﷽
الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، والصلاة على رسوله محمد ﷺ وآله، ذكرتم وفقنا الله وإياكم لمصالح الدين حال مختصر الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمة الله عليه، والحاجة إلى شرحه، وهو كتاب يجمع من فروع الفقه ما لا يجمعه غيره، وقد كان أبو علي الشاشي (رحمه الله تعالى) يقول: (من حفظ هذا الكتاب فهو أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو أفهم أصحابنا).
وهو كتاب مختلف الترتيب؛ لأنه ابتدأه على أن يكون كتابًا صغيرًا ثم زاد فيه بعد مضي العبادات، فلما تجاوز الرهن بسطه بسطًا مستوفيًا.
وقد عزمت (^١) على إملاء كتاب جامع في شرحه أعتمد فيه بيان الفروع، [والروايات]، والزوائد التي لا بد منها (^٢) [وترتيبها]، وأوردُ في مسائل الخلاف ما استقل به من غير بسط؛ لأني استوفيت ذلك في كتاب التجريد (^٣)، وألحق بفروعه ما يليق بها؛ ليعتدل أول الكتاب وآخره في الاستيفاء، ثم ألحق بالكتاب ما أغفله ﵀ من الكتب، وأستوفي شرح جميعه معتمدًا على الله تعالى في التوفيق والتسديد والعصمة.
وأقدم على ذلك مسألة في تقديم مذهب أبي حنيفة ﵀ في الجملة على
_________________
(١) في ب (عملت).
(٢) الزيادة من ب.
(٣) طبع الكتاب بدار السلام في مصر، بتحقيق محمد سراج، وعلي جمعة، وقبل ذلك حققه إلا جزءًا يسيرًا الأخ الدكتور محمد أمين مكي لنيل درجة الدكتوراه، بجامعة القاهرة
[ ١ / ٥٣ ]
سائر فقهاء الأمصار، والله الموفق والمعين.
(قال الشيخ الجليل أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي رحمه الله تعالى: الكلام في تقديم مذهب أبي حنيفة ﵁ على غيره من المذاهب، إنما يتبيّن) (^١) باستقراء المسائل والنظر في دلائلها؛ ليأخذ المجتهد بما يصح عنده في كل مسألة منها، إلا أنا ندل (^٢) على هذا في الجملة؛ لأنّ من ليس بمجتهد إذا أراد الأخذ بقول فقيه، لزمه الرجوع إلى أولى الفقهاء في نفسه، والذي يدل على أن مذهب أبي حنيفة ﵁ أولى من غيره من المذاهب: أنه رحمه الله تعالى ولد في عصر الصحابة، وتفقَّه في زمن التابعين، وأفتى معهم، وناظر الشعبيَّ وطاووسَ وعطاءَ، وقد قال ﷺ: "خير القرون قرني الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيَشهد الرجل قبل أن يُستشهد" (^٣)، فمن [نشأ] وتعلّم وأفتى في عصر عدّل رسولُ الله ﷺ أهلَه، كان أبعد من البدع ممن نشأ في الزمان الذي لم يعدّل رسول الله ﷺ أهلَه، وقد روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن [جَزْءٍ] الزبيدي (^٤)، و[أبي الطفيل] عامر بن [واثلة] (^٥) وغيرهم من الصحابة، [وأدرك عبد الله بن أبي أوفى أيضًا].
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من ب، وفي ب (وهذا أمر يعلم باستقراء).
(٢) في ب (وإنما يدل).
(٣) أصل الحديث متواتر كما ذكر السيوطي في نظم المتناثر، وبهذا اللفظ أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٢٥٤) من حديث ابن عمر- ﵄؛ والترمذي في سننه (٢١٦٥)؛ وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"؛ وأصله في الصحيحين البخاري (٢٦٥٢)؛ ومسلم ٤/ ١٩٦٢ (٢١٠).
(٤) في نسخة أ (جبير)، وأخرى (حر)، والمثبت من الإصابة ٨/ ٢٦٤ (بتحقيق الدكتور التركي).
(٥) في الأصل (عامر بن الطفيل)، والمثبت من الإصابة ٥/ ٥٣٦، وهو مشهور بكنيته ١٢/ ٣٨٣.
[ ١ / ٥٤ ]
ويدل عليه: أن الله تعالى ضَمِن حِفظ الشريعة، فأمر بتعلّمها والتَّفَقّه فيها، فأول من دوّن الفقه ووضع فيه كتابًا ورَتَّبه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ويستحيل أن يضمن الله تعالى حفظ الشريعة، ثم يكون المبتدئ بتدوينها على غير الحق، ويدل عليه: أنه وضع هذا [المذهب شورى بينهم] ولم يستبد بوضع المسائل، وإنما كان يُلقيها على أصحابه مسألةً مسألةً، فيَعرف ما عند كل واحدٍ منهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم حتى [يستقيم] (^١) أحد القولين فُيثبته [أبو يوسف] (^٢) حتى [أثبتَ] الأصول كلها.
وكان له أصحاب لم يتفق الفقيه مثلهم، منهم: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وزفر بن الهذيل التميمي، ومحمد بن الحسن الشيبانيّ، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وداود الطائي، وعافية بن يزيد الأودي، ويوسف بن خالد السمتي، والقاسم بن معن المسعودي، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول البجلي.
فهؤلاء هم العلماء [علمًا] بالحديث والسنّة، والسيرة، والعربية، والحساب، فإذا كان [هذا] المذهب وُضع على اتفاق [من جماعتهم] كان أصحّ مما يبتدئ به الواجد بنفسه، ويرجع فيه إلى اجتهاده؛ ولأنه أخذ [العلم] عن حمّاد بن أبي سليمان، وأخذ حمّاد عن إبراهيم النخعي، وأخذ إبراهيم عن علقمة، والأسود [بن يزيد]، ومسروق [بن الأجدع]، وشُريح، وأخذ هؤلاء العلمَ عن عمر [بن الخطاب]، وعلي [بن أبي طالب]، و[عبد الله] بن مسعود ﵃، [وأخذ هؤلاء العلم عن رسول الله ﷺ حتى قال علي ﵁ لما دخل
_________________
(١) في أ (يستقر)، والمثبت من ب.
(٢) الزيادة من ب.
[ ١ / ٥٥ ]
الكوفةَ ورأى أصحاب عبد الله بن مسعود قال -: "لقد ترك ابن مسعود] هؤلاء سُرُج هذه القرية".
ولا يوجد لأحد من الفقهاء طريق مثل هذا؛ لأنّ مالكًا أخذ [العلم] عن نافع، ونافع لا يُعرف بالفقه، وإنما هو من أهل الرواية (^١).
وأصحاب الشافعي ﵀ يُنكرون أخْذه الفقه من مالك (^٢) ويضيفونه إلى [مسلم بن] خالد الزنجي، وهو ليس بفقيه، وإنما هو من أصحاب الحديث، [وقد ضعَّفوه، ولو أنصفوا لأضافوه إلى محمد بن الحسن، وبِشر المريسي؛ فإنه أخذ العلم عنهما، وهما أفقه من رأى، وقد بان ذلك في عِلمه بعد رجوعه من العراق وقبل ذلك (^٣).
_________________
(١) كما أخذ مالك الفقه عن ربيعة الرأي، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزناد وغيرهم. انظر: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاث.
(٢) بل أثبت ذلك الشافعي بنفسه - كما ذكر ابن عبد البر عن طريق ابن أبي عمر - صاحب السند -، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: "مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم". وقال أيضًا: "إذا ذكر العلماء، فمالك النجم، وما أحد أمَنُّ علي من مالك بن أنس". الانتقاء ص ٣٣. انظر: مناقب الشافعي للبيهقي.
