الأصل في هذا الباب: أن الرجل يُقْبل إقراره بالوالدين والولد والزوجة والمولى، ولا يقبل إقراره لمن (^١) سواهم من الأقارب، ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى، ولا يقبل بالولد ولا بغيره من الأقارب، وقد بيّنا هذا في الدّعوى.
[وجملة هذا] (^٢): أنّ مَن أقرّ بنسبٍ يلزمه نفسه ولا يحمله على غيره، فإقراره مقبولٌ، كما يقبل إقراره على نفسه بسائر الحقوق، ومن أقرّ بنسبٍ يحمله على غيره، فإنّه لا يُقبل إقراره، كما لا يقبل إقراره على غيره بسائر الحقوق.
قال أبو الحسن: وإذا أقرّ الرجل في مرضه بأخٍ له من أبيه وأمّه، وليس له وارثٌ ولا مولًى ولا عصبةٌ إلا عمّةٌ أو خالةٌ، ثم هلك (^٣)، فإنّ الميراث للعمّة والخالة، ولا ميراث للأخ المقَرّ به؛ وذلك لأنّ نسب الأخ لا يثبت بإقرار أخيه، ألا تري أنّه يحمله على أبيه، وإذا لم يثبت النسب لم يتقدّم على العمّة والخالة مع ثبوتِ نسبهما.
فإن أقرّ بولدٍ فصدّقه في حياته أو بعد وفاته، فهذا جائزٌ، وهو ابنه ثابت
_________________
(١) في ب (في).
(٢) في أ (وجملته) والمثبت من ب.
(٣) (ثم هلك) سقطت من ب.
[ ٨ / ٦٣٩ ]
النسب منه؛ لما بيّنا أنّ إقراره بالابن معنًى يلزمه في نفسه ولا يحمله على غيره (^١)، فصار كسائر الحقوق، وأمّا اعتبار التصديق فلأنّ الابن في يد نفسه، فلا يُصدّق المقَرّ عليه إلا بتصديقه، كما لو أقرّ له بحقٍّ وقف على تصديقه.
وأمّا قوله: فصدّقه في حياته أو بعد وفاته، فإنّ الإقرار بالنسب يُعتبَر فيه تصديق المقَرّ له، [ويستوي] (^٢) فيه حال الحياة والموت؛ لأنّ النسب لا يبطل [بالموت]، فصار التصديق في الحالتين سواء.
(فأمّا الزوجة: فإنْ) (^٣) أقرّ الرجل [بزوجةٍ] ثم مات فصدّقته، جاز تصديقها؛ وذلك لأنّ حقوق النكاح باقيةٌ بعد الموت وهي في العدّة، فجاز التصديق كما يجوز في حال الحياة.
وأمّا إذا أقرّت المرأة بزوجٍ ثم ماتت، فصدّقها بعد موتها، لم يصحّ تصديقه عند أبي حنيفة، وقالا (^٤): تصديقه جائزٌ.
لأبي حنيفة: أنّ النكاح زال بالموت، وزالت حقوقه، فلم يجز التصديق مع فوات المعنى [المقرِّ به] (^٥)، كما لو أقرّ بعينٍ فهلكت، ثم صدّقه فيها.
وجه قولهما: أنّ الميراث ثابتٌ بعد الموت، وهو من أحكام النكاح، فجاز التصديق لبقاء هذا الحكم، كما يجوز التصديق لبقاء العدَّة.
_________________
(١) انظر: الأصل ٨/ ٣٨٩.
(٢) في أ (ويستوفي)، والمثبت من ب.
(٣) في ب (وأما إن أقرّ الرجل. . .).
(٤) في ب (وقال أبو يوسف ومحمد).
(٥) في أ (المقرب)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٤٠ ]
قال: وإذا حضر الرجل الموت وليس له وارثٌ ولا مولى ولا عَصَبةٌ، وأقرّ بأخٍ ثم مات، فإنّ ماله لأخيه، وهذا بمنزلة رجلٍ أوصى بجميع ماله لرجلٍ ثم هلك، وكذلك لو أقرّ بعمٍّ أو بخالٍ أو بابن ابنٍ، أو أقرّت المرأة بولدٍ ولا وارث لها ولا عَصَبة ولا مولًى، فإنّ جميع مالها للمقَرّ به؛ وذلك لأنّه لمّا لم يكن هاهنا مستحِقٌّ للإرث فتصرّفُ الميت في ماله جائزٌ مع عدم الوارث، ألا ترى أنّه لو أوصى بجميعه جاز، وإذا أقرّ بمن لا يثبت نسبه فقد أقرّ بأنّه جهة يصرف ماله [فيها]، فكأنّه أوصى [له] به.
وليس هذا كصريح الوصيّة؛ لأنّهم قالوا فيمن أقرّ بأخٍ ولا وارث له، ثم أوصى [لرجلٍ] (^١) بجميع ماله: إنّ للموصى له الثلث، وللأخ ما بقي، ولو كان الأخ يستحقّ بالوصية وجب قسمة المال بينهما، فكأنّه أوصى لكلّ واحدٍ منهما بجميع المال، فلمّا أعطوا الموصى له الثلث، دل على أنهم جعلوه في حكم الموصى له، بمعنى أنّه يستحقّ المال بقول المريض، وليس هناك سببٌ (^٢) ثابتٌ يستند الاستحقاق إليه.
قال: وإذا أسلم الرجل من أهل الذمّة، ووالى رجلًا وعاقره، ثم حضره الموت، فأقرّ بأخٍ أو ابن ابنٍ ثم مات، فإنّ ماله لمولاه، ولا شيء للمقَرّ به؛ وذلك لأنّ الولاء سببٌ ثابتٌ يتعلّق به الإرث، ولا يثبت للمقَرّ به حقٌّ مع وجوده.
وهذا يدلّ على أنّه ليس بوصيّةٍ في الحقيقة، إذ لو كان وصيةً لوجب أن يدفع إلى المقَرّ له الثلث، فلمّا لم يستحق الثلث، دلّ على أنّهم جعلوه في حكم
_________________
(١) في أ (له)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٢) في ب (نسب).
[ ٨ / ٦٤١ ]
الموصى له من وجهٍ دون وجهٍ.
قال: ولو كان مع هؤلاء عمّةٌ معروفةٌ مسلمةٌ أو خالةٌ، كان للموصى له بالمال ثلث المال، وما بقي للعمّة أو للخالة، ولا شيء للأخ المقَرّ به، ولا للمولى؛ لأنّ ذوي الأرحام يُقدّمون على مولى الموالاة، ويُقدّمون (^١) على الأخ] المقَرّ به؛ فلذلك كانت العمّة أولى.
قال: فإن حضر الرجل الموت ولا وارث له ولا عَصَبة ولا مولًى، وأوصى بماله كلّه لرجلٍ، وأقرّ بأخٍ من أبيه وأمّه، ثم مات، فإن الموصى له بالمال الثلث، وما بقي فللأخ؛ وذلك لأنّ الاستحقاق يتعلّق بقول الميت، فوجب أن يثبت الاستحقاق بمقتضى [قوله]، ومعلومٌ أنّه لو صدق في الإقرار كان للموصى له الثلث، وللأخ ما بقي، فلمّا تعلّق الاستحقاق بقوله، ترتّب على حسب ما اقتضاه قوله.
قال: وإذا أسلم رجلٌ، ووالاه رجلٌ وعاقده، ثم أوصى بماله كلّه لرجل، وأقرّ بأخ له من أبيه وأمه، ثم مات ولا وارث له، فإنّ للموصى له بالمال ثلث المال (^٢)، وما بقي للمولى، ولا شيء للأخ؛ وذلك لأنّ الولاء سببٌ ثابتٌ، والأخ ليس له نسبٌ ثابت، فسقط الأخ بالمولى، وبقي الموصى له، فكان له الثلث.
فإن كان هناك عمّةٌ معروفة النسب أو خالةٌ، كان للموصى له بالمال الثلث، وما بقي للعمّة أو للخالة؛ وذلك لأنّ الأخ ليس له نسبٌ ثابتٌ، فسقط حكمه
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في ب (الثلث).
[ ٨ / ٦٤٢ ]
بالعمّة المعروفة، وهي مُقدّمة على مولى الموالاة، والموصى له مقدّمٌ في الثلث على الورثة، فكان له الثلث، وما بقي للعمّة.
قال: ولو كان مكان مولى الموالاة مولى نعمةٍ، كان أولى من العمّة؛ لأنّ المعتِق عصبةٌ، والعمّة ذات رحمٍ، والعصبة مقدّمةٌ على ذوي الأرحام.
قال: وإذا أقرّ في مرضه بأخٍ من أبيه، أو بابن ابنٍ، أو بابن عمٍّ، أو بعمٍّ، وصدّقه المَقرّ به، ثم أنكر المريض بعد ذلك، وقال: ليس بيني وبينه قرابةٌ، ثم أوصى بماله كلّه لرجلٍ، ثم مات ولا وارث له ولا عَصَبة ولا مولًى، فإنّ المال كلّه للموصى له بجميع المال، ولا شيء للمقَرّ به؛ وذلك لأنّ المقَرّ به لمّا لم يثبت نسبه صار استحقاقه متعلّقًا بقول المريض، فهو كالموصى له، فيملك المريض الرجوع في حقّه، وإذا رجع بطل الإقرار به، ولم يبق إلا الوصية، فكان الموصى [له] أحقّ بالمال.
فإذا لم يكن أوصى بماله ومات وقد جحد ما أقرّ به، كان ماله لبيت المال؛ وذلك لأنّ الإقرار بطل بالرجوع على ما بيّنا، وليس هناك مستحِقٌّ للمال، فوجب وضعه في بيت المال (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: الأصل، ٨/ ٢٧٨ وما بعدها.
[ ٨ / ٦٤٣ ]