مهمة المحقق في مثل كتاب (شرح القدوري على مختصر الكرخي): تقويم النص، وتحريره، وتصفيته من شوائب التصحيف، ورجعه إلى الأصل الذي حرَّره المصنف، أو قريب منه بما في الوسع، وتيسير فهمه على القارئين، غير مثقل بالشروح والآراء الخاصة.
وقد اقتصر عملي في الكتاب على ما يأتي، بإيجاز:
* تصحيح الكتاب ونسخه على قواعد الإملاء المعروفة حديثًا.
[ ١ / ١٤ ]
* مقابلة سائر النسخ على الأصل المعتمد منها، إذ اعتمدت في المقابلة غالبًا على نسختين وأحيانًا على ثلاث نسخ، مع ذكر ما يوجد من الفروق المهمة في الهامش، (وكان العمل على طريقة اعتماد النسخة الأم ثم المقابلة على بقية النسخ وذكر الصحيح في أصل المتن بين [] معقوفتين، والإشارة في الهامش لذلك)، وهذه الطريقة تعرف في اصطلاح المحققين (بالنص المختار).
وحاولت أن لا أذكر الفروق الكثيرة بين النسختين أو النسخ إلا ما دعت الضرورة لذكرها، حتى لا يكبر حجم الكتاب الكبير بذكر ما لا طائل تحته، ولا فائدة زائدة لأكثر القراء، ومن ثم لم أشر إلى السقطات في النسخة، فإن وجد سقط في نسخة الأصل، أتممته من نسخة أخرى وجعلته بين معقوفتين من غير إشارة إلى النسخة الساقط منها، أو المثبت منها؛ لمعرفة ذلك بوضوح؛ ولئلا تكثر الهوامش التي لا تفيد القارئ، وتزيد في صفحات الكتاب.
* تفقير الكتاب، واستعمال العلامات الإملائية في ذلك، وهذا أهم عمل أرى وجوب التزامه في إخراج الكتب التراثية، ولا يدرك ذلك إلا المتخصصون.
* وضع العناوين الناقصة لسائر مسائل الكتاب تيسيرًا وتسهيلًا على القارئ، علمًا بأن المؤلف عَنْوَنَ لبعض الموضوعات بـ (فصل) هكذا، وهي مسائل قليلة جدًا، ولم يعنون للبعض الآخر وترك فراغًا، وبخاصة في نسخة (ب)؛ ولذلك وضعت لبقية هذه المسائل عناوين وجعلتها بين معقوفتين []، وهي كثيرة جدًا.
* التأكد من صحة الأقوال الواردة في الكتاب بالرجوع إلى الكتب
[ ١ / ١٥ ]
المعتمدة في المذهب الحنفي، من المؤلفات السابقة عن عصر المؤلف، أو من المؤلفين المعاصرين له غالبًا، وكذا المذاهب الأخرى - بقدر المستطاع - من الكتب المؤلفة من أئمة مذاهبهم، أو اقترانها مع بعض مؤلفات المتأخرين غالبًا، وأحيانًا أذكر أحد الطرفين.
* قمت بشرح المصطلحات العلمية، والتعاريف الفقهية، وبعض الكلمات الغريبة التي قد يصعب فهمها على بعض القراء، وهي كثيرة، وتركت البعض الآخر لوضوحها.
* ولم أعلق على المسائل الخلافية بين فقهاء المذهب الحنفي، إلا وقد بيَّنَه المؤلف بإسهاب؛ إذ الكتاب في الفقه المذهبي فيذكر فيه أقوال أئمة المذهب، فلا أرى الحاجة تقتضي وتستدعي ذكر أقوال الآخرين، كما أنه في شرحه هذا لا يترك شاردة ولا واردة في المسألة إلا ويذكرها من خلال مذهبه وأقوال أئمته غالبًا، ومن ثَمَّ لا حاجة لإضافة شرح آخر على شرحه. وقد يجد بعض القراء شيئًا من الغموض والاشتباه في بعض المواقع، إلا أنه قليل؛ لكون القارئ لهذا الكتاب ممن يظن به الإلمام والإدراك بتلك الجوانب العلمية، وإلا فمظان الشرح والتوضيح معلومة لمن ابتغى الزيادة في التوثق والتأكد.
* كما أنني لم أذكر القول الراجح في المذهب؛ لأن هذا الكتاب أُلِّف لذكر الأقوال المختلفة في المسائل الفقهية في المذهب، وليس كتاب فتوى، إذ كل صنف في التصنيف له طريقته وخصائصه، والتآليف الفقهية وتنوعها وأسلوب كل نوع في التأليف بالمنهجية والمرجعية مشهور ومعروف، ثم إن قواعد الترجيح، وطبقات فقهاء المذهب في الاجتهاد والترجيح والاختيار في المسائل
[ ١ / ١٦ ]
أيضًا واضح بينة ومسطورة في مظانها، ومن ثَمَّ لا داعي لذكر أمور مَظِنَّة الخطأ فيها أكثر من الصواب، كما أن القراء لا يهتمون كثيرًا بذلك - وبخاصة الحنفية منهم - علمًا بأني ذكرت جزءًا قليلًا من ذلك في ترجمة المؤلف.
* وضعت فهرسة مفصلة لجميع عناوين مسائل الكتاب.
* أضفت أمورًا مهمة متممة لما ذكر في الكتب التراثية مثل المقاييس والموازين والمكاييل المعروفة قديمًا، وما يقابل كل هذه الأشياء في زماننا حديثًا؛ إذ يحتاجها المسلم، وتنبني عليها أموره في حياته اليومية.
* وقمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وهي كثيرة جدًا.
ومسلكي في تخريج الأحاديث: أن أبحث عن الحديث في مظانه من كتب السنن والمسانيد والمعاجم والمصنفات، فإن وجدت الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت، وإلا بحثت عنه في كتب السنن الأربعة المعتمدة (^١)، وأذكر في ذلك رقم الحديث فقط.
فإن لم أجده في الكتب الستة بحثت عنه في تتمة الكتب التسعة المعتمدة أيضًا: في موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، فإن لم أجده، بحثت عنه في الصحاح الثلاثة: صحيح ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان في صحيحه، وتلميذ ابن حبان الحاكم في مستدركه، فإن لم أجده عندهم بحثت عنه في بقية كتب الحديث ومدوناتها من السنن والمسانيد والمعاجم وكتب
_________________
(١) إذا المعروف لدى أهل العلم قبول روايات الكتب الستة، كما يقول الزين العراقي: (وإن لم يكن في واحد من الصحيحين عزوته إلى من خرَّجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم) طرح التثريب ١/ ١٨.
[ ١ / ١٧ ]
الرجال ونحوها، وأذكر ما قِيْلَ ونُقِلَ عن المحدثين في سند الحديث والحكم عليه باختصار إن كان ثمة ذلك، وإلا أكتفي بذكر المرجع أو المراجع التي ذَكَرَتْ ذلك، مثل: نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير، والدراية كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، ونحوها من المراجع التي عنيت بالحديث ودراسته: رواية ودراية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن روايات الإمام الكرخي للحديث تختلف عن سائر مؤلفي الكتب الفقهية، إذ الإمام يُعَدُّ من الفقهاء المحدثين، فقد روي جل أحاديثه بالسند المتصل بسنده إلى النبي ﷺ، قال ابن قطلوبغا في ترجمته: "صنف المختصر، والجامع الكبير، والجامع الصغير، وأودعهم الفقه والحديث والآثار المخرجة بأسانيده" (^١).
وأنقل هنا سندين فقط من روايات الكرخي - على سبيل المثال - كما أوردها ابن قطلوبغا في (التعريف والإخبار):
قال في لوحة: (أخرج الكرخي في "المختصر": حدثنا الحضرمي، حدثنا الفضل بن الحسين أبو كامل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا فرقد السَّبْخي، عن جابر بن زيد، عن مسروق، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ: "ألا وإني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم آخرتكم، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي".
