أو الرِّيح، (شيءٌ طاهرُ كالتُّراب، والأُشْنَان (^١)، والصَّابون، والزَّعْفَران (^٢»، إنَّما عدَّ هذه الأشياءِ ليعلمَ أنَّ الحكمَ لا يختلفُ:
بأن كان المخلوطُ من جنسِ الأرضِ كالتُّراب.
أو شيئًا يقصدُ بخَلْطِهِ التَّطهير: كالأُشْنَان والصَّابون.
أو شيئًا آخرَ كالزَّعْفَران (عند أبي حنيفة - ﵁ -) (^٣).
وعند أبي يوسفَ - ﵁ -: إن كان المخلوطُ شيئًا يقصدُ بهِ التَّطهيرُ يجوزُ به (^٤) الوضوء، إلا أن يغلبَ على الماءِ حتى يزولَ طبعُه، وهو الرِّقَّةُ والسَّيلان (^٥).
وإن كان شيئًا لا يقصدُ بهِ التَّطهيرُ:
ففي روايةٍ يشترطُ لعدمِ جوازِ التَّوضي بهِ غلبتُهُ على الماء.
وفي رواية: لا يشترط.
وما ليس من جنسِ الأرضِ فيه خلافُ الشَّافِعِيِّ (^٦) - ﵁ -.
(وبماءٍ جارٍ فيه نَجَسٌ لم يُرَ أثرُه (^٧): أي طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه … (^٨».
اختلفوا في حدِّ الجاري (^٩)، فالحدُّ الذي ليس في دركِهِ حرجٌ ما يذهبُ بتبنةٍ أو
_________________
(١) الأُشْنَان: بضم الهمزة وكسرها: نبات تغسل به الثياب والأيدي وبدن الإنسان، يعمل عمل الصابون أيضًا. ينظر: هامش «فتح باب العناية» (١: ٨٩).
(٢) الزَّعْفَران: هذا الصِّبغ، أي معروف، وهو من الطِّيب. ينظر: «تاج العروس» (٢١: ٤٢٨).
(٣) زيادة من ص وف.
(٤) زيادة من أ وب وس.
(٥) ساقطة من ص وم.
(٦) ينظر: «المنهاج» (١: ١٨).
(٧) أي لم ير أثره أي لم يعلم في ذلك الماء أثر ذلك النجاسة، فالمراد بالرؤية العلم. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٨٤).
(٨) في م زيادة: وبماءٍ في جانبِ غديرٍ لا يحرِّكُهُ بتحريكِ جانبِهِ الآخرَ الذي نجس ماؤُه.
(٩) فقيل: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: إن وضع الإنسان يده في الماء عرضًا لا ينقطع، وعن أبي يوسف إذا كان لا ينحسر وجه الأرض بالاغتراف بكفيه، فهو جار، وقيل: ما يعدَّه الناس جاريًا، وهو الأصح. ينظر: «التبيين» (١: ٢٣)، «العناية» (١: ٦٨).
[ ٢ / ٤٣ ]
ورقٍ، فإذا سُدَّ النَّهر من فوق، وبقيَّةُ الماءِ تجري مع ضعفٍ يجوزُ بهِ الوضوء، إذ هو ماءٌ جارٍ، وكلُّ ماءٍ ضعيفِ الجريان إذ توضَّأَ بهِ يجبُ أن يجلسَ بحيثُ لا يستعملَ غُسالتَه، أو يمكثَ بين الغرفتَيْن مقدارَ ما يذهبُ غُسالتُه.
وإذا كان الحوضُ صغيرًا يدخلُ فيه الماءُ من جانب، ويخرجُ من جانبٍ يجوزُ الوضوءُ في جميعِ جوانبِه، وعليهِ الفتوى، من غيرِ تفصيلٍ بين أن يكونَ أربعًا في أربعٍ أو أقلّ، فيجوز، أو أكثرُ فلا يجوز (^١)
واعلم (^٢) أنه إذا أنتنَ (^٣) الماءُ فإن علمَ (^٤) أن نتنَهُ للنَّجاسةِ لا يجوز، وإلاَّ يجوزُ حملًا على أنَّ نتنَهُ لطولُ المُكْث (^٥).
