قال: وإذا مرض الرجل وله على رجلٍ دينٌ وجب له عليه في صحّته، أو [كان] كاتب عبدًا في صحّته على ألف درهمٍ، ثم مرض فأقرّ باستيفائه، أو باستيفاء الكتابة، فهو مُصدّقٌ على ذلك، والغريم والمكاتب يبرآن، كان عليه دينٌ في المرض أو في الصحّة أو لم يكن؛ وذلك لأنّ جواز الإقرار بقبض ديون الصحة حقٌّ ثبت لمن عليه الدين بعقد المداينة، فلا يسقط ذلك الحق بمرض المريض، كما لا تسقط سائر الحقوق التي لزمته.
قال: فإن مرض وعليه دينٌ في الصحّة، فقطع رجلٌ يد المريض عمدًا، فصالح من ذلك على ألف درهمٍ، ثم أقرّ باستيفائها وليس له مالٌ غيرها، فهو مُصدّقٌ على قبضها، وإن كانت إنّما وجبت له في المرض.
وكذلك لو أنّ رجلًا أقرّ أنّه جرح [المريض] خطأً، فأقر المريض أنه استوفى [حصّة] أرشه، والجراحة كانت في المرض، فإنّه مُصدّقٌ على ذلك.
(أمّا ما وجب بجناية العمد، فهو بدلُّ عمّا لم تتعلّق به حقوق الغرماء، فيقبل إقرار المريض باستيفائه، كما يقبل في حال الصحّة) (^١).
وأما ما وجب بجناية الخطأ، فالسبب الموجب له لا تتعلّق حقوق الغرماء به، فهو كجناية العمد؛ ولأنّ المريض لم يثبت له هذا الحقّ إلا وهو دينٌ في
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٨ / ٦٢٦ ]
الذمّة، فتعلّق [به] حقّ الاستيفاء وهو دينٌ، فيقبل قول المريض في استيفائه، كدين الصحّة.
قال: وإن أقرّ رجلٌ للمريض أنّه قتل عبدًا له في مرضه خطأً، أو قطع يده، فلزمه نصف القيمة، فأقرّ المريض أنّه استوفى ذلك وعليه دينٌ في الصحة، فهو مُصدّقٌ؛ وذلك لأنّ الجناية على العبد وإن وجب لها بدلٌ عمّا تعلّق به حقّ الغرماء، فإنّ السبب ليس هو ممّا يتعلّق حقوق الغرماء به، فصار كالجناية على الحرّ.
وليس هذا كاستهلاك العبد؛ لأنّ الاستهلاك سببٌ للتمليك عندنا، فيصير كالبيع، وأمّا الجناية فليست من أسباب التمليك، فيصير كالجناية على الحرّ.
قال: ولو كان الجاني قتل العبد متعمدًا، فصالحه المريض على أقلّ من قيمته، فصلحه جائزٌ، فإن أقرّ المريض باستيفاء ذلك فهو مُصدّقٌ.
أمّا الصلح على أقلّ من القيمة؛ فلأنّ دم العمد ليس بمالٍ، فإذا صالح (^١) منه على أقلّ من القيمة، فلم يسقط حقّ الغرماء عن شيءٍ تعلّق حقّهم به، فيجوز، ويقبل قوله في استيفائه؛ لأنّ حقّ الغرماء لم يتعلّق بالأَرْش إلا وهو دينٌ.
قال: ولو تزوّج امرأةً فأقرّت في مرضها أنّها استوفت مهرها، ثم طلّقها قبل أن يدخل بها، ثم ماتت وعليها دينٌ في صحتها، ولم تَدَع غير الألف المهر الذي أقرّت باستيفائه، [وألف درهمٍ في يدها]، ولم يعلم ذلك إلا بقولها، فإنّ الألف بين غرمائها، ولا شيء للزوج منها، ولا شيء على الزوج من المهر.
_________________
(١) في ب (صولح).
[ ٨ / ٦٢٧ ]
قال: فإن قال: أريد أن أضرب مع الغرماء بنصف المهر، لم يجز، إنّما تُصدّق على الاستيفاء، ولا تُصدّق على ما في يدها.
وإنّما جاز إقرارها؛ لأنّه لمّا طلقها قبل الدخول صارت أجنبيةً، فإقرارها له كإقرارها باستيفاء دينٍ من أجنبيٍّ، وذلك الدين ليس ببدلٍ عن مال، فيقبل إقرارها باستيفائه كأَرْش، الجناية، ولا يُصدّق على إثبات المحاصّة للزوج مع الغرماء بنصف المهر؛ لأنّه إقرارٌ له بدينٍ لا يُعلَم إلا بقولها، فدين الصحّة مقدّمٌ عليه.
قال: ولو كان دخل بها وقد تزوّجها في مرضها، فأقرّت باستيفاء المهر، ثم طلّقها، فانقضت عدّتها قبل أن تموت [جاز]؛ وذلك لأنّ العدة لمّا انقضت، صار أجنبيًا، فيقبل إقرارها له.
قال: ولو لم تَنقَضِ عدتها حتى ماتت، وقد طلقها طلاقًا بائنًا، فأقرّت له باستيفاء المهر، فأصحاب دين الصحة أولى بمالها حتى يستوفوا حقوقهم، فإذا استوفوا نُظِر إلى ما بقي من مالها، فجعل للزوج منه الأقلّ ممّا أقرّت له [باستيفائه، وممّا يصيبه من الميراث؛ وذلك أنّها أقرّت له] بالاستيفاء مع بقاء حقوق النكاح، وهما متهمّان أن يكونا توصّلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فوجب أن يثبت مع ذلك ما لا تهمة فيه، ومعلومٌ أنّه لو لم يطلّقها لم يُقبَل إقرارها وورث، فإذا طلّقها استحقّ الأقلّ من الأمرين؛ لأنّه لا تهمة فيه (^١).
فإن كان الدين في الصحّة يأتي على جميع ما في يدها وعلى مهرها الذي أقرّت باستيفائه، رُجع على الزوج بجميع المهر، ولا تُصدّق على الاستيفاء؛
_________________
(١) انظر: الجامع الكبير ص ١٣١.
[ ٨ / ٦٢٨ ]
وذلك لأنّه لا ميراث له في هذه الحال لو لم يكن طلقها، ونحن إنّما نجعل له أقلّ من الميراث وما أقرّت به؛ لأنّه لا تهمة فيه، فإذا لم يكن له [إرثٌ] (^١)، لم يقبل [إقرارها] له مع التهمة (^٢).
قال محمدٌ في الجامع الكبير: في مريضٍ عليه دينٌ في الصحّة يحيط بماله، فأقرّ أنّ هذا العبد لغيره، لم يُصدّق، ولو باعه بمثل قيمته وسلّمه، ثم أقرّ باستيفاء الثمن، لم يُصدّق.
أمّا إقراره بالعبد لا يجوز؛ لأن حقّ غرماء الصحّة متعلّقٌ به.
وأمّا إقراره باستيفاء ثمنه فلا يجوز؛ لأنّ حقّ غرماء الصحّة تعلّق بالمبدل، وفي إقراره بالاستيفاء إسقاط حقّهم.
قال بشرٌ عن أبي يوسف: في مريضٍ أقرّ باستيفاء دينٍ كان له في الصحّة أو في المرض، فإنّ إقراره بالاقتضاء جائزٌ، والغريم بريءٌ وإن لم يعاين ذلك الشهود.
وهذه رواية شاذّةٌ، ووجهها: أنّ دين المريض لا يلحقه تهمةٌ [بالإقرار] باستيفائه، فصار كدين الصحّة؛ ولأنّه إسقاط حقٍّ، وليس بإقرارٍ بدينٍ، فيستوي فيه حال الصحّة والمرض كالطلاق والعفو عن دم العمد.
قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره (^٣): إذا باع المريض عبدًا بألف
_________________
(١) في أ (وارث)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٢) المرجع السابق ص ١٣٢.
(٣) في ب (النوادر).
[ ٨ / ٦٢٩ ]
[درهمٍ]، ثم أقرّ باستيفائها، فإنّه يُصدّق، ولا سبيل للورثة عليه، فإن أقرّ بدينٍ في مرضه بعد إقراره بالاستيفاء، فلا شيء للمقَرّ له بالدين؛ وذلك لأنّه لما أقرّ بالاستيفاء ولا دين عليه، صار كإقراره (^١) للمشتري بالدين، فينفذ إقراره؛ ولأنّه أقرّ بالاستيفاء، ولا حقّ يتعلّق بماله فصار كالصحيح، فإذا لزمه دينٌ بعد ذلك لم يؤثّر فيما صحّ الإقرار به، كما لو أقرّ بألفٍ أنّها وديعةٌ، ثمّ أقرّ بدينٍ.
قال: فإن بدأ بالإقرار بالدين في المرض، ثم أقرّ بالاستيفاء من المشتري في المرض (^٢)، فإنّهما يتحاصّان؛ وذلك لأنّ الإقرار بالاستيفاء يجري مجرى الإقرار بالدين، فكأنّه أقرّ في المرض بدينٍ ثم [بدينٍ] (^٣).
قال: وإن كان عليه دينٌ في الصحّة، لم يُصدّق، وتؤخذ الألف من المشتري، فتكون في الدين؛ وذلك لأنّ دين الصحة متعلّقٌ بالعبْدِ، فإذا أقرّ باستيفاء ثمنه، أسقط حقّ الغرماء عنه، فلا يُقبَل قوله (^٤).
وقال ابن سماعة في نوادره عن محمدٍ: فيمن أقرّ في مرضه أنّه باع عبده هذا من فلانٍ بألفٍ، وذلك قيمته، ولا مال له غيره، وقبض الثمن منه، فأنكر فلانٌ ذلك، وأراد قبض الألف الذي أقرّ به الميت، فله ذلك، ويباع العبد له في الألف حتى يدفع إليه؛ وذلك لأنّ المشتري لمّا أنكر الشراء لم يُصدّق المريض عليه، فبقى إقراره باستيفاء المال منه، فيلزمه ردّه.
_________________
(١) في ب (الإقرار).
(٢) (في المرض) سقطت من ب.
(٣) في أ (تبين) والمثبت من ب.
(٤) انظر: الجامع الكبير ص ١٣٣، ١٣٤.
[ ٨ / ٦٣٠ ]
قال: وإن صدّقه، والعبد عبده، فلا شيء عليه من الثمن؛ لأنّه لا دين عليه في الصحّة. وهذا صحيحٌ، لأّن البيع يثبت بتصادقهما، وإقراره مقبