قال أبو الحسن: وإذا قال (^١) الرجل: إنّي اقتضيت (^٢) من فلانٍ ألف درهمٍ كانت لي عليه، وقبضتها، وقال المقَرّ له قد أخذت منّي [هذا] المال ولم يكن لك عليّ شيءٌ، فردّه عليّ! فإنّه يُجبَر على ردّه بعد أن يحلف ما كان لفلانٍ عليه شيءٌ.
وكذلك لو أقرّ أنّه قبض من فلانٍ ألف درهمٍ كانت له عنده وديعةً، وقال فلانٌ: بل هو مالٌ قبضتَه منّي، فإنّه يردّ المال عليه بعد أن يحلف [أنّه] ما استودعه؛ وذلك لأنّ الاقتضاء قبضٌ مضمونٌ، وكذلك القرض (^٣) يتعلّق به الضمان لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "على اليد ما أخذت حتى تردّه" (^٤)، وقد اعترف المقِرّ بالضمان وادّعى (^٥) السقوط؛ لأنّه زعم أنّه صار قصاصًا بحقٍّ له، فلا يُصدّق على ذلك؛ ولأنّ ما ظهر بإقرار المقِرّ [فهو] في حكم ما ظهر بالمشاهدة، ولو شاهدنا قبضه من غيره شيئًا، وزعم اقتضاءه من دينه أو قبضه من وديعةٍ، لم يقبل قوله، ولزمه الردّ، فكذلك هذا.
_________________
(١) في ب (أقر).
(٢) في ب (أنه اقتضى).
(٣) في ب (القبض).
(٤) رواه من حديث سمرة: أبو داود (٣٥٦١)؛ والترمذي (١٢٦٦) وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"، وابن ماجه (٢٤٠٠).
(٥) في ب (واقتضى).
[ ٨ / ٥٩٨ ]
ويُستحلَف المقَرّ له؛ لأنّ المقِرّ يدعي عليه حقًّا، فالقول قوله [مع] (^١) يمينه.
قال أبو حنيفة: لو أنّ رجلًا قال: أسكنت فلانًا بيتي هذا، ثم أخرجته، فادّعى الساكن في البيت أنّه له، فالقول قول صاحب البيت، وعلى الساكن البيّنة.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: القول قول الساكن بعدما يحلف ما أسكنه.
وقال أبو حنيفة: لو أقرّ (^٢) أنّ هذه الدابّة له أعارها فلانًا، ثم قبضها منه، وقال فلانٌ: بل هي دابّتي، فالقول قول الذي في يده الدابّة، مثل الأوّل.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: بل يردّ على الذي قبض منه.
لأبي حنيفة: وهو استحسانٌ أنّ المقِرّ أثبت اليد لنفسه، ثم أقرّ أنّه أوجبها لغيره، فلم يقِرّ للغير باليد على الإطلاق، وإنّما زعم أنّه الموجب لها، فكان القول قوله في كيفيتها؛ ولأنّ للناس ارتفاقًا بالعواري، فلو لم يقبل قول [المعاري] (^٣) فيما أعاره امتنع الناس من ذلك، فانقطعت منافعهم منه، (وهذا لا يصحّ.
وجه قولهما، وهو القياس: أنّه أقرّ بيد الساكن والراكب، ثم ادّعى ما يوجب استحقاقها) (^٤)، فلا يُعبَأ (^٥) بدعواه في ذلك؛ ولأنّ ما ظهر بإقراره كالظاهر بالمشاهدة، ولو رأينا الدار يسكنها فلانٌ، فأخذها المقِرّ منه، وزعم أنّه أعاره
_________________
(١) في أ (فيهم عن)، والمثبت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب
(٣) في ب (المقر).
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) في ب (يقبل).
[ ٨ / ٥٩٩ ]
إياها، لم يقبل قوله، فكذلك إذا أقرّ به.
قال: فإذا أقرّ أنّ فلانًا الخياط خاط [له قميصًا] (^١) بنصف درهمٍ، وقبض منه القميص، فقال الخياط: بل هو قميصي أَعَرْتَكَهُ، فالقول فيه مثل الأوّل، وكذلك الثوب يُسلَّم إلى الصَّبَّاغ، وهذا على الخلاف.
فأبو حنيفة يقول: إنّه أقرّ بأنّه الموجب لليد، فالقول قوله كيف أوجبها.
وهما يقولان: أقرّ باليد للخياط، فلا يقبل قوله في استحقاقها.
قال: فإن قال ربّ الثوب: خاط لي الخياط قميصي هذا بنصف درهمٍ، ولم يقل: قبضته منه، لم يردّ على الخياط [الثوب] في قولهم جميعًا (^٢)، وكذلك الصبّاغ؛ وذلك لأنّ قوله: خاطه لي، ليس باعترافٍ للخياط باليد؛ لجواز أن يخيط له في منزل ربّ الثوب، فلا تثبت يده عليه، فإذا لم يوجد الاعتراف باليد لم يردّ على الخياط في قولهما.
قال: وإذا كان الثوب معروفًا أنّه للمقِرّ، أو الدابّة (^٣)، أو الدار، فيقال: أَعَرْتَ فلانًا هذه الدار، وهذه [الدابّة]، وقبضتها منه، فالقول قول المقِرّ في قولهم؛ وذلك لأنّه إذا عُلِم أنّ الشيء على ملك المقِرّ، فثبوت يد غيره فيه لا يوجب استحقاقه، فبقي على حكم ملكه.
