﷽
المقَدِّمَة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلوات الله تعالى وسلامه على سيد الأولين والآخرين (معلم الناس الخير) سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وكل من والاه إلى يوم الدين.
وبعد: فإن التفقه في دين الله ﷿ وشرعه أهم غاية يتمنى المرء المسلم أن يصل إليها في هذه الحياة الدنيا.
وقد حث المولى ﷾ على ذلك مُرغبًا بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال النبي الكريم صلوات الله وسلامه مشجعًا على التفقه ومعرفًا بمكانة الفقيه وتقديره: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
كما أن الفقه الإسلامي تراث فاخر لهذه الأمة، تستغني به عن الأحكام الوضعية في إصلاح شؤونها الدينية والدنيوية، ومن أعرض عنه ومال إلى القوانين الوضعية في تنظيم حياة الناس وفي تقويم الأود، وانتظر منها المدد،
[ ١ / ٧ ]
فهو في سبيل القضاء على العزة الإسلامية ومقتضى الشرع بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة.
وجزى الله ﷿ عنا أئمة الفقه المتبوعين ﵃ خير الجزاء على توافقهم في استنباط الأحكام العملية من الكتاب الكريم والسنةِ النبويةِ الشريفة، حيث مهدوا قواعد الاستنباط والفهم، وملؤوا العالم بدواوينهم في العلم، وخلفهم فقهاء أصفياء يسيرون على منهجهم الرشيد، وطريقهم السديد، فخلدوا كتبًا فاخرة، وعلومًا زاخرة، مشكورين في الدنيا مأجورين في الآخرة.
هذا وقد تفنن الفقهاء في توصيل هذا العلم إلى طبقات المجتمع الإسلامي كافة بطرق وأساليب شتى:
فوضعوا كتبًا خاصة لكل مذهب من المذاهب الأربعة المشهورة، تارة مقترنة بالأدلة والحجج المؤيدة لكل قول؛ ليدرك القارئ أصل قول ومذهب المجتهد، وتارة أخرى متونًا مختصرة، مجردة عن الأدلة والعلل، تيسيرًا وتسهيلًا للمبتدئين على الاستذكار، وتذكرة وعونًا للعلماء والمفتين، عِلْمًا بأن هذه المسائل الفقهية درست ونُقحت وصيغت صياغة علمية، وعلق عليها من أفاضل أئمة كل مذهب عبر القرون، كما أنها أُشبعت بحثًا من حيث الدليل والتعليل والبراهين والمناقشة والتخريج والترجيح، ومظانها معلومة ومعروفة.
وعلى المنوال الأخير وضع مؤلفنا (أبو الحسن الكرخي ٣٤٠ هـ)، كتابه المختصر (مختصر الكرخي) في فقه المذهب الحنفي، ومختصرُ الكرخي يعدُّ: (أهم متن في فروع المذهب) ومن المتون المعتمدة في المذهب الحنفي.
[ ١ / ٨ ]
وقالوا في المتون: العبرة بما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ (^١).
وقد توارث فقهاء الأحناف الاهتمام بهذا المختصر اهتمامًا بالغًا؛ إذ لن نجد كتابًا كُتِبَ بعد مختصر الكرخي إلا وقد نقل منه، بل يؤيد المؤلِّفُ قولَه بما ذكره الكرخي في مختصره، وذلك لشدة اهتمام فقهاء المذهب بالمتون المعتبرة، وتقديم ما ورد فيها على ما في غيرها، إذ القاعدة المعروفة لدى فقهاء الأحناف في الترجيح بين الأقوال المعتمدة في المذهب، وفي تقديم نصوص بعض الكتب على البعض الآخر في الاعتبار عند التعارض، أنه: "إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك في بيان الشروح والفتاوى ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى".
وتوضيح هذه القاعدة بَيَّنَه ابن عابدين في ردِّ المحتار بقوله: "صرحوا أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين، أو عدم التصريح أصلًا، أما لو ذكرت مسألة في المتون ولم يصرحوا بتصحيحها، بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني؛ لأنه تصحيح صريح، وما في المتون تصريح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي، أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح".
_________________
(١) مقدمة الجامع الصغير، ص ٢٣.
[ ١ / ٩ ]
ومن ذلك الاهتمام بهذا الكتاب المبارك: ما وضعه الإمام أبو الحسين القُدُوري (ت ٤٨٠ هـ) في شرحه النافع الواسع الجليل، الذي ذاع صيته في الآفاق وقدّمه أئمة المذهب على سائر الكتب حيث أبدع الشارح القدوري في تصنيف الشرح أيّما إبداع؛ فقد توسع ﵀ في شرح المختصر توسعًا بالغًا فائقًا، وما ترك في شرح مسائل الكتاب أيَّ مسلك ومنحي يمكنه التطرق والتحدث فيه إلا سلكه وسار فيه، ولو كان الربط بإشارة بعيدة، فأفاض فيه وتحدث عن المسألة مفصِّلًا موضِّحًا لها من جميع جوانبها، ثم الاستدراك على المتن بمسائل لم يذكرها، حتى يتم الموضوع من كل جوانبه، إلا أن الشارح ﵀ لم يفرق ويفصل بين المتن وشرحه، كعادة بعض الشراح، لمعرفة الأصل من الشرح، ولم أستطع أيضًا العثور على نسخة المتن مستقلًا حتى يتضح الفرق.
كما أنه إذا بدأ بالجانب اللغوي يستقصي مذاهب وأقوال اللغويين في الموضوع، ويذكره بإيجاز؛ مستشهدًا ببعض الشواهد المؤيدة لقوله، وهكذا إذا استدل بآية، نجده يتتبع أقوال المفسرين وآراءهم في الآية، وليس بالنقل والاقتباس فقط - مع كونه أمينًا في عزو الأقوال لأهلها -، بل نجده مناقشًا ناقدًا لأقوال المفسرين، ثم يرجح ما يراه مؤيدًا بأدلة وعلل وقرائن وأشباه ونظائر.
وأما الجانب الفقهي فهو أساس هذا الكتاب النافع الكبير، وقد تفنن المؤلف ﵀ في شرح (مختصر الكرخي)، ففصل كل قول موجز بشرح مسهب مطول، مع بيان جميع جوانب المسألة، فيبدأ ببيان التعريف اللغوي، ثم يوضح أصل المسألة، ويثلث بذكر أركان المسألة وتوضيحها، مع الرد على الاعتراضات الواردة على بعض أجزائها إن كان ثَمَّة ذلك، ثم يتجه إلى بيان فصول الباب فصلًا
[ ١ / ١٠ ]
فصلًا مع الاعتناء والحرص على انفراد كل فصل بمسألة مستقلة، وعدم التداخل في المسائل، وهذه ميزة تميز بها هذا الكتاب عن سائر المطولات، ومقارَنةً ما يراه من الخلاف في المسألة بين أئمة المذهب، ثم بين أقوال أئمة المذاهب المعتبرة الأخرى، وبخاصة الشافعية، ثم المالكية، وأحيانًا يذكر مذهب الإمام أحمد بقوله: ذكر أهل الحديث، وهو في كل ذلك يبين أدلة المخالفين ويناقشهم فيها، ولا ينسى المؤلف التفريع على بعض المسائل، كما لا يفوته الاستدراك على صاحب المختصر في بعض المسائل، وغير ذلك من أساليب وطرق متنوعة شيّقة مبدعة، سلكها المؤلف في شرح الكتاب المبارك.
وهو في كل ما يذكر في الكتاب يعزو الأقوال لأصحابها بأمانة وصدق: بذكر أسماء قائليها ومصادر منقولاته من الكتب والمراجع في بيان ذلك.
وفي الحقيقة فإن هذا الشرح كتاب مستقل بكيانه وشموله وجمعه لجميع فروع المسألة وملاحقها، ثم استيعابه لجُلّ ما ذكر في المسألة من أقوال أئمة الفقهاء الحنفية بخاصة، وتوجيه أقوالهم فيما لو اختلفوا.
وكذا المذاهب الأخرى المعروفة - كما ذكرت - وغيرها من مذاهب أئمة الفقه المجتهدين الذين لم تُدَوّن أقوالهم واجتهاداتهم الفقهية، ولم تدون مذاهبهم مستقلةً مرتبةً في المصنفات. كأمثال الإمام: الحسن بن حي، والشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم.
وإذا أردنا معرفة مكانة هذا الكتاب وقدره بين الكتب الفقهية، فلا بد من النظر في الكتب المؤلفة في الفن نفسه في عصر المؤلف أو قبل عصره، ثم
[ ١ / ١١ ]
المقارنة بين هذه المؤلفات، فبالتتبع والتقصي لا نجد كتابًا يشابه هذا المؤلَّف في حجمه الكبير، واحتوائه واشتماله لهذه المسائل الكثيرة، إضافة إلى سهولة أسلوبه في عرضه للمسائل، وتسهيله وتيسيره للقضايا الفقهية لكتاب (مختصر الكرخي).
فهو فريد في بابه (ولذلك كانت قلوب العلماء والفقهاء وبخاصة الحنفية منهم تهفو لظهور هذا الشرح مطبوعًا).
وباجتماع كل ما ذكرته آنفًا من مميزات هذا الكتاب وتقدمه على سائر كتب المذهب، ومما لم أذكرها، يمكنني تسمية هذا المصنف بـ: (الموسوعة الفقهية المقارنة)، ويمكن للباحثين في الدراسات الفقهية أن يجعلوا الكتاب إمامًا لاستخراج علوم وفنون فقهية متنوعة، بإذن الله ﷿.
ومن قبل ذلك فهو كتاب معتمد مقدم على سائر الكتب الفقهية في المذهب الحنفي. ولا غرو بأن يكون هذا الشرح أساس وعمدة المتأخرين الذين أتوا بعده؛ لما للمؤلِّفَين الجليلين لهذا السفر المبارك من المكانة الرفيعة؛ حيث بلغ المصنِّفان الرئاسة في مذهب الحنفية في عصرهما بالعراق كما يأتي في ترجمتهما مفصلًا، هذا إذا كان كل منهما منفردًا، فكيف إذا اجتمع هذان الإمامان الجليلان في تصنيف كتاب واحد.
فجزاهما الله تعالى خير الجزاء على ما قَدَّما وَبَذَلا من جهود مشكورة، يستمر لهما ذكرهما والدعاء لهما من أهل العلم والفضل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فرحمهما الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهما فسيح جنانه.
[ ١ / ١٢ ]
وقد اعتمدت في تحقيق وإخراج الكتاب على نسخٍ خطيةٍ للكتاب؛ أهمها: