والواجب عندنا: غسل الرجلين، وقال قوم: الواجب المسح، ومن الناس من قال: هو مخيّر بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين: يجب عليه الجمع بينهما (^٣).
_________________
(١) في ب (وضع الأصابع لم يستوف).
(٢) انظر: الهداية ١/ ١٢. وبالتفصيل: التجريد (للمؤلف) ١/ ١١٨.
(٣) "وغسل القدمين في الوضوء مع القدرة فرض بالاتفاق، وحُكي عن أحمد والأوزاعي والثوري =
[ ١ / ٧١ ]
[والدليل على ما قلناه]: ما روي أن النبيّ ﷺ علّم الأعرابيَ الوضوء وقال: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه" (^١)، وروي عن النبي ﷺ أنّه توضأ وغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (^٢)؛ ولأنّ النبيّ ﷺ داوم على غسل رجليه، وأطبقت الأمة على نقل ذلك، ولم ينقل عنه المسح إلا شاذًا من جهات ضعيفة، ومن يخالف في هذه المسألة يقول: إن الغسل لا تجزئ به الصلاة، وهذا خلاف [الإجماع] المنقول من طريق الاستفاضة.
فإن قالوا: يجوز الغسل والمسح [جميعًا] إلا أن المسح أفضل، أدّى ذلك إلى أن يكون النبيّ ﷺ داوم على ترك الفضيلة، وهذا لا نظن به، فإن قالوا كل واحدٍ منهما جائز والغسل أفضل، [قلنا]: العضو الذي فرضه المسح لا يكون غسله أفضل كمسح الرأس.
وأما قوله ﷾: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قالوا: روي عن ابن عباس قال: "نزل جبريل ﵇ بغسلين ومسحين". وقد قرئت هذه الآية بقراءتين، قراءة النصب: وظاهرها توجب الغسل؛ لأنه عطف الأرجل على المغسول فصار تقديرها (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [إلى المرافق] وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم)، والقراءة الأخرى قراءة الخفض، وظاهرها: يقتضي المسح؛ لأنه تعالى عطفها على الممسوح فتقديرها (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) (^٣).
_________________
(١) = وابن جرير جواز مسح جميع القدمين، والإنسان مخيّر عندهم … " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٤٨ مؤسسة الرسالة.
(٢) تقدم الكلام.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ.
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) ص ٥٢٠ (دار ابن حزم).
[ ١ / ٧٢ ]
والدليل على أن ظاهر كل واحدةٍ من القراءتين ما ذكرنا: أن مَن قرأ من الصحابة بالنصب اعتقد الغسل، ومن قرأ منهم بالخفض اعتقد أيضًا المسح، وهم أهل لغة ولسان، ولولا أن ظاهر كل واحدة من القراءتين ما اعتقده مَن قرأها، وإلا لطولب بالدليل على عدوله عن الظاهر، فإذا احتملت الآية الأمرين، كان فعله ﷺ بيانًا للاحتمال، وقد بينا أنّه ﷺ غسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
فإن قالوا لا نسلم أن ظاهر قراءة النصب تفيد الغسل، بل تفيد المسح، ونصب الأرجل عطفًا على الموضع والمجاورة؛ لأنّ المسح موضعه نصب، وإنما خفضه بدخول حرف الجر فيه وهي الباء، فإذا عطف عليه فهو مخيّر إن شاء عطف على لفظه، وإن شاء عطف على موضعه، وهذا ظاهر في اللغة وقد أنشدوا فيه:
مُعَاوَيَ إننا بَشَر فأسْجِح … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحديدَا (^١)
فالجواب: أن سيبويه قد ذكر أن الأجود هو العطف على اللفظ، فأما العطف على الموضع للمجاورة فليس هو في الظهور كالعطف على اللفظ؛ فإذا كان هذا تركًا للظاهر خرج منه ما قلنا.
وقد قيل: إن العطف على الموضع إنّما يخيّر بينه وبين العطف على اللفظ إذا لم يلتبس، فأما إذا التبس لم يخير، [كما] قالوا: رأيت زيدًا ومررت بعمرو، فإذا قلت وبكرًا وأردت عطفه على عمرو، لم يخير ولم يجز النصب فيه عطفًا على الموضع؛ لأنه يلتبس أنّه مَرْئيٌّ أو ممرور به، كذلك في مسألتنا لما اختلف ما قبل
_________________
(١) البيت لعقبة الأسدي كما في اللسان (غمز)؛ والشعر والشعراء لابن قتيبة ص ٩٩.
[ ١ / ٧٣ ]
العطف، لم يجز العطف على الموضع لما فيه من الالتباس بين الغسل والمسح.
فإن قيل: على ما ذكرتم [فعلام] تُحمل قراءة الخفض؟
قلنا: قد قال أهل اللغة: إنّها خفض على المجاورة كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. وقولهم جحرُ ضبٍّ خربٍ، وخرب صفة للجحر، فكان ينبغي أن يرفعه إلّا أنه جرّه بالمجاورة وأنشد في ذلك سيبويه:
كَأنَّ ثُبيْرًا في عَرَانينِ وَبْلِه … كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ (^١)
فإن قيل: إنّما يكون الخفض بالمجاورة إذا لم يكن هناك حرف عطف، فأما مع حرف العطف فلم يتكلم العرب به.
قلنا: هذا ليس بصحيح [لقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾]؛ ولأن جريرًا قال:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل … إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
فخفض خاطب بالمجاورة مع حرف العطف.
قالوا: ولأن حرف العطف يجعل بين الجملتين من الامتزاج والملابسة ما لا يكون مع عدمه، فإذا جاز الاتباع في الإعراب مع عدم الملابسة والامتزاج، فمع وجوده أولى (^٢).