حدثنا الحضرمي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا معروف ابن واصل، حدثنا محارب بن دثار، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن
_________________
(١) تاج التراجم، لابن قطلوبغا ص ٢٠١.
[ ١ / ١٨ ]
تشربوا إلا في ظرف الأديم، فاشربوا في كل وعاء غير ألا تسكروا".
وقال في موضع آخر لوحة: وأخرج الكرخي في "المختصر": حدثنا ابن راهويه، حدثنا علي بن شعيب، قال: قرئ على أبي سمرة وأنا أسمع: أن أسامة حدثه عن مكحول الباهلي قال: أسهم رسول الله ﷺ للفارس سهمين، وللراجل سهمًا.
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب بن شيبة، حدثنا علي بن حرب، عن القاسم الجري، حدثنا سليمان بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر بن الخطاب ﵁، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله قالوا: كان رسول الله ﷺ يُسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا.
ويتضح من هاتين الروايتين جليًّا مكانة رواياته، وهو بذلك لا يقل شأنًا ومكانة وقدرًا في الرواية عن سائر المحدثين المعاصرين له في القرن الرابع الهجري (القرن الذهبي لتدوين الحديث).
ومن ثَمّ: تأتي رواياته في مصاف روايات المحدثين الأجلاء الكبار، كأصحاب السنن الأربعة ونحوهم؛ وبالتالي لا داعي لتخريجها من كتب معاصريه، إلا لزيادة التوثق والتأكد، وقد لا نجدها في كتب السنن الأخرى؛ وذلك لاحتمال أن تكون روايته متميزة ومنفردة عن سائر المحدثين، وبعد ذلك لا تستغرب إذا لم تجد بعض الأحاديث إلا في كتب الفقه؛ لأنهم نقلوه عن الكرخي فقط، وكفى به محدثًا وفقيهًا.
* وترجمت لجُلّ العلماء الوارد ذكرهم في الكتاب.
[ ١ / ١٩ ]
* كما وضعت فهرسة لكتب وأبواب المؤلف بترتيب المؤلِّف أولًا، وثانيًا فهرسة الكتب والأبواب مرتبة على الحروف الهجائية؛ لما في ترتيب المؤلِّف من تشويش على المطلع؛ لعدم اتباعه وسيره على الترتيب المألوف التي يخالف ترتيب كتب اللاحقين بعده في المذهب.
* ووضعت فهرسة مفصَّلة لجميع عناوين الكتاب.
* كما وضعت الفهارس الفنية المتنوعة المعروفة عن الكتاب؛ للتسهيل على القارئ.
وهناك أمور يقتضيها إخراج الكتب التراثية للقراء لا يعرفها إلا المحققون.
هذا وصَدّرت الكتاب بذكر ترجمة موجزة للمؤلِّفَين الجليلين الفاضلين رحمهما الله تعالى.
وأخيرًا: فإني حاولت بقدر مكنتي إخراج الكتاب قريبًا مما أراده المؤلف، وبذلت فيه جهدًا مضنيًا متواصلًا لسنوات من عمري لإخراجه بصورة علمية تتناسب ومكانته، وباعتبار كون الكتاب مؤَلَّفًا موسوعيًا في سعته وحجمه ومعلوماته الغزيرة؛ إذ لم يُؤلِّف أحد مثل هذا الكتاب في حجمه وسعته قبل عصره وفي عصره في المذهب، اللهم إلا كتاب "الأصل" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وله وجه آخر من وجوه التأليف، ولأجل ذلك أبقيته خاليًا من التعليقات والزيادة والترجمة للأعلام الواردة في الكتاب، وسوف أترجم لأغلبهم في آخر الكتاب، وأرتبها ترتيبًا ألفبائيًا: ليجد الباحث بغيته إذا احتاج إليها، وحتى لا يُزاد في حجم الكتاب من غير طائل.