قال: وإذا أقرّ رجلٌ أنّ فلانًا ساكنٌ في هذا البيت والبيت لي، فادّعى فلانٌ
_________________
(١) في أ (قميصه) والمثبت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) (أو الدابة) سقطت من ب.
[ ٨ / ٦٠٠ ]
البيت، فإنّه يقضى [به] للساكن (^١) على المقرّ؛ وذلك لأنّ السكنى يدٌ وتصرّفٌ يُستَحَقِّ بهما (^٢) الملك في الظاهر، فإذا أقرّ بها لغيره ثم ادّعاها لنفسه لم يقبل.
قال: فإذا أقرّ أنّ فلانًا زرع هذه الأرض، أو بنى هذه الدار، أو غرس هذا الكَرْم، أو هذا البستان، وذلك كلّه في يد المقِرِّ، فادّعى الباني والزارع والغارس، الأرض والزرع والغرس والبناء، فقال المقِرّ: بل هو كُلّه لي، استعنت بك، ففعلت ذلك، أو فعلته بأجرٍ، فإن القول في هذا قول المقِرّ مع يمينه؛ وذلك لأنّ الغرس والبناء والزرع ليس بإقرارٍ باليد، لجواز أن ما يبني هو في يد غيره ويغرس، وإذا لم يعترف له باليد، لم يقبل قول المقَرّ له في استحقاقه.
قال ابن سَماعة في نوادره سمعت أبا يوسف قال: إذا قال الرجل: هذه الدابّة لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فإنه يردّها على الذي أقرّ بها له، ويدفع قيمتها إلى الذي دفعها إليه إذا أنكر أن يكون لفلانٍ المقرّ له.
وهذا في قياس قول أبي حنيفة: يدفعها إلى المقِرّ، ولا يدفعها إلى الذي زعم أنّه دفع إليه شيئًا، وكذلك إذا قال: هي لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع هذا، فإنّه يدفعها إلى فلانٍ، ولا يضمن لهذا الذي زعم أنّه رسولٌ شيئًا.
وفرّق أبو حنيفة بين الدابّة والشيء بعينه، وبين الدراهم وما يكون دينًا.
أمّا أبو يوسف، (فذهب إلى أن) (^٣) قوله: هذه الدابّة لفلانٍ، إقرارٌ [له] بالملك، [وقوله] (^٤) أرسل بها إليّ مع فلانٍ، إقرارٌ لفلانٍ بيدٍ في عينٍ أقرّ بها
_________________
(١) في ب (للثاني).
(٢) في ب (والتصرف يستحق به).
(٣) في ب (فقال).
(٤) في أ (يقول)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٦٠١ ]
للغير، فلا يُقبَل إقراره في ملك غيره، فإن كان دفعها إلى الأول بقضاءٍ، فلا ضمان عليه للثاني؛ لأنّه مؤتَمنٌ لم يفعل ما يقتضي الضمان، وإنّما الحاكم أزال يده، فلا شيء عليه.
فإن دفعها إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني قيمتها؛ لأنّه أقرّ بقبضها من الثاني، فقد أتلفها عليه بتسليمها إلى الأوّل، فصار كالوديعة إذا ضيّعها.
فأمّا ما ذكره من قياس قول أبي حنيفة، فإنّه بناه على قوله: هذه الدار لي أسكنتها فلانًا.
ووجه البناء: أنّه لمّا قال: هذه الدابّة لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فقد أثبت اليد للأوّل، وزعم أنّه أوجبها للثاني، فلم يقرّ بالثاني بيدٍ مطلقة، فلم يتعلّق بها الاستحقاق.
وقد ذكر مسألة العارية في الأصل في موضعين، قال في أحدهما: لا ضمان عليه للثاني؛ لأنّه زعم أنّه رسولٌ، وقد انتهت الرِّسالة بالتسليم، ولم يعترف له بحقّ الردّ، فلم يجب له (^١) شيء.
وقال في الموضع الآخر: [إن سلّمها] (^٢) إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني (^٣).
ووجهه ما قدّمناه، وأصحابنا يقولون: إنّ هذا أقيس.
_________________
(١) في ب (عليه).
(٢) في أ (أنه يسلمها) والمثبت من ب.
(٣) انظر: الأصل، ٨/ ٢٠٠.
[ ٨ / ٦٠٢ ]
فأمّا قوله: إنّ أبا حنيفة فرّق بين هذا وبين الدراهم وما يكون دينًا، فمعناه: أنّه إذا قال: لفلانٍ عليّ مائةٌ قبضتها من فلانٍ، فادّعاها كلّ واحدٍ منهما، لزمه لكلّ واحدٍ مائةٌ؛ لأنّه أقرّ للأوّل بدينٍ في الذمّة، وأقرّ للثاني بالقبض، فلزمه الأمران (^١).
وفي مسألتنا: أقرّ بالعين لفلانٍ، ثم زعم أنّه قبضها من غيره، والعين إذا استحقّها الأوّل لم ينفذ إقرار المقِرّ فيها.