قال الشيخ رحمه الله تعالى: الطهارة في عبارة اللغة: هي النظافة، وفي الشرع: عبارة عن غسل بصفة، والوضوء في اللغة: الوضاءة وهي الحُسن، ويقال: وجه وضيء [أي: حَسَن]، وفي الشريعة: عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة، فإن كان أهل اللغة يَعرفونه هذا فالاسم لغوي، وإن كانوا لا يعرفونه فهو اسم شرعي فيه معنى اللغة.
والأصل في وجوب الطهارة قوله ﷺ: "لا صلاة إلا بطهارة، ولا صدقة من غلول" (^١). قال أبو الحسن: "طهارة الأبدان من الأحداث طهارتان: غسل ووضوء بالماء عند وجوده، وبالتراب عند عدمه".
وإنما قسم أبو الحسن الطهارة المجتمع عليها، ولم يدخل في القسمة ما اختلف فيه من الطهارة بغير الماء [وهو الوضوء بنبيذ التمر].
والأصل في وجوب الوضوء: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ …﴾ الآية [المائدة: ٦]، وقال النبيّ ﷺ: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه ثم المسح برأسه ثم يغسل
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص ١/ ٢٢٤: لم أر هذا الحديث بهذا اللفظ، نعم روى الترمذي (١)، من حديث ابن عمر: "لا تقبل صلاة إلا بطهور"، وأصله في صحيح مسلم ١/ ٢٠٤ (٢٢٤)، بلفظ: "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"، ورواه الطبراني في الأوسط (٢٢٩٢)، من حديث ابن عمر بلفظ: "لا صلاة لمن لا طهور له".
[ ١ / ٦٥ ]
رجليه" (^١)، وقد دلّ على هذه القسمة: قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا …﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
قال أبو الحسن ﵀: وفرض الوضوء ما نص الله عليه في كتابه: وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وتدخل المرافق والكعبان في ذلك عندنا.
فأما الوجه فهو: من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمتي الأذن؛ لأنّ الوجه عبارة عما يواجه الإنسان في العادة، والكلام فيه يقع في فصول:
* أحدها: أن إيصال الماء إلى داخل العينين ليس بواجب؛ لأنّ في ذلك مشقة، والفروض تسقط بالمشقة؛ ولأنهما في حكم الباطن، والوضوء لا يتعلق بالبواطن.
* والثاني: أن المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء، ومن أصحاب الحديث من أوجبهما، ومنهم من أوجب الاستنشاق دون المضمضة [وهذا فاسد].
لنا: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه عبارة عن الظاهر دون الباطن، وعَلَّم النبيّ ﷺ الأعرابيَّ الوضوء ولم يذكر له المضمضة والاستنشاق
_________________
(١) قال الحافظ في "التلخيص" ١: ٩٧: لم أجده بهذا اللفظ، ثم نقل عن النووي قوله: إنه ضعيف غير معروف، ثم قال: نعم لأصحاب السنن من حديث رفاعة بن رافع، في قصة المسيء صلاته فيه: "إذا أردت أن تصلي فتوضأ كما أمرك الله". أبو داود (٨٥٧)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (١٦٣١)، ولم أجده عند ابن ماجه بهذا اللفظ من حديث رفاعة.
[ ١ / ٦٦ ]
مع جهله بالأحكام، ولو كانت واجبة لذكرها؛ ولأن وجوبها مما تعم البلوى به، ويحتاج جميع الناس إلى معرفته، فلو وجب لبَيّنه رسول الله ﷺ للجماعة، ولو فعل ذلك لنقل من طريق الاستفاضة، فلما لم ينقل نَقْل الاستفاضة، دلّ على أنّه غير واجب.
* والثالث: أن إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية ليس بواجب، قال أبو حنيفة: "وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها".
وقال الشافعي: "إن كان شعرها كثيفًا فكذلك، وإن كان خفيفًا يجب إيصال الماء إلى البشرة" (^١)، وهذا فاسد؛ لأنّ ما لا يجب إيصال الماء إليه إذا تكاثف عليه الشعر لم يجب إذا خفّ كبشرة الرأس.
* والرابع: وجوب مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية، قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: "وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء، وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها"، وهذا يقتضي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية.
وذكر ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة وزفر: [أنه] إذا مسح من لحيته ثلثًا أو ربعًا جاز، وإن مسح أقل من ذلك لا، قال: وقال أبو يوسف: وإن لم يمسح منها شيئًا، جاز.
وجه رواية أبي يوسف: أن الفرض كان متعلقًا بالبشرة فإذا سترها الحائل لم يسقط الفرض وإنما ينتقل إلى الحائل كشعر الرأس.
وجه رواية الحسن: أن فرضها المسح، والممسوحات لا يجب فيها الاستيعاب
_________________
(١) انظر: الأم للإمام الشافعي ص ٣٣ (بيت الأفكار الدولية)؛ والمهذب للشيرازي (بتحقيق محمد الزحيلي) ١/ ١٢١ (دار القلم).
[ ١ / ٦٧ ]
كمسح الرأس.
وجه قول أبي يوسف: أنّه لو وجب تطهيرها لكان الواجب المسح [وهي من الوجه وفرضه الغسل] فيجتمع في عضو واحد وجوب الغسل والمسح، وهذا لا يجوز كسائر الأعضاء.
* والفصل الخامس: ما استرسل من الشعر عن العضو، فعندنا: لا يجب إيصال الماء إليه، وقال الشافعي: مسح جميع اللحية واجب (^١).
لنا: أن الفرض كان متعلقًا بالبشرة فإذا انتقل إلى الحائل ثبت فيما لاقى موضع الفرض دون غيره كمسح الخفّ؛ ولأن ما استرسل من اللحية يلاقي موضعًا لو ظهر لم يجب غسله، فلا يجب إيصال الماء إليه في الوضوء كطرف الذؤابة.
* والفصل السادس: وأما غسل البياض الذي بين العذار والأذن فعند أبي حنيفة ومحمد: واجب، وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يجب.
لهما: أنّه يجب غسله قبل نبات الشعر، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا يسقط الوجوب كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب، وجب بعده.
وأما أبو يوسف فيقول: إن الفرض قد سقط عمّا تحت العذار: وهي إلى الوجه أقرب، فسقوطه عما هو أبعد أولى.