قال محمدٌ في المأذون الكبير: قال أبو حنيفة وأبو يوسف (^١) ومحمدٌ: إذا أذن الرجل لعبده في التجارة، ثم مرض العبد، فأقرّ بدينٍ في مرضه، أو وديعةٍ، أو عاريةٍ، أو مضاربةٍ، أو إجارةٍ، أو بغير ذلك من وجوه التجارات، ثم مات من مرضه ذلك ولا دين عليه في الصحّة، فإقراره بذلك جائزٌ، وهو بمنزلة الحرّ.
فإن كان الإقرار بدينٍ، بِيْعَ ما كان (^٢) في يده حتى يستوفي الغرماء [الدين] الذي لهم، فإن [بقي شيءٌ] (^٣) كان للمولى، وإن كان إقراره بوديعةٍ بغير عينها، أو بغصبٍ بغير عينه، أو بمضاربةٍ بغير عينها، فهو بمنزلة إقراره بالدين.
وإن كان أقرّ بشيءٍ من ذلك بعينه، فهو للمقَرّ له دون المولى؛ وذلك لأنّ حكم المأذون في تجارته حكم الحرّ، فإقراره معتبرٌ بإقرار الحرّ، ومعلومٌ أنّ الحرّ المريض إذا أقرّ بدينٍ أو بوديعةٍ أو غصبٍ ولا دين عليه في حال الصحّة [نفذ] (^٤) إقراره، فكان ذلك أولى من حقّ الورثة، وكذلك المأذون ينفذ إقراره، ويكون المقَرّ له أولى من مولاه.
قال: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، ثم مرضَ العبدُ وعليه دينٌ في
_________________
(١) (وأبو يوسف) سقطت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في أ (أقر بشيء)، والمثبت من ب.
(٤) في أ (بعد) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٣٢ ]
الصحّة، فأقرّ في مرضه بدينٍ أو بوديعةٍ بعينها أو بغير عينها، ثم مات العبد في مرضه ذلك، فإنّ القاضي يبيع ما في يديه، فيبدأ بدين الصحّة، فإن بقي شيءٌ كان للمقَرّ لهم في مرضه حتى يستوفوا حقهم، وإن بقي شيءٌ كان للمولى؛ وذلك لأنّ حكم المأذون مأخوذٌ من حكم الحرّ، ومعلومٌ أنّ الحرّ إذا أقرّ في مرضه بدينٍ، قُدّم دين الصحّة عليه، فكذلك المأذون.
وقد قال زفر: إنّ المأذون إذا أقرّ في مرضه [بدينٍ]، فذلك ودين الصحّة سواءٌ، لأنّه لا يطرأ عليه حجرٌ بمرضه، بل تصرّفه بعد المرض كتصرّفه في حال الصحّة.
وهذا فاسدٌ؛ لأنّ المرض لمّا أوجب الحجر في الجملة، لم يُعتَبر تغيّر الحال، ألا ترى أنّ المريض الحرّ إذا لم يكن له وارثٌ لم يتغير حاله (بالمرض؛ لأنّه لا يجوز أن يتصدّق بجميع ماله، [(فدين)] (^١) الصحّة يُقدّم في حقه، فكذلك حكم العبد وإن لم يتغير حاله) (^٢) من الوجه الذي ذكره.
قال: فلو كان [الغصب] (^٣) الذي أقرّ به العبد في مرضه أو الوديعة قائمة في يده، فعرفه الشهود بعينه، فصاحبه أحقّ به من غرماء الصحّة؛ لأنّ هذه العين لم يملكها العبد، فلا يتعلق حقّ غرمائه بها.
فإن كان ذلك لا يُعرَف إلا أنّ الشهود عاينوا قبض العبد لذلك، فإنّ القاضي يبيع ما في يد العبد، فيقسمه بين غرماء الصحّة وبين أصحاب الغصب والوديعة
_________________
(١) بياضٌ في أ بمقدار كلمة، وسقط من ب، ولعل الكلمة المناسبة المثبت. والله تعالى أعلم.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في أ (الغضب)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٣٣ ]
بالحصص؛ وذلك لأنّ هذا دينٌ (يُعلَم سببه، فهو كدين الصحّة.
قال: وكذلك كلّ دينٍ) (^١) لحق في مرضه من بيعٍ أو قرضٍ أو شراءٍ بمعاينة الشهود؛ لما بيّنا أنّ سببه معلومٌ، فلا يتّهم فيه.
قال: وإذا أقرّ العبد المريض بدين ألف درهم، ثم أقرّ بوديعة ألف درهم بعينها لرجلٍ، ثم مات العبد ولا مال في يده غير الوديعة التي أقرّ بها، (قسمت الألف بين الغرماء وبين أصحاب الوديعة) (^٢) [نصفين؛ لأنّه لمّا بدأ بالدين تعلّق بالوديعة]، فلم يملك الإقرار بها بعينها، وصار مستهلكًا لها بإقراره الأول، فكأنّه أقرّ بدينين.
وإن أقرّ بعد ذلك بدين ألف درهم، فكأنّ إقراره بالوديعة بيّن إقراره بالدينين، ثم مات العبد ولا مال في يده غير الألف الوديعة، فإنّها تُقسَم بين صاحب الدين وبين صاحب الوديعة بالحصص؛ لأنّه لمّا أقرّ بالدين قبل الوديعة صار مستهلكًا الوديعة، فكأنّه أقرّ بدينٍ ثم بدينٍ ثم بدينٍ (^٣)، فيتساوون فيها.
قال: وإن أقرّ بدين في صحّته ثم مرض، فأقرّ بدينٍ، ثم [اشترى عبدًا بألفٍ يساوي ألفًا، فقبضه بمعاينة الشهود، فمات في يده، ثم] مات المأذون في مرضه ولا مال له إلا الألف، فإنّ القاضي يقسم هذا المال (^٤) بين غرماء الصحة وبين البائع في المرض بالحصص، ولا يكون للمقَرّ له في المرض قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّ
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) (ثم بدين) سقطت من ب.
(٤) في ب (الألف).
[ ٨ / ٦٣٤ ]
البائع سبب حقّه معلومٌ، فهو كغرماء الصحّة، فيقدمان على دين المرض.
قال: ولو لم يكن على العبد دينٌ في الصحّة، كان بائع العبد أحقّ بالدين المقَرّ له في المرض؛ لأنّ سبب دينه معلومٌ، فهو أولى من المقَرّ له في المرض الذي لا يعلم سبب دينه إلا بقول المريض.
قال: ولو كان العبد مرض ولا دين عليه، فأقرّ بوديعة ألف درهم بعينها، ولا مال في يده غيرها، ثم اشترى عبدًا يساوي ألفًا بألفٍ، فقبضه بمعاينة الشهود، فمات العبد (^١) الذي اشترى في يد العبد المأذون له، ثم مات العبد المأذون له في مرضه ذلك، فإنّ الألف الذي كانت في يد العبد المأذون له للبائع، ولا شيء للذي أقرّ له العبد بالوديعة؛ وذلك لأنّ ثمن العبد بمنزلة دين الصحّة، والوديعة مقَرٌّ بها في حال المرض، فدين الصحّة أولى (^٢).
قال: وإذا مرض [العبد] المأذون وعليه دينٌ في الصحة [وله دين في الصحة] (^٣)، فأقرّ في مرضه باستيفائه ثم مات، فالقول قوله؛ وذلك لما بيّنا في الحُرِّ أنّ جواز الإقرار حقٌّ ثبت للغريم في حال الصحّة، فلا يسقط بمرض المقِرّ، وإن كان الدين (^٤) الذي لحق الغريم في مرض العبد من بيعٍ أو شراءٍ أو غير ذلك، فأقرّ العبد أنّه استوفاه ثم مات، لم يُصدّق على غرماء الصحّة؛ لأنّ هذا بدلٌ عمّا تعلّق به حقّهم، فلا يملك إسقاطه بإقراره.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) هنا في أ (أولى بها) بزيادة (بها)، وسقطت الزيادة من ب، والسياق لا يقتضيها.
(٣) ما بين القوسين ساقطة من ب.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٦٣٥ ]
فإن كان الدين الذي (على العبد لحقه في مرضه، ثم إنّ العبد أقرّ باستيفاء الدّين من غريم العبد، فإن كان الدين) (^١) على غريم العبد في صحته، جاز إقرار العبد؛ لما قدّمنا، وإن كان الدين لحق [الغريم] (^٢) في مرض العبد، لم يُصدّق العبد على قبضه من الغريم، ولكن الغريم يقسم ما كان عليه بين غرماء العبد [وبينه] (^٣)، يضرب غرماء العبد في ذلك بدَينهم، ويضرب الغريم الذي أقرّ له بالدين، [بالذي] أقرّ العبد بقبضه، فما أصاب الغريم بطل، وما أصاب الغرماء أخذوه من الغريم؛ وذلك لأنّ إقراره بالقبض إقرارٌ بدينٍ، ومن أقرّ بدينٍ في المرض وعليه دينٌ في المرض تساوى الدينان، فكذلك هذا.
