بسم الله الرحمن الرحيم
حُمِدَ مَن جعلَ العلمَ أجلَّ المواهب الهنيَّة وأسناها، وأعلى المراتب السَّنيَّة وأسماها، أحسنُ ما يفتتح به الكلام، وشكرَ من خصَّ علم الأحكام والشَّرائع، بأنَّه أقوى الوسائل إليه والذرائع، أيمنُ ما يُسْتَنْجَحُ به المرام، فنحمده حمدًا لا انصرام لعدده، ولا انفصام لمدده على ما أنعم وأولى من نعمه الظاهرة والباطنة، وأكرم وأبلى من قسمة البادية والكامنة، وأبصرنا الصراط المستقيم، ومنهج الرشاد، ويسَّرنا الابتساء بكرام الأسلاف والأجداد في نشر الأحكام وتبليغ الشرائع، والله ولي الإرشاد ونصلِّي على رسوله محمد الهادي للخلق إلى سواء السبيل الموازي علماء أمته لأنبياء بني إسرائيل، على كرام صحابته المستظلين بظلال سحابته، صلاة تترادف أمدادها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ على (خيرِ خلقِهِ) (^١) محمَّدٍ وآلهِ أجمعين (الطَّيبين الطَّاهرين) (^٢).
وبعد (^٣):
فيقولُ (^٤) العبدُ المتوسِّلُ (^٥) إلى الله تعالى بأقوى الذَّريعةِ (^٦) عبيدُ اللهِ بنُ مسعودِ بنِ
_________________
(١) في أ وب وس: رسوله.
(٢) زيادة من أ وب وس.
(٣) زيادة من أ وس.
(٤) في ص وف وم: يقول.
(٥) المتوسِّل: أي المتقرِّب، وفيه امتثال لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، ودلت الأحاديث على جواز التوسل بالأعمال الصالحة، والذوات الفاضلة. ينظر: «الصحاح في اللغة» (٢: ٦٨٩)، و«عمدة الرعاية» (١: ٤٨).
(٦) أقوى الذريعة: أي الوسيلة، قال عبد الحليم اللكنوي: والمراد به: إما الرسول - ﷺ -، وإما القرآن، وإما الصلاة، وإما الصلاة على الرسول - ﷺ -، وإما علم الشريعة والأحكام الشاملة للفقه والأصول والكلام، وإما علم الفقه، وهو الأولى، فإنه بصدد التأليف فيه، وأضاف ابنه عليها: أن يراد بها كل ما سبق من البسملة والحمدلة والصلاة، وأن يراد بها دين الإسلام، وأن يراد بها جده وأستاذه، وأن يراد بها المذهب الحنفي، وأن يراد بها الأئمة المجتهدون ولاسيما الإمام أبو حنيفة - ﵁ -. ينظر: «السعاية» (ص ٦).
[ ٢ / ٣ ]
وتتضاعف أعدادها.
وبعد:
فإنَّ الولدَ الأعزَّ عبيدَ الله صرف الله أيامه بما يحبُّه ويرضاهُ لما فرغَ من حفظ الكتب الأدبيَّة، وتحقيق لطائف الفضل، ونكت العربية، أحببت أن يحفظ في علم الأحكام كتابًا رايعًا، ولعيون مسائل الفقه راعيًا، مقبول الترتيب والنظام، مستحسنًا عند الخواص والعوام، وما ألفيت في المختصرات ما هذا شأنه، فألفت في رواية كتاب «الهداية»، وهو كتاب فاخر، وبحر مواج زاخر، كتاب جليل القدر عظيم الشأن، زاهر الخطر، باهر البرهان، قد تمَّت حسناته، وعمَّت بركاته، وبهرت آياته، مختصرًا جامعًا لجميع مسائله، خاليًا عن دلائله، حاويًا لما هو أصح الأقاويل والاختيارات، وزوائد
تاجِ الشَّريعة، سَعِدَ جدُّه (^١)، وأنجح (^٢) جدُّه (^٣): هذا حلُّ المواضعِ المغلقةِ من «وقايةِ الرِّوايةِ في مسائلِ الهداية»، التي ألَّفها جَدِّي وأستاذي مولانا الأعظم، أستاذُ علماءِ العالَم، برهانُ الشَّريعةِ والحقِّ والدِّين، محمودُ بنُ صدرِ الشَّريعة، جزاهُ اللهُ عنِّي وعن جميعِ المسلمينَ خيرَ الجزاء؛ لأجلِ حفظي، والمولى المؤلِّفُ لمَّا ألَّفها سَبَقًا (^٤) سَبَقًا (^٥)، وكنتُ أجري في ميدانِ حفظِهِ طَلَقًَا (^٦) طَلَقًَا، حتى اتَّفقَ اتمامُ تأليفِهِ مع اتمامِ حفظي.
انتشرَ بعضُ النُّسخِ في الأطراف، ثمَّ بعد ذلك وقعَ فيها شيءٌ من التَّغييرات، ونُبَذٌ
_________________
(١) الجَدّ: بفتح الجيم: أبو الأب أو أبو الأم، أو البَخْتُ والحِظْوة، أوالحظّ والرِّزق، أو العظمة. والجِدّ: بكسر الجيم: الاجتهاد في الأمر وضد الهزل. قال عبد الحليم اللكنوي: بكسر الجيم: أي قرن الله اجتهاده في تأليف هذا الشرح بالسعادة. وقال التفتازاني: وأما بفتح الجيم ففيه إيهام لأنه محتمل لما ذكر. ينظر: «لسان العرب» (١: ٥٦٠ - ٥٦١). «القاموس» (١: ٢٩١). «عمدة الرعاية» (١: ٤٩). «التلويح» (١: ٤).
(٢) أنجح: بمعنى صار ذا نجح، وأنجح الحاجة قضاها. ينظر: «مختار الصحاح» (ص ٦٤٦).
(٣) وهي محتمل كالأولى، والجملة كسابقتها دعائية، وللشارح ولوع بذكرها، فقد ذكرها في ديباجة «التوضيح» (١: ٤)، وديباجة «النقاية» (ص ٣).
(٤) السَّبَق: بفتحتين: ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة. ينظر: «اللسان» (٢: ١٩٢٩).
(٥) المراد منها هنا: مقدار ما يقرأ التلميذ على الأستاذ كل يوم، ونصبه على الحالية، أي حال كون المؤلَّف وهو الوقاية سَبَقًا سَبَقًا يعني أنه ألَّفه تدريجًا كل يوم بمقدار سَبَق. ينظر: «العمدة» (١: ٥٠).
(٦) الطَّلَق: الشوط، يقال عدا الفرس طلقًا أي شوطًا. ينظر: «المعجم الوسيط» (ص ٥٦٣).
[ ٢ / ٤ ]
فوائد الفتاوى والواقعات، وما يحتاج إليه من نظم الخلافيات، موجزًا ألفاظه نهاية الايجاز، ظاهرًا في ضبط معانيه، مخايلُ السحر ودلائل الاعجاز، موسومًا بـ «وقاية الرواية بمسائل الهداية»، والله المسؤول أن ينفع حافظيه والراغبين فيه عامةً، والولد الأعزَّ عبيد الله خاصة.
من المحوِ والإثبات، فكتبتُ في هذا الشَّرحِ العبارةَ التي تقرَّر عليها المتن؛ لتُغَيَّر النُّسخِ المكتوبةِ إلى هذا النَّمَط.
والعبدُ الضَّعيفُ لمَّا شاهدَ في أكثرِ النَّاسِ كسلًا عن حفظِ «الوقاية»، أخذتُ عنها مختصرًا (^١) مشتملًا على ما لا بدَّ لطالبِ العلمِ منه، فافتحُ في هذا الشَّرحِ مغلقاتِه أيضًا (^٢) إن شاءَ اللهُ تعالى، وقد كان الولدُ الأعزُّ محمودٌ (^٣) - برَّد الله مضجعَهُ - بعد حفظَ «المختصرِ» مبالغًا (^٤) في تأليفِ «شرحِ الوقاية»، بحيث ينحلُّ منه مغلقاتُ «المختصر»، فشرعتُ في إسعافِ مرامِه، فتوفَّاهُ اللهُ قبلَ إتمامِه، فالمأمولُ من المستفيدينَ من هذا الكتاب، أن لا ينسُوُه من دعائِهم المستجاب، إنَّهُ الميسِّرُ للصَّواب، والفاتحُ لمغلقاتِ الأبواب.
* * *
_________________
(١) وهو المسمَّى بـ «النقاية»، قال في ديباجته (ص ٣ - ٤): لما وجدت قصور همم بعض المحصلِّين عن حفظه - أي «الوقاية» - فاتخذت منه هذا المختصر مشتملًا على ما لا بدَّ منه لطالب العلم عن حفظها، فكل من أحبَّ استحضار مسائل «الهداية» فعليه حفظ «الوقاية»، ومن أعجله الوقت، فليصرف إلى حفظ هذا المختصر عنان العناية إنه وليُّ الهداية.
(٢) أي مغلقات «النقاية»، فهذا الشرح شرحٌ «للنقاية» أيضًا من قبل مؤلِّفها. وعبارات الشارح هنا واضحة في أن الوقاية لجده وأن هذا شرح لها بخلاف ما ادعى ابن عابدين في «الدر المختار» (١: ١٢١) من أن هذا شرح للنقاية لا للوقاية كما سبق في الدراسة.
(٣) قال عبد الحي اللكنوي في «السعاية» (ص ١١): عندي وعند غيري محمود علم لابن الشارح.
(٤) مبالغًا: أي طالبًا كمال الطلب وساعيًا كمال السعي. ينظر: «عمدة الرعاية» (١: ٥١).
[ ٢ / ٥ ]