[ ١ / ٢٠ ]
هذا وقد بذلت جهدي بما في الوسع في إخراج النص صحيحًا، ومع ذلك فالمرء في المخطوطات القديمة، لا يستطيع - مهما أوتي من علم وإحاطة وتبصر - أن يجزم بكمال النص الذي حققه.
فليتكرم من يجد فيه خطأ أو خللًا بتصحيحه، فإن هذا الكتاب لم يكن من مفاخر القرن الرابع الهجري وحده، بل هو من مفاخر الفكر الإسلامي في كل الأعصار، هذا الفكر الذي وضع جميع الأحكام المتعلقة بالإنسان، من جميع الجوانب، ليسعد المسلم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة.
ولا يفوتني في هذه العجالة أن أنوه بأهل الفضل والإحسان بفضلهم وإحسانهم، وأشكرهم على ما قدموه لي من مدّ يد العون، بالتشجيع، والتحفيز، والدعاء، ثم المساعدة على طبع الكتاب وإخراجه وتوزيعه لطلبة العلم، وبصورة خاصة (دار أسفار)، التي قامت مشكورة بطبع الكتاب ونشره، وهناك من الإخوة الأفاضل كثيرون، الذين تعاونوا على إخراج هذا الكتاب، ولا يضيرهم أن لا أسميهم بأسمائهم، ويكفيهم أن المولى الكريم يعلمهم ويثيبهم، فهو القادر سبحانه على جزائهم وإكرامهم والإنعام عليهم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولهم مني كل تقدير وشكر وامتنان "من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى".
فلله ﷿ وحده الحمد والمنة أولًا وآخرًا، وله ﷾ وحده الفضل والكرم في إخراج هذا الكتاب، فإن أصبت فمن الله ﷿ وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله تعالى وقوته، وبعد ذلك أطلب من إخواني إن رأوا بعض الخلل والعثرات أن ينبهوني، فرحم الله امرًا أهدى إليّ
[ ١ / ٢١ ]
عيوبي، وبصّرني بأخطائي - فلهم مني جزيل الشكر والتقدير.
وأرجو من الله ﷿ حسن القبول والتوفيق وأن ينفع به المسلمين، وأدعوه سبحانه أن ينفعني ووالديّ به في الدنيا والآخرة، وأن يجعله سببًا للفوز بمرضاته في الدارين، وهذه غاية مبتغاي.
وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العبد الفقير إلى عفو ربه ومولاه
عبد الله نذير أحمد عبد الرحمن
مكة المكرمة - حي الهجرة
في ١/ ٧/ ١٤٣٩ هـ
[ ١ / ٢٢ ]
صور المخطوطات
صفحة العنوان من نسخة داماد
[ ١ / ٢٣ ]
الصفحة الثانية من نسخة داماد
[ ١ / ٢٤ ]
الصفحة الأخيرة من نسخة داماد
[ ١ / ٢٥ ]
صفحة العنوان من نسخة مراد ملا ٨٨١
[ ١ / ٢٦ ]
الصفحة الأولى من نسخة مراد ملا ٨٨١
[ ١ / ٢٧ ]
الصفحة الأخيرة من نسخة مراد ملا ٨٨١
[ ١ / ٢٨ ]
صفحة العنوان من نسخة لالي
[ ١ / ٢٩ ]
الصفحة الأولى من نسخة لالي
[ ١ / ٣٠ ]
الصفحة الأخيرة من نسخة لالي
[ ١ / ٣١ ]
صفحة العنوان من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
[ ١ / ٣٢ ]
الصفحة الأولى من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
[ ١ / ٣٣ ]
الصفحة الأخيرة من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
[ ١ / ٣٤ ]
صفحة العنوان من نسخة رضا برامفور
[ ١ / ٣٥ ]
الصفحة الأولى من نسخة رضا برامفور
[ ١ / ٣٦ ]
الصفحة الأخيرة من نسخة رضا برامفور
[ ١ / ٣٧ ]