وإذا سدَّ (^٦) كلبٌ عرضَ النَّهر (^٧)، ويجري الماءُ فوقَه، إن كان ما يلاقي الكلبَ أقلُّ
_________________
(١) إلا في موضع دخوله وخروجه؛ لأن في الوجه الأول ما يقع منه من الماء المستعمل يخرج من ساعته، ولا يستقرّ فيه، ولا كذلك في الوجه الثاني. ينظر: «المحيط» (ص ٢٠٧). وقال قاضي خان في «فتاواه» (١: ٤) بعد ذكر المسألة: والأصح أن التقدير غير لازم إنما الاعتماد على ما ذكرنا في المعنى، فينظر فيه إن كان ما وقع فيه من الماء المستعمل يخرج من ساعته ولا يستقرّ فيه يجوز التوضؤ وإلا فلا. انتهى. وقال ابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٦٩): واختار السغدي جوازه. انتهى.
(٢) هذه المسألة من فروع قاعدة ابقاء ما كان على ما كان، أوردها توضيحًا لقول المصنف لم ير أثره. ينظر: «السعاية» (ص ٣٤٦).
(٣) إذا أنتن الماء سواء كان جاريًا أو راكدًا، وكذا إذا تغير طعمه أو لونه، فإنه إذا تغير الطعم أو اللون فإن علم أن تغيره للنجاسة لا يجوز الوضوء به، وإلا يجوز، فتخصيص النتن بالذكر على سبيل التمثيل. ينظر: «السعاية» (ص ٣٤٧).
(٤) فإن علم بإخبار رجل مسلم عدل، أو بعلامات دالة عليه تورث اليقين أو الظن، فإنه في حكم اليقين بكونه نجاسة. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٨٤).
(٥) لأن الماء قد يتغير بطول الزمان، وقد يتغير بوقوع الأوراق فيه، فالتغير لا يدل على وقوع النجاسة فيه لا محالة فيجوز التوضؤ به. ينظر: «المحيط» (ص ٢١٠).
(٦) يشير إلى أن قوله لم ير أثره إنما هو في غير الجيفة ونحوها، وأما فيها فالمعتبر رؤية النجاسة. ينظر: «السعاية» (ص ٣٤٨).
(٧) المسألة مذكورة في «فتاوى قاضي خان» (١: ٤) بلفظ: ساقية صغيرة.
[ ٢ / ٤٤ ]
وبماءٍ ماتَ فيه حيوانٌ مائيُّ المولد؛ كالسَّمكِ والضِّفدِع، أو ما ليسَ له دمٌ سائلٌ كالبقِّ والذُّباب
ممَّا لا يلاقيهِ يجوزُ الوضوءُ في الأسفل، وإلا لا، قال الفقيهُ أبو جعفرٍ (^١) - ﵁ -: على هذا أدركتُ مشايخي - ﵃ -، وعن أبي يوسفَ - ﵁ -: لا بأسَ بالوضوءِ به (^٢) إذا لم يتغيَّرْ أحدُ أوصافِه (^٣).
(وبماءٍ ماتَ فيه حيوانٌ مائيُّ المولد؛ كالسَّمكِ والضِّفدِع): بكسرِ الدَّال (^٤)، وإنَّما قال: مائيُّ المولد، حتى لو كان مولدُهُ في غيرِ الماء، وهو يعيشُ في الماء، يفسدُ الماءُ بموتِهِ فيه.
(أو ما ليسَ له دمٌ سائلٌ كالبقِّ والذُّباب): لأنَّ النَّجَسَ هو الدَّمُ المسفوحُ كما ذكرنا (^٥)، وبحديثِ وقوعِ الذُّبابِ في الطَّعام (^٦)، وفيهِ خلافُ الشَّافعيِّ - ﵁ - (^٧).
_________________
(١) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ بن عمرَ البَلْخي الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، نسبةً إلى هِنْدُوَان، محلةٌ ببلخ، قال الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له: أبا حنيفة الصغير لفقهه، حدث ببلخ وأفتى بالمشكلات وأوضح المعضلات، (ت ٣٦٢ هـ). ينظر: «العبر» (٢: ٣٢٨)، «الجواهر» (١: ١٩٢)، «الفوائد» (ص ٢٩٥).
(٢) ساقطة من ص وف وم.
(٣) وقد صحح قول أبي يوسف - ﵁ - اللكنوي في «السعاية» (ص ٣٤٨)، وابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٧٢)، واختاره تلميذه قاسم، وقوَّاه في «النهر»، وأقرَّه صاحب «التنوير» (١: ١٠٦). وصحح الحلبي في «غنية المستملي» (١: ٨١٩) الأول، وهو ما اختاره صاحب «البدائع» (١: ٧١)، وأقرَّه قاضي خان في «فتاواه» (١: ٤)، وقال ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٠٦): والحاصل أنهما قولان مصححان، وأولهما أحوط.
(٤) الضِّفْدِع: قال الدميري: ناس يقولون بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم، وهجرع، وهو الطويل، وهبلع، وهو الأكول، وبلعم، وهو اسم، وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال، وفتح في ألسنة العامة، وأشباه العامة من الخاصة، وقد أنكره بعض أئمة اللغة. ينظر: «حياة الحيوان» (٢: ٨٤ - ٨٥).
(٥) ١: ٣١).
(٦) وهو عن أبي هريرة - ﵁ -، قال النبي - ﷺ -: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينْزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاءً» في «صحيح البخاري» (٣: ١٢٠٦)، واللفظ له، و«صحيح ابن خزيمة» (١: ٥٦)، و«صحيح ابن حبان» (٤: ٥٣)، و«المنتقى» (١: ٢٦)، وغيرها.
(٧) فيه قولان عند الشافعي - ﵁ -، واختار الشيرازي في «التنبيه» (ص ١١) عدم النجاسة، وقال: هو الأصلح للناس، وابن رسلان في «الزبد» (ص ١٣).
[ ٢ / ٤٥ ]
لا بما اعُتِصَر من شجرٍ أو ثمر، ولا بماءٍ زالَ طبعُهُ بغلبةِ غيرِهِ أجزاءً، أو بالطَّبخ، كالأشربةِ، والخلّ، وماءِ البَاقِلاَّء، والمرق، ولا بماءٍ راكدٍ وقعَ فيه نَجَسٌ إلاَّ إذا كان عشرة أذرعٍ في عشرةِ
(لا بما اعُتِصَر)، الرِّوايةُ بقصرِ ما، (من شجرٍ أو ثمر (^١»، أمَّا ما يقطرُ من الشَّجر، فيجوزُ الوضوءُ به (^٢).
(ولا بماءٍ زالَ طبعُهُ بغلبةِ غيرِهِ أجزاءً) المرادُ به: أن يُخْرِجَهُ من طبعِ الماء، وهو الرِّقَّةُ والسَّيلان (^٣).
(أو بالطَّبخ، كالأشربةِ والخلّ) نظيرُ ما اعتصرَ من الشَّجرِ والثَّمر، فشرابُ الرِّيباسِ معتصرٌ من الشَّجر، وشرابُ التُّفاحِ ونحوَهُ معتصرٌ من الثَّمر.
(وماءِ البَاقِلاَّء) نظيرُ ما غلبَ عليه غيرُهُ أجزاءً.
(والمرق) نظيرُ ما غلبَ عليه غيرُهُ بالطَّبخ (^٤).
وأمَّا الماءُ الذي تغيَّرَ بكثرةِ الأوراقِ الواقعةِ فيهِ حتى إذا رُفِعَ في الكفِّ (^٥) يظهرُ فيه لونُ الأوراق، فلا يجوزُ به الوضوء (^٦)؛ لأنه كماءِ الباقلاَّء.
(ولا بماءٍ راكدٍ وقعَ فيه نَجَسٌ إلاَّ إذا كان عشرة أذرعٍ في عشرةِ
_________________
(١) لأنه ليس بماءٍ مطلق. ينظر: «الهداية» (١: ١٧).
(٢) لأنه ماء يخرج من غير علاج. وهو اختيار صاحب «الهداية» (١: ١٨)، و«التنوير» (١: ١٢١)، ورجّح صاحب «البحر» (١: ٧٢)، والحصكفي في «الدر المختار» (١: ١٢١)، والشرنبلالي في «المراقي» (ص ٦٥)؛ عدم الجواز، لأنه ليس لخروجه بلا عصر تأثير في نفي القيد، وصحة نفي الاسم عنه.
(٣) هذا عند أبي يوسف - ﵁ - وهو الصحيح، وعند محمد تعتبر الغلبة بحسب اللون. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٨٥).
(٤) الأولى أن يقال نظير ما زال طبع بالطبخ. ينظر: «السعاية» (ص ٣٦١).
(٥) التقييد بالكف إشارة إلى كثرة التغير؛ لأن الماء قد يرى في محله متغيِّرًا لونه لكن لو رفع منه شخص في كفه لا يراه متغيرًا. ينظر: «رد المحتار» (١: ١٢٥).
(٦) ولكن صحح التمرتاشي في «التنوير» (١: ١٢٥) جواز الوضوء به.
[ ٢ / ٤٦ ]
أذرع، ولا تنحسرُ الأرضُ بالغَرْف
أذرع (^١)، ولا تنحسرُ الأرضُ بالغَرْف (^٢»، فحكمُهُ حكمُ الماءِ الجاري:
فإن كانت النَّجاسةُ مرئيَّةً لا يُتَوَضَّأُ من موضعِ النَّجاسة، بل من الجانبِ الآخر.
_________________
(١) اختلفوا في هذا الحدّ: فمنهم: من حدَّه بالتكدر، أي إذا اغتسل فيه يتكدر الجانب الآخر، وهو قول محمد بن سلام ومنهم: من حدّ الصبغ، أي إذا ألقي فيه زعفران أثر في الجانب الآخر، وهو قول أبي حفص الكبير. ومنهم: من حدّه بالتحريك، وهو مذهب المتقدمين. كما في «العناية» (١: ٧٠)، وفيها تفصيل في الاختلاف في التحريك، هل هو باليد، أو بالتوضؤ، أو بالاغتسال. وقال صاحب «التبيين» (١: ٢٢): ظاهر المذهب التحريك. وقال صاحب «البدائع» (١: ٧٢): اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك. ومنهم: من فوَّضه إلى رأي المبتلي، وهذا هو أصل المذهب، والمختار عند المتقدمين كالكرخي، وجمع من محققي المتأخرين. فقد صححه ابن الهمام في «فتح القدير» (١: ٦٨ - ٦٩)، وصاحب «البحر» (١: ٧٨ - ٨٠)، وتبعه صاحب «التنوير» (١: ١٢٨)، و«الدر المختار» (١: ١٢٨)، ووفق ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٢٨) بينه وبين رأي التحريك، فقال: المراد بغلبة الظن بأنه لو حرك لوصل إلى الجانب الآخر إذا لم يوجد التحريك بالفعل. ومنهم: من حدّه بقدر ثمان في ثمان، وبه أخذ محمد بن سلمة. ومنهم: من حدّه بخمسة عشر في خمسة عشر، وهو قول أبي مطيع البلخي. ومنهم: من حدّه بعشر في عشر، وهو قول أبو سليمان الجوزجاني، وعليه عامّة المشايخ، واختاره قاضي خان في «فتاواه» (١: ٥)، وصاحب «المراقي» (ص ٦٩)، و«الملتقى» (ص ٤)، و«الكنْز» (ص ٤)، و«التبيين» (١: ٢١)، والقدوري في «مختصره» (ص ٤). ينظر: تفصيل هذه المذاهب في «التعليق الممجد على موطأ محمد» (١: ٢٦٩ - ٢٧٠)، و«السعاية» (ص ٣٧٠ - ٣٨٥)، و«البدائع» (١: ٧٢)، و«المبسوط» (١: ٧٠ - ٧١).
(٢) اختلفوا في قدر عمقه: فقال بعضهم: إن كان بحال لو رفع الماء بكفه لا ينحسر ما تحته من الأرض، فهو عميق، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة - ﵃ -. وصححه في «الهداية» (١: ١٩). واختاره صاحب «الملتقى» (ص ٤). وقال بعضهم: إن كان بحال لو اغترف لا تصيب يده وجه الأرض، فهو عميق. وقال بعضهم: قدر شبر. وقال بعضهم: قدر ذراع. ينظر: «الخانية» (١: ٥)، و«العناية» (١: ٧١)
[ ٢ / ٤٧ ]
ولا بماءٍ استعملَ لقربةٍ أو لرفعِ حدث
وإن كانت غير مرئيَّة يُتَوَضَّأُ من جميعِ الجوانب، وكذا من موضعِ غُسالتِه.
قال محيي السُنَّة (^١) - ﵁ -: التَّقدير بعشرٍ في عشرٍ لا يرجعُ إلى أصلٍ شرعيِّ يُعْتَمَدُ عليه.
أقول: أصلُ المسألةِ أنَّ الغديرَ العظيمَ الذي لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيهِ بتحريكِ الطَّرفِ الآخرِ إذا وقعتْ النَّجاسةُ في أحدِ جوانبهِ جازَ الوضوءُ في الجانبِ الآخر، ثمَّ قُدِّرَ هذا بعشرٍ في عشر، وإنَّما قُدِّرَ بهِ بناءً على قولهِ - ﷺ -: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًَا فَلَهُ حَوْلُهَا أَرْبَعُون ذِرَاعًا» (^٢)، فيكونُ له حريمُها من كلِّ جانبٍ عشرة، ففهمَ من هذا أنَّهُ إذا أرادَ آخرٌ أن يحفرَ في حريمِها بئرًا يُمْنَعُ منه؛ لأنَّهُ ينجذبُ الماءُ إليها، وينقصُ الماءُ في البئرِ الأُولَى، وإن أرادَ أن يحفرَ بئرَ بَالُوعةٍ (^٣) يُمْنَعُ أيضًا؛ لسرايةِ النَّجاسةِ إلى البئرِ الأُولَى، وتنجيس مائها، ولا يُمْنَعُ منها (^٤) فيما وراءَ الحريم، وهو عشرٌ في عشر، فعُلِمَ أنَّ الشَّرعَ اعتبرَ العشرةَ في العشرةِ في عدمِ سرايةِ النَّجاسة، حتى لو كانتْ النَّجاسةُ تسري، يحكمُ بالمنع، ثمَّ المتأخِّرونَ وسَّعُوا الأمرَ على النَّاس، وجوَّزوا الوضوءَ في جميعِ جوانبه.
(ولا بماءٍ استعملَ لقربةٍ أو لرفعِ حدث)، اعلمْ أنَّ في الماءِ المستعملِ اختلافات:
الأوَّل: في أنَّهُ بأيِّ شيءٍ يصيرُ مستعملًا، فعند أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ - ﵃ - بإزالةِ الحدث (^٥)، وأيضًا بنيَّةِ القربة، فإذا توضَّأ المحدثُ وضوءً غيرَ منويٍّ يصيرُ مستعملًا،
_________________
(١) وهو حسين بن مسعود الفرَّاء البَغَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو محمد، محيي السُّنَّة، قال الأسنوي: وكان دينًا ورعًا قانعًا باليسير، يأكل الخبز وحده، فَعُذِل في ذلك، وصار يأكله بالزيت، وكان لا يلقي درسه إلا على طهارة، من مؤلفاته: «معالم التنْزيل في علم التفسير»، و«مشكاة المصابيح»، و«شرح السنة»، (ت ٥١٦ هـ). ينظر: «وفيات» (٢: ١٣٦). «طبقات الأسنوي» (١: ١٠١). «الكشف» (٢: ١٧٢٦).
(٢) من حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل - ﵃ - في «سنن ابن ماجه» (٢: ٨٣١)، و«مسند أحمد» (٢: ٤٩٤»، و«سنن الدارقطني» (٤: ٢٢٠)، و«التحقيق في أحاديث الخلاف» (٢: ٢٢٥)، وقد استوفى طرقه الزيلعي في «نصب الراية» (٤: ٢٩١ - ٢٩٢)، ورد كلام الدارقطني بأن الصحيح أنه مرسل.
(٣) البَالُوعة: بئر تحفر ويضيق رأسُها يجري فيها المطر، وهي لغة أهل البصرة. ينظر: «اللسان» (١: ٣٤٥). قال اللكنوي في «عمدة الرعاية» (١: ٨٨): يعني إذا أراد آخر أن يحفر حفرة لألقاء النجاسات ونحوها وسيلان الميزاب في حريم البئر الأولى لا يسعه ذلك.
(٤) زيادة من م.
(٥) أي النجاسة غير الحقيقية، وأما المستعمل لإزالة النجاسات الحقيقية كماء الاستنجاء وغسالة الثياب النجسة، فهو نجس اتفاقًا ما لم يعط للمغسول حكم الطهارة، وبعد ذلك هو طاهر وطهور اتفاقًا. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٨٨).
[ ٢ / ٤٨ ]
ولو توضَّأ غيرُ المحدثِ وضوءً منويًَّا يصيرُ مستعملًا أيضًا.
وعند محمَّدٍ - ﵁ - بالثَّاني فقط (^١).
وعند الشَّافعيِّ (^٢) - ﵁ - بإزالةِ الحدث لكن إزالة الحدث لا يتحقَّقُ إلا بنيَّةِ القربةِ عندهُ بناءً على اشتراطِ النِيَّةِ في الوضوء.
والاختلافُ الثَّاني: في أنَّهُ متى يصيرُ مستعملًا (^٣)، ففي «الهداية»: إنَّهُ كما زايلَ العضوَ صارَ مستعملًا (^٤).
والاختلافُ الثَّالث: في حكمه:
فعند أبي حنيفةَ - ﵁ -: هو نجسٌ نجاسةً غليظة.
وعند أبي يوسفَ - ﵁ -: هو (^٥) نجسٌ نجاسةً خفيفة.
وعند محمَّدٍ - ﵁ -: هو طاهرٌ غيرُ طهور (^٦).
_________________
(١) أي بنية القربة، واستدل أبو بكر الرازي لذلك بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو، فقال محمد: الماء طاهر طهور؛ لعدم إقامة القربة، لكن قال السرخسي: تعليل محمد بعدم إقامة القربة ليس بقوي؛ لأنه غير مروي عنه، والصحيح عند أن إزالة الحدث بالماء مفسدة له إلا عند الضرورة. ينظر: «البحر» (١: ٩٥ - ٩٦).
(٢) ينظر: «مغني المحتاج» (١: ٢٠٠).
(٣) اختلفوا في وقت كونه مستعملًا على قولين: أحدهما: أنه يصير مستعملًا إذا زايل البدن واستقرّ في موضع، وهو اختيار مشايخ بلخ والطحاوي، والظهير المرغيناني، والصدر الشهيد، وفخر الإسلام. والثاني: أنه يصير مستعملًا بمجرد زواله عن العضو في الوضوء وعن جميع البدن في الغسل، وهو الذي اختاره في «الهداية». ينظر: «السعاية» (ص ٣٩٦ - ٣٩٧)،
(٤) انتهى من «الهداية» (١: ٢٠)، وقال: لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده.
(٥) زيادة من أ.
(٦) قال القاري في «فتح باب العناية» (١: ١٢٠): لم يثبت مشايخ العراق خلافًا بين الأئمة الثلاثة في أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبته مشايخ ما وراء النهر، واختلاف الرواية: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وهو قوله: أنه نجس نجاسة مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنه نجس نجاسة مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنه طاهر غير طهور، واختار هذه الرواية المحقِّقون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى.
[ ٢ / ٤٩ ]
وكلُّ إهابٍ دُبِغَ فقد طهُر إلاَّ جلدَ الخنْزيرِ والآدميّ
وعند مالكٌ (^١) والشَّافِعِيُّ - ﵃ - في قولِهِ القديم (^٢): هو طاهرٌ مطهِّر.
ونحن نقول: لو كان طاهرًا لجازَ في السَّفرِ الوضوءُ به، ثمَّ الشُّربُ منه (^٣): (أي لا يجوزُ الوضوءُ بالماءِ المستعمل، ولا الشُّرب) (^٤)، ولم يقلْ أحد بذلك.
(وكلُّ إهابٍ دُبِغَ فقد طهُر (^٥) إلاَّ جلدَ الخنْزيرِ والآدميّ).
اعلمْ أنَّ الدِّباغةَ هي إزالةُ رائحةِ النَّتنِ والرُّطوباتِ النَّجسةِ من الجلد، فإن كانت بالأدويةِ كالقَرظِ (^٦) ونحوِهِ يطهرُ الجلدُ ولا تعودُ نجاستُهُ أبدًا، وإن كانت بالتُّرابِ أو بالشَّمسِ يطهرُ إذا يَبِس، ثمَّ إن أصابَهُ الماءُ هل يعودُ نجسًا؟
فعن أبي حنيفةَ - ﵁ -: روايتان (^٧).
وعن أبي يوسفَ (^٨) - ﵁ -: إن صارَ بالشَّمسِ بحيثُ لو تركَ لم يفسدْ كان دباغًا.
_________________
(١) ينظر: «مرشد اقرب المسالك» (ص ٣)، و«المرشد المعين» وشرحه «مختصر الدر الثمين المورد المعين» (ص ٢٣)، «مختصر خليل» (ص ٤)، و«حاشية الدسوقي» (١: ٤٢)، و«التاج والإكليل» (١: ٦٦)، و«الفواكه الدواني» (١: ١٢٥)، ولكنهم قالوا: كره ماء مستعمل في حدث.
(٢) قال الشربيني في «مغني المحتاج» (١: ٢٠) أن مذهب الشافعي القديم هو أن الماء طهور.
(٣) زيادة من أ وب وس.
(٤) زيادة من م.
(٥) لقوله - ﷺ -: «أيما إهاب قد دبغ فقد طهر» في «صحيح مسلم» (١: ٢٧٧)، و«سنن أبي داود» (٤: ٦٦) و«موطأ مالك» (٢: ٤٩٨)، و«سنن الدارمي» (٢: ١١٧)، وغيرها
(٦) القَرظ: ورق السَّلم يُدْبَغ به، وقيل: قِشْر البلوط. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٥٣٠).
(٧) وهما: الأولى: يعود نجسًا؛ لعود الرطوبة، والثانية: لا يعود نجسًا، وهو الأقيس؛ لأن هذه الرطوبة ليست تلك التي كانت بقية الفضلات النجسة؛ لأن تلك تلاشت وصارت هواء، وذهبت معه، بل رطوبة تجددت من ماء طاهر وسرت في أجزاءه حكم بطهارتها وملاقاة الطاهر الطاهر لا توجب تنجيسه، وهو المختار. ينظر: «غنية المستملي» (ص ١٥٦).
(٨) تأييدًا لرواية عدم العود بأنه روي عن أبي يوسف - ﵁ -: أن الجلد إذا شمّس وصار حيث لو ترك كان دباغًا، فيحكم بطهارته، ولم يفصل بين ما إذا أصابه الماء بعد وبين ما إذا لم يصبه. ينظر: «السعاية» (ص ٤١٢).
[ ٢ / ٥٠ ]
وما طَهُرَ جلدُهُ بالدَّبغِ طَهُرَ بالذَّكاة، وكذا لحمُه، وإن لم يؤكل، وما لا فلا، وشعرُ الميتةِ وعظمُها، وعَصَبُها، وحافرُها، وقرنُها، وشعرُ الإنسان، وعظمُهُ طاهر.
وعن محمَّدٍ (^١) - ﵁ -: جلدُ الميتةِ إذا يبسَ ووقعَ في الماءِ لا ينجسُ من غيرِ فصل.
والصَّحيحُ في نافجةِ المِسْك (^٢) جوازُ الصَّلاةِ معها من غير فصل (^٣).
(وما طَهُرَ جلدُهُ بالدَّبغِ طَهُرَ بالذَّكاة (^٤)، وكذا لحمُه، وإن لم يؤكل (^٥)، وما لا فلا): أي ما لم يطهرْ جلدُهُ بالدِّباغ لا يطهرُ بالذَّكاة، والمرادُ بالذَّكاة أن يذبحَ المسلمُ أو الكتابيُّ من غيرِ أن يتركَ التَّسميةَ عامدًا (^٦).
(وشعرُ الميتةِ وعظمُها، وعَصَبُها (^٧)، وحافرُها، وقرنُها (^٨)، وشعرُ الإنسان (^٩)، وعظمُهُ طاهر.
_________________
(١) تأييد ثان لرواية عدم العود بأنه روي عن محمد - ﵁ -: أن جلد الميتة إذا يبس وأصابه الماء لم يتنجس، ولم يفصل بين ما إذا دبغ بالتتريب والتشميس، وبين ما إذا دبغ بالقرظ ونحوه. ينظر: «السعاية» (ص ٤١٢).
(٢) المِسْك من الطيب، فارسي معرب. كما في «اللسان» (٦: ٤٢٠٣)، وحقيقته دم يجمع في سرة الظبي بإذن الله في وقت معلوم من السنة بمنْزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرة جعلها الله معدنًا للمسك، والنافجة معدنها ومأوها. ينظر: «العمدة» (١: ٩٠).
(٣) أي من غير فرق بين أن يكون نافجة دابة ذكية، أو غير ذكية أصابها الماء أو لم يصب؛ لأن يبسها دباغها، ولا تعود نجاسته بعده، فهو طاهر يجوز الصلاة معه كل حال. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٩٠).
(٤) لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة. ينظر: «الهداية» (١: ٢١).
(٥) اختلفوا في طهارة غير مأكول اللحم بالذكاة: فصحح صاحب «التحفة» (١: ٧٢)، و«الهداية» (١: ٢١) طهارته، واختاره في «البدائع» (١: ٨٦). واختار صاحب «التنوير» (١: ١٢٧)، عدم طهارته، وقال صاحب «الدر المختار» (١: ١٢٧): هذا أصح ما يفتى به، وأقرَّه ابن عابدين في «رد المحتار» (١: ١٢٧).
(٦) صحح الزاهدي في «القنية» (ق ١١/أ) أيضًا: طهارة ذبيحة المجوسي. وأقره في «البحر» (١: ١٠٩).
(٧) العَصَب: عضو أبيض شبيه العظم، لين الانعطاف، صلب في الانفصال. ينظر: «السعاية» (ص ٤١٥).
(٨) قيدها جميعًا في «الدر المختار» (١: ١٣٨) بأن تكون خالية عن الدسومة
(٩) قيده في «الدر المختار» (١: ١٣٨) بغير المنتوف: أي رؤوسه التي فيها الدسومة.
[ ٢ / ٥١ ]
وتجوزُ صلاةُ مَن أعادَ سنَّهُ إلى فمِهِ وإن جاوزَ قَدْرَ الدِّرهم.