قال: وإذا لحق المأذون دينٌ في صحّته لقومٍ شتّى، ثم مرض، فقضي بعض غرمائه دون بعضٍ، ثم مات من مرضه ذلك، فإن قضاءه باطلٌ، ويؤخذ من الغريم ما اقتضى، ويقسم بين غرمائه؛ وهذا لما قدّمنا في الحرّ إذا مرض فقضى بعض غرمائه دون بعضٍ، إلا أن [المأذون يفارق الحرّ من وجهٍ، وهو أنّ الحرّ إذا قضى بعض غرمائه في صحته جاز]، والمأذون إذا قضى بعض غرمائه في صحته لم يجز؛ لأنّ دين الحرّ الصحيح يتعلّق بذمته دون ماله، ولا يمنع من التصرّف بماله وديون العبد متعلّقةٌ برقبته وما في يده، فصار العبد الصحيح كالحرّ المريض.
قال: ولو كان المأذون اشترى في مرضه جاريةً بألفٍ تساوي ألفًا، فقبض الجارية، ثم نقد الدراهم، فماتت الجارية في يده، ثم مات العبد من مرضه ذلك، وعليه دينٌ كثيرٌ في الصحّة، كان البائع أحقّ بما اقتضى من جميع الغرماء.
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في أ (المريض)، والمثبت من ب.
(٣) في أ (وغيره)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٣٦ ]
وكذلك هذا في صحّة العبد؛ وذلك لما بيّنا في الحرّ؛ لأنّ حقّ الغرماء يتعلّق بمعنى المال، فإذا اشترى عينًا فقد نقل حقّهم من عينٍ إلى عينٍ، فلم يمكن الاعتراض عليه؛ لأنّه لم يبطل حقّهم المتعلّق بالمعنى (^١).
قال محمدٌ: ولو استأجر العبد أجيرًا في صحّته أو في مرضه، أو زوّجه مولاه امرأةً، فقضى العبد الأجير، وأعطى المرأة مهرها دون غرمائه، كان للغرماء أن يرجعوا على الأجير والمرأة حتى يحاصّوهم في جميع ما قبضوا (^٢)؛ وذلك لأنّ هذا الدين وإن عُلِم سببه، فليس هو في مقابلة عينٍ ينتقل حقّ الغرماء إليها، فأكثر أحواله أن يصير كدين الصحّة، ولا يملك أن يفرده بالقضاء.
قال: وإن أذن لعبده في التجارة، ثم مرض العبد ولا دين عليه، فباع واشترى واستأجر، فحابي ثم مات، فإنّ محاباته من جميع المال؛ وذلك لأنّ المولى قد أذن له في البيع المطلق، والمال مال [المولى] وهو صحيحٌ، فالمحاباة جائزةٌ في جميعه وإن كان العاقد مريضًا، كما لو باع الوكيل المريض في صحّة الموكِّل.
قال: ولو كان على العبد دينٌ، فمات في مرضه ذلك، وفي يد العبد وفاءٌ بالدين، أخذ الغرماء دينهم، وجازت المحاباة فيما بقي من المال.
وإن كان على العبد دينٌ يحيط بما في يده، قيل للمشتري: أدّ جميع المحاباة، وإلّا فاردد البيع؛ وذلك لأنّ الدين إذا لم يُحِط بالفضل (^٣)، فالمحاباة
_________________
(١) في ب (بالعين).
(٢) في ب (اقتضوا).
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٦٣٧ ]
فيما بعد الدين جائزةٌ، فكأنّه لم يملك إلا ذلك القدر، وإذا أحاط الدين بما في يده، فالمحاباة إسقاطٌ لحقّ الغرماء عما تعلّق حقّهم به، فلا يملك ذلك.
وإذا مرض العبد، فأدان رجلًا [دينًا] ألفًا من بيعٍ أو غيره، فأقرّ باستيفائه من الغريم، ثم أقرّ العبد بعد ذلك بدين ألف درهمٍ، ثم مات ولا مال له غير الدين الذي أقرّ بقبضه، فإقراره جائزٌ؛ وذلك لأنّه أقر بالاستيفاء ولا دين عليه، فنفذ إقراره، ولم يقبل بعد [ذلك] إقراره في حقّ الغريم الأول.
قال: ولو كان الدين الذي لحق العبد بعد الإقرار بالاستيفاء من شراءٍ أو بيعٍ أو إجارةٍ بمعاينة الشهود، بطل إقرار العبد بالاستيفاء من غريمه، وأخذ المال الذي كان للعبد على الغريم حتى يقضي غرماء العبد؛ وذلك لأنّ [هذا] الدين سَببٌ معلومٌ يجري مجرى دين الصحّة، فيُقدّم على إقراره بالاستيفاء في حال المرض، فكأنّه أقر بالاستيفاء بعد دين الصحّة (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: الأصل ٨/ ٣٧٣ وما بعدها.
[ ٨ / ٦٣٨ ]