(٣) والحقيقة أن لكل إمام من الأئمة الثلاثة بخاصة، مشايخ وأئمة أجلاء، الذين أخذوا عنهم، وكذا قيض الله تعالى لهم من التلامذة الأئمة الفضلاء، الذين حفظوا ودوّنوا علومهم وفقههم، ونقلوها لمن بعدهم، وكل ذلك مدوّن في سيرهم وتراجمهم. كما ذكر العلامة القدوري هنا في فضل مشايخ وتلامذة الإمام أبي حنيفة، وفضلهم وتميزهم عن غيرهم، كذلك يفعل كل من كتب عن سائر مناقب الأئمة الثلاثة؛ لإظهار الفضل، وسمو المكانة، والتميز عن الآخرين؛ للوصول إلى أن مذهبه أصحّ وأوثق من المذاهب الأخرى. وحصل ذلك الإجلال والمفاضلة بين الأئمة ابتداءً من عصر التمذهب، والتعصب لمذاهب الأئمة الأربعة. =
[ ١ / ٥٦ ]
ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من تكلم في الشروط، ووضعها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأخبر أن الله تعالى هو المعلم للشروط، وهو عِلم لا ينفرد وإنما يتفرع على كل الفقه، فصحتها تدل على صحته.
ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من وضع كتابًا في الفرائض، وقد قال النبي ﷺ: "الفرائض نصف العلم، وهو أول علمٍ يُرفع من هذه الأمة" (^١)، فإذا وفق الله تعالى المبتدئ بوضعها، فالظاهر أنه يرزقه التوفيق (^٢) فيها.
ولأن مذهبه يجمع علومًا لم يجمعها فقيه، ذلك: من العربية، والمسائل المقولة (^٣) على وفق النحو والحساب، والمسائل التي يتعب باستخراجها أهل الجَبْر والمُقابلة، ولا تجد هذا لأحد من الفقهاء.
_________________
(١) = ومن ثَمَّ ينبغي لطالب الحقيقة أن لا ينْجَرَّ وراء آراء تلك الفئة الواقعة في التفريط والإفراط في الحب، والبغض، والمفاضلة بين الأئمة بذكر مناقب إمامه، ومثالب الآخرين، وتتبع العثرات التي لا يخلو منها عالم. وإنما عليه أن يعطي لكل ذي حق حقه ومكانته، من غير أن يبخس حقوق ومكانة الأئمة الآخرين، وينبغي له ذكر محاسن وفضائل الجميع، والترحم والدعاء لهم، قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. انظر: كتب المناقب في الأئمة الأربعة وسيرهم، رحمهم الله تعالى.
(٢) الحديث أخرجه ابن ماجه (٢٧١٩)؛ والحاكم في المستدرك (٧٩٤٨)؛ والبيهقي في السنن الكبرى، ٦/ ٢٠٩؛ وذكر المحدثون في سنده مقالًا لوجود (حفص بن عمر). انظر: التلخيص الحبير ٣/ ٧٩.
(٣) في ب (أنه فقه للصحيح منها).
(٤) في ب (المسوغة).
[ ١ / ٥٧ ]
[هذا مع] ما اشتهر من قوة تفريعه واقتداره على ابتداء وضع هذه المسائل، وسرعة جوابه فيها، ومواصلته للحجج.
وكثرة عبادته حتى قيل: إنه صلّى الفجر بطهارة العشاء أربعين سَنة، وقَرَأ القرآن في ركعة واحدة (^١) في الكعبة، وامتنع من تولي القضاء فضُرب عليه بالسوط حتى قيل: إنه ﵀ ذكر عند ابن شبرمة فقال: "لقد قرطم له وقرطم (^٢) لنا فلقطنا ورفع رأسه".
فإن قيل: بأن مذهب الشافعي أولى؛ لأنه رجلٌ من قريش وقد قال رسول الله ﷺ: "الأئمة من قريش" (^٣)، وقد قال ﵊: "قدِّموا قريشًا ولا تتقدموها" (^٤).
فالجواب: أن الصحابة اختلفوا فلم يرجّح أحدٌ قول ابن عباس على قول زيد بن ثابت: بأنه من قريش، فدلَّ إجماعهم على أن التقديم لم يرد به رسول الله ﷺ التقديم في العلم، وقد قال ﷺ: "ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى" (^٥)، وقال ﵊: "لو كان العلم معلَّقًا بالثُّريا لسبق إليه غِلمان من أبناء فارس" (^٦)، وإذا
_________________
(١) أورد ذلك الصيمري ص ٤٤، وغيره من المترجمين له، إلّا أنني لم أعثر على قولهم (ذلك في الكعبة).
(٢) انظر: أخبار أبي حنيفة للصيمري، ص ٥٧، وغيره.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٩٤٢)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٠٥٥).
(٤) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار، ٢/ ٣٩٨؛ والطبراني وفيه أبو معشر، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥؛ والشافعي في المسند ١/ ٢٧٨؛ والبزار في مسنده (٤٦٥)، انظر: التلخيص الحبير ٢/ ٣٦.
(٥) مسند الحارث (زوائد الهيثمي) (٥١)، والطبراني في "الكبير" ١٨ (١٦).
(٦) رواه بهذا اللفظ: الشجري في ترتيب الأمالي (٣٤٩)، وأبو طاهر السلفي في الطيوريات (١٠٩٨)، وروى البخاري في صحيحه (٤٨٩٧)، ومسلم في صحيحه ٤/ ١٩٧٢ (٢٣١) =
[ ١ / ٥٨ ]
اعتبر العلماء في زمن التابعين ومن بعدهم، وجد الغالب عليهم الموالي.
فإن قالوا: إن أبا حنيفة رحمة الله عليه كان قويًا في القياس، ومالكًا في الحديث، والشافعي فيهما (^١).
قيل لهم: بل أبو حنيفة قوي فيهما؛ لأنّ شعبة [بن الحجاج البصري] قال: "كان أبو حنيفة عارفًا بحديث أهل بلده"، وقال عبد الله بن المبارك: "كيف تقولون إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد [بن] عياش (^٢) لا يُقبل خبره"، وإذا رجعت إلى مسند أبي حنيفة ﵁، وجدته أكبر من مسند الشافعي.
وكيف تُدّعى للشافعي المعرفة بالحديث، وهو يقول في خبر القُلَّتين: بلغني عن رسول الله ﷺ بإسناد لا يحضرني أنّه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (^٣)، وهذا خبر لم يقل به أحد من الفقهاء غيره (^٤)، ثم لم يُعرف إسناده (^٥).
وخطّأه أحمد بن حنبل في قوله: "إن النبي ﷺ قضى بالدية على العاقلة
_________________
(١) = أن النبي ﷺ وضع يده على سلمان الفارسي ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله هؤلاء".
(٢) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "ما رأيت رجلًا قط أعقل ولا أفقه في كتاب الله من الشافعي"، ونحوه لأحمد أيضًا. انظر: مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ٢٤٠، ٢٥١.
(٣) في الأصل (زيد أبو عياش) وفي (ب) (بن) والمثبت كما جاء في (ب) وهو (زيد بن عياش الزرقي أبو عياش المدني) كما في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص ١٢٨.
(٤) قال الشافعي في المسند ص ١٦٥؛ أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله ﷺ قال، فذكر الحديث، والحديث روي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ رواه أبو داود (٦٥)، والترمذي (٦٧) وسكت عنه، والنسائي (٥٠)، وابن ماجه (٥١٧). وهو عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٧٢٤٧).
(٥) وذهب إليه الإمام أحمد أيضًا. انظر: المغني ١/ ٣٦ وما بعدها (القاهرة. هجر).
(٦) ووصل الحديث الدارقطني في سننه (٣٢)؛ والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٦٣.
[ ١ / ٥٩ ]
في [ثلاث سنين] " (^١)، وقال: هذا لا أصل له عن رسول الله ﷺ، وإنما قضى به عمر ﵁.
وقال: روى أنس بن مالك "أن النبيّ ﷺ قنت في الفجر شهرًا ثم تركه" (^٢) فلم يعرف ما رواه أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ مازال يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" (^٣)، فلم يعرف ذلك، وإن وافق مذهبه.
[وقال: بلغني عن النبيّ ﷺ كلامًا معناه: "أن فيما سقت السماء العشر" (^٤)، وهذا الخبر أظهر من أن ينقل بالمعنى.
وقال: روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "الولاء نسب" (^٥) والخبر: "الولاء لحمة كلحمة النسب" (^٦)].
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٣)؛ والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٠٥، وليس عندهما زيادة: "ثلاث سنين". قال ابن حجر في الزيادة (ثلاث سنين): "أما التأجيل فلم يرد به الخبر وإنما أخذ ذلك من إجماع الصحابة … وقال ابن المنذر: ما ذكره الشافعي لا يعرف له أصل من كتاب وسنة .. "، "وسئل عنه أحمد بن حنبل فقال: لا أعرف فيه شيئًا، فقيل له: إن أبا عبد الله أخرجه عن النبي ﷺ، فقال: لعله سمعه من ذلك المدني، فإنه كان حسن الظنِّ به، يعني: إبراهيم بن أبي يحيى". التلخيص ٤/ ٣٢.
(٢) اختلاف الحديث ٨/ ٦٥٣.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٦٢؛ وعبد الرزاق في المصنف (٤٩٦٤)؛ والدارقطني في السنن (١٦٩٢).
(٤) أخرجه البخاري (١٤٨٣)؛ وأبو داود (١٥٩٢)، والترمذي (٦٤٠)، والنسائي (٢٤٨٨)، وابن ماجه (١٨١٧).
(٥) لم أجده عند الشافعي، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن ٩/ ٥؛ وابن حجر في فتح الباري عن ابن دينار ١٢/ ٤٤؛ وابن عدي في الكامل مرفوعًا ٣/ ١٨٢، وكذا في موضع الأوهام ١/ ٥٢٢.
(٦) رواه الشافعي في مسنده ص ٣٣٨، وابن حبان في صحيحه (٤٩٥٠)، والحاكم في المستدرك (٧٩٩٠، ٧٩٩١).
[ ١ / ٦٠ ]
فإن قيل: إن الشافعي كان يعرف العربية وكان أبو حنيفة لا يعرفها؛ لأنه حكي عنه أنّه قال: ولو ضربه بأبا قبيس (^١)
قيل لهم: أمّا دعواكم معرفة الشافعي باللغة فليس عليه دليل (^٢)، والمأخوذ عليه [من الغلط] في اللغة كثير؛ وذلك أنّه قال في كتابه: ماء مالح، وإنما هو ماء مِلْحٍ (^٣).
وقال في أحكام القرآن: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] أي: لا تكثر عيالكم (^٤)، وإنما معناه لا تميلوا
وقال: إذا أشلى كلبه، يريد إذا أغراه، وإنما يقال: أشلاه إذا استدعاه.
وقال: ثوب يسوي كذا وهذا من كلام العامة، وإنما يقال: ثوب يساوي كذا.
_________________
(١) أورده الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/ ٤٣٩.
(٢) بل قال أحمد وابن هشام والمازني: "كلام الشافعي في اللغة حجة"، وقال الشافعي عن نفسه: "أقمت على العربية وأيام الناس عشرين سنة"، وأثنى عليه أئمة اللغة وقالوا: بأنه ممن يؤخذ عنه في اللغة. انظر: مناقب الشافعي للبيهقي، ٢/ ٤١ وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء ١٠/ ٨٤؛ آداب الشافعي، ص ١٣٦.
(٣) قال النووي: "والجواب: أن هذا الاعتراض جهالة من قائله، بل فيه أربع لغات: ماء ملح، ومالح، ومليح، ومُلاح - بضم الميم وتخفيف اللام -، حكاهن الخطابي وآخرون من الأئمة، وقد جمعتُ ذلك بدلائله وأقوال الأئمة فيه، وإنشاد العرب فيه في تهذيب الأسماء واللغات … ". المجموع ١/ ١٢٩.
(٤) كذلك ورد في تأويل الآية: كثرة العيال، مأخوذًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، أي: فقرًا، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾، وإن كان بمعنى: (لا تميلوا) هو قول الجمهور. انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٤٦٦؛ أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤١٠.
[ ١ / ٦١ ]
وزعم أن الواو للترتيب، و[قد] أجمع أهل اللغة على خلاف ذلك.
وقال: الغرم الهلاك، والغرم اللزوم (^١).
فأما أبو حنيفة فليس يمكن أن يُدَّعَى (^٢) في كتابه خطأ في العربية، وإنما يحكي الناس هذه الحكاية ولا يعرفون صحتها، ولا وجدت له في كتاب، ثم إن صَحَّ ذلك، فهي لغة للعرب فصيحة؛ لأنّ بني الحارث بن كعب يقولونها، قال سيبويه: وهذا هو القياس وقد جاء القرآن به في قراءة من قرأ ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (^٣). وأنشدوا فيه:
إن أباها وأَبَا أباها … قد بَلَغَا في المجد غَايَتَاها (^٤)
فإن قالوا: إن أبا حنيفة تكلَّم عليه الأئمة ولم يتكلموا على الشافعي، فحكي عن سفيان الثوري أنّه قال: "استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين" (^٥). وقال
_________________
(١) هذه الأمثلة كغيرها مما سبق، فيها توجيه ورد للمعارضين من الشافعية بأدلة مختلفة، وإنما الغرض من ذكر المؤلف هنا هذه الأمور: هو الرفع من شأن مذهب المؤلف عن طريق مكانة إمام مذهب المخالف. ومن ثَمَّ لا ينظر إلى هذه الأقوال التي يراد منها تقوية وتضعيف المذاهب الفقهية المعتمدة، وإنما هي تراث عصر طغى لدى بعضهم جانب التعصب لأئمة مذاهبهم، فحصل ما حصل بين المذهبين من الجدل والنقاش والمنافسة.
(٢) في ب (يلقي).
(٣) انظر في توجيه الآية: تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) ص ١٢٥٥. (دار ابن حزم).
(٤) البيتان لرؤبة بن العجاج في ملحق ديوانه ص ١٦٨، وفي الدرر اللوامع للشنقيطي هما لأبي النجم أو رؤبة، ١/ ١٢. وبعضهم بلا نسبة. انظر: معجم شواهد النحو الشعرية، للحداد ص ٧٧٣.
(٥) أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٥٤٥؛ والخطيب في تاريخه ١/ ٣٠٣. وذكر ابن عبد البر: "ضُرِب أبو حنيفة على القضاء، فلم يفعل، ففرح بذلك أعداؤه وقالوا: استتابه"، ونقل عن بعضهم بأن هذه كذب لا أصل لها. =
[ ١ / ٦٢ ]
بعضهم: كان شيطانًا خرج من البحر.
فالجواب: أنهم لو رجعوا إلى ما قال صاحبهم كان أولى بهم، وقد قال الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" (^١)، وقال لما خرج من العراق: رأيت محمد بن الحسن إذا قرأ القرآن فكأن القرآن نزل بلسانه، وما رأيتُ عالمًا إذا سُئل عن شيء لم يتغير وجهه إلا محمد بن الحسن، ولقد أخذتُ من علمه حِمْل جملٍ بُخْتي ذَكَر" (^٢).
فأما من تكلم في أبي حنيفة من أهل عصره فللمنافسة؛ لأنه تقدمهم في العلم فشقَّ عليهم، ولم يمت سفيان حتى تاب من الكلام في أبي حنيفة (^٣)، وقد وجد كتاب الرهن حين مات تحت وسادته. وروى عن أبي حنيفة ودلَّسه.
فأما قوله: [إنه] استتيب من الكفر مرتين، فإنه كان يلاحي بذلك، وذلك أن الشراة لما دخلوا الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا له: تُبْ من الكفر؛ لأنهم يكفّرون من خالفهم، فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر، فأفرجوا عنه، فقيل لكبيرهم: إنّما عنى بالكفر الذي أنت عليه، فاسترده وقال له: إنك تبت من
_________________
(١) = انظر: الانتقاء ص ٢٨٦، ويأتي في الكتاب. وهكذا في جميع ما قيل في الإمامين الجليلين رحمهما الله تعالى.
(٢) كما نقل الذهبي في تذكرة الحفاظ، ١/ ٨٠، ١٦٨.
(٣) مناقب أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي، ص ٨١.
(٤) وهذا الموضوع قيل فيه الكثير من الأقوال منذ أن عرفوا إلى يومنا هذا، وكتبت فيه مؤلفات، وبيّن ابن عبد البر سبب ذلك - بعد ذكره فضائل أبي حنيفة -: ومما طعن فيه عليه؛ لرده مما أصله لنفسه في الفقه، وردّ بذلك كثيرًا من الأخبار ..، ومما قيل فيه: إنه لا يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان، فعابه بذلك أهل الحديث، وقد أثنى عليه قوم كثير لفهمه وفطنته وحسن قياسه وورعه ومجانبته السلاطين. انظر: الانتقاء ص ١٨٤.
[ ١ / ٦٣ ]
الكفر وتريد به ما نعتقده. فقال له: أبعلمٍ تقول ذلك أم بظن؟ فقال: بل بظن، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت من الكفر! فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر، ثم قال لأبي حنيفة: فتب أنت من الكفر فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر، فقال الناس: قد استتيب [أبو حنيفة] من الكفر مرتين، وهم يريدون هذا.
وأما من مَدَح أبا حنيفة من العلماء فهم أكثر من أن يُحْصى، وقد حكينا ما قال الشافعي فيه.
وأما مالك ﵁ فإنه سئل عنه فقال: "رأيت رجلًا لو قال إن هذه الأسطوانة من ذهب لدَلَّ عليه" (^١).
وقد حكي عن ابن سُريج - وهو أفقه أصحاب الشافعي - أنّه بلغه أن رجلًا يذكر أبا حنيفة، فدعاه وقال: يا هذا إن لأبي حنيفة ثلاثة أرباع الفقه بالإجماع، والربع الآخر لا يسلمه للناس، فقال له: وكيف يكون ذلك؟ فقال: لأنّ الفقه سؤال وجواب، وهو الذي وضع كل أسئلة الفقه، فله النصف، ثم أجاب عن هذه الأسئلة، فزعم مخالفوه أنّه أصاب وأخطأ، فإذا جُعِل خطؤه بصوابه كان له نصف النصف الآخر، ويبقى الربع، فزعم أنّه أصاب، ويزعمون أنّه أخطأ، فله ثلاثة أرباع الفقه بالاتفاق (^٢)، وسنبيّن إن شاء الله تعالى من يشهد لهذه الجملة في تضاعيف المسائل، والله المعين والموفق للصواب.
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في الانتقاء ص ٢٦٩؛ والذهبي في مناقب أبي حنيفة ص ٣١؛ وأورده السرخسي في المبسوط، ١٢/ ٢٨ وغيره.
(٢) انظر: المبسوط ١/ ٣.
[ ١ / ٦٤ ]