قال: الأصل في جواز الجزية من الكفار قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وأخذ النبيّ ﷺ الجزية من مجوس هَجَر ومن نصارى نَجْران، وأقرّهم على دينهم بها (^١)، فدلّ ذلك على جواز أخذها.
وقد طعن بعض الملحدة في ذلك، وقال: الكفر معصيةٌ، فكيف يجوز أخذ العوض على التمكين منه، ولئن جاز ذلك، فلم لا يجوز أخذ العوض عن التخلية بين الزاني والزنا، وكذلك سائر المعاصي.
وهذا ليس بصحيحٍ، والكلام مع قائله [فرعٌ على] (^٢) إثبات البارئ سبحانه، وإثبات حكمته وعدله وبعثه الرسل، فإذا ثبت ذلك، لزمنا متابعة ما أمر به.
ثم ما قاله غلطٌ، لأنّ الجزية ليست للتمكين من الكفر، وإنّما هي لترك القتل، وقد كان يجوز من طريق العقل أن يحظر علينا قتل الكفار، ولا نتعبّد بذلك، فكذلك يجوز أن (^٣) نتعبّد بتركه بعوضٍ نأخذه؛ ولأنّ القتل الواجب يجوز إسقاطه بعوضٍ كالقصاص.
وإذا ثبت جواز أخذ الجزية، فالكلام في تفصيل مَنْ يُؤْخَذ منه الجزية
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٨٧).
(٢) في أ (يمنع من)، والمثبت من ب.
(٣) (يجوز أن) سقطت من ب.
[ ٩ / ١٤٤ ]
و[مَنْ] لا يُؤخَذ، فنقول: إنّ أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية، وجب علينا قبولها منهم وترك قتلهم، وقد دلّ على ذلك نصّ القرآن، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وكذلك يجوز أخذها من المجوس؛ لما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما أصنع بالطائفة التي ليست من أهل الكتاب؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب" (^١)، وهذ لا خلاف فيه.
فأمّا عبدة الأوثان من العجم، فيجوز أخذ الجزية منهم، وقال الشافعي: لا يجوز (^٢).
لنا: أنّه يجوز [استرقاقهم] (^٣)، فجاز أخذ الجزية منهم كأهل الكتاب؛ ولأنّ تبقيتهم على الكفر لمّا جاز بأحد السببين (^٤) وهو الرقّ، جاز بالآخر وهو الجزية.
وأمّا عَبَدة الأوثان من العرب، فلا يجوز أخذ الجزية منهم؛ لأنّه لا يجوز استرقاق رجالهم، فلا يجوز إقرارهم بالجزية كالمرتدين؛ ولأنّهم بالغوا في أذية رسول الله ﷺ وتكذيبه وإخراجه من وطنه، فعوقبوا على ذلك، فلم يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام؛ ولهذا قال ﷺ يوم خيبر: "لو كان يجري على عربي رقٌّ،
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٧٨)؛ وقال ابن حجر في التلخيص: (هو منقطع، … ورواه ابن أبي عاصم في كتاب النكاح بسندٍ حسنٍ) (٣/ ١٧٢).
(٢) انظر: المزني ص ٢٢٧؛ رحمة الأمة ص ٢٥٣.
(٣) في أ (استرقاق رجالهم)، والمثبت من ب.
(٤) في ب (شيئين).
[ ٩ / ١٤٥ ]
لكان اليوم، وإنّما هو الإسلام أو السيف" (^١).
وأمّا الصابئة، فقد وضعت عليهم الجزية، ولم ينكر ذلك منكرٌ، وهم عبدة الأوثان؛ لأنّهم يعبدون الكواكب، وليس هم الصابئة الذين ذكرهم الله في القرآن.
وقال أبو حنيفة: يجوز مناكحتهم؛ لأنّ أولئك طائفةٌ من النصارى فنوا ولم يبق منهم أحدٌ، وتسمّى هؤلاء بهذا الاسم خوفًا من القتل، وقد أُخذت الجزية منهم؛ لأنّهم عبدة الأوثان من العجم (^٢).
وأمّا المرتدون، فلا يؤخذ منهم الجزية، إنّما هو الإسلام أو القتل، لقوله ﷺ: "من بدّل دينه فاقتلوه" (^٣)، وروي أنّ رجلًا قدم من مصر فقال له عمر: (هل من مغربة خبرٍ، فقال له: [نعم] رجلٌ ارتدّ مِنّا فقتلناه، فقال: لو ولِّيتُ منه شبه (^٤) ما ولِّيتُم لحبسته ثلاثة أيام أعرض عليه [الإسلام] كلِّ يومٍ، فإن أسلم وإلا قتلته) (^٥)، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلافٍ.