الإمام والمدرس بمدرسة السليمانية ببغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي زيَّن الوجود بعرفان الكَمَلة من عبادِه الأعيان، وأَناطَ بعُهدتِهِم القيامَ بمهمات الأمور في جميع الأحيان، فهم النخبةُ الذين بهم ينتظم أمر الدين والدنيا، وهم الخلاصةُ الذين تبوّؤا أسمى الدرجات العليا، فسبحانه من إله استوجبَ دوام الحمد من جميع الخلائق، على ذلك الاعتناء الذي هو من أجل إنعامه الفائق، والصلاة والسلام على الفرد المتولّي رئاسة الختام سيدنا محمّد أشرف الرسل العظام الذي جاء بالحقّ، وبه الباطل زهق، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، ما دام الليل والنهار
أما بعد: فإنّ الأئمة الفقهاء قد بذلوا الجهود في تحقيق المسائل الشرعية، وتدقيق النظائر الفرعية، واستنباط أحكام الفروع من أدلتها التفصيلية، فاتفاقهم حجّة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، قوام الدين بهم، وثبات الشرع بفقههم.
ومن الفقهاء المبرزين الذين شاع فقههم في الأمصار، واشتهر آثار علمهم في الأقطار، ونقلت أقوالهم وأنظارهم بطريق التواتر والاشتهار، الأئمة الأربعة المتبوعون أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد نجومُ الفقهِ وتنميةِ المَلَكات، وبهم الناسُ يهتدون في الظلمات.
وكان الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم أبو حنيفة النعمان الكوفي - ﵁ - من أوائل الفقهاء تأصيلًا وتدليلًا، واستنباطًا وتعليلًا، بل كان أوّل من أقامَ مجلسًا فقهيًا عظيمًا يضم كبار الأئمة من أصحابه ينظر معهم في الأدلة والنوازل ويناظرهم، ويحقق المسائل، ويدقق الدلائل، وقد يبقى في المسألة شهرًا ناظرًا وعيناه في لذّة السَّهَر ناضرةٌ.
ثمّ إذا ما استعرضَ هو وأصحابُه الأدلةَ، ودقَّقوا النظرَ في وجوه الدلالة بَتُّوا في المسألة، وما قلناه مشروح في كتب الحنفية التي ذكرت طريقة تفقيه الإمام الأعظم
[ ١ / ١١ ]
لأصحابه، وهو أعظم ردّ لكلِّ أفاكٍ يتهمُ هذا الإمام في خروجه عن طريق سلف الأمة في الاستنباط والنظر.
ولو وقع منه - فرضًا وتقديرًا - خطأ في ذلك لردّه أصحابه الأئمة الفقهاء والمحدثون إلى الصواب، فهذا أبو يوسف إمامٌ مقدّمٌ في حفظِ الآثارِ وأقضية الصحابة والتابعين، والحسن بن زياد إمامٌ مقدّمٌ في التفريع والسؤال، وزفر بن الهذيل إمامٌ مقدّمٌ في القياس، ومحمّد بن الحسن إمامٌ مقدّمٌ في الفطنة وعلم الإعراب والحساب، وعبد الله بن المبارك مقدّمٌ في معرفة الرجال وحفظ الأقوال، وداود الطائي إمامٌ مقدّمٌ في الورع والزهد وضبط الأحوال، وغير هؤلاء ممن جُمِعَ فيهم علوم المعقول والمنقول.
وكان أكثر أصحابه تأليفًا وجمعًا للمسائل وتصنيفًا محمد بن الحسن، فإنّه رحمه الله تعالى كتب المصنّفات التي جمعت قولَ شيخيه: أبي حنيفة وأبي يوسف، ودلائلهما ومداركهما الفقهية، وقولَه في المسائل الفرعية ودقّتَه في فهم كلام العرب وتقعيدِ قواعد المذهب.
لذا أصبحت مرجعًا لفقهائنا الحنفية، عليها يعوّل ويعتمد، وإليها يرجع ويستند، ولما جاء دور أصحاب أصحابه جمعوا ما كتبه وضمّوا إلى ذلك ما قرَّروه في المسائل التي لا رواية للإمام وأصحابه فيها، وما رجَّحوه فيما ظهر لهم من وجوه الترجيح.
ثمّ جاء دور المتأخِّرين فاختصروا مطوّلات المتقدمين تسهيلًا؛ لحفظ المذهب، وجمعوا الأشباه والنظائر، وميَّزوا ظاهر الرواية عن غيرها، ووسَّعوا وجوه التعليل، ونصُّوا على الصحيح المختار والمفتى وما عليه الاختيار، شكَّرَ الله سعيهم.
وكان ممن جمع عيون الروايات ومتون الدرايات مؤلف «الوقاية» صدر صدور فقهاء عصره الإمام الشيخ برهان الشريعة محمود المحبوبي رحمه الله تعالى، فإنّه جَمَع فأوعى بأحسن عبارة وألطف إشارة مع إيجاز في التقرير ودقّة في التعبير.
لذلك امتدت أعناق ذوي التحقيق نحو حقيقته واشتدت رغباتهم في الاعتناء بحلّ لفظه وتطبيقه، فكتبوا له شروحًا، وجعلوه مبيّنًا مشروحًا.
وكان شرح عين عيون الفقهاء، صدر الملة والشريعة، الإمام الشيخ عبيد الله بن مسعود المحبوبيّ من أوسع الشروح وأنفعها وأدقّها وأجمعها؛ لما حوى من دفع إيرادات، وحل إشكالات، وزيادة فرائد سوانح خطرت بالبال، وفوائد عوائد أهل الفضل والكمال.
[ ١ / ١٢ ]
وكم كانت النفوس تتوق لرؤية هذا الشرح مطبوعًا تتناولة الأيدي حتى نهض أخونا وفرحة خاطرنا المفضال الهمّام، صاحبُ الذهنِ الثاقب، والرأيِ الصائبِ، فضيلةُ الدكتور صلاح أبو الحاج - دام عمره في عافية ـ، فأخرجه من دور المخطوطات وقابله وصحَّحه وبلغ في تنقيحه أقصى جهده، وكم ترك المنام لفتح المغلقات، وكتابة التعليقات، وترك الأحبة لجمع المتفرِّقات حتى أكمل هذا العمل الشاق.
وقد أطلعني فضيلتُه على تعليقاتِه التي استقاها من مصادر معتمدة، ومراجع مهمة محررة مخطوطة ومطبوعة، فقرأت كلَّ المتن والشرح والتعليقات فوجدتُ ما كتبَه حريًّا بالقبول لجمعه المعقول والمنقول، واشتماله على الفروع والأصول، بعبارات جزيلة وإشارات جليلة، فبَخٍ بَخٍ لمساعيه الخيرية، وأعماله المرضية، ووفَّقه الله لكلِّ خير ودفع عنه كلَّ ضير، إنه أكرمَ مسؤول وخير مأمول.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، كلَّما ذكرك الذاكرون، وغَفِلَ عن ذكرك وذكره الغافلون.
وكتبه الفقير إلى ألطاف مولاه الغني
قاسم بن نعيم الطائي الحنفي
الإمام والمدرس
في مسجد ومدرسة السليمانية
ببغداد المحمية
[ ١ / ١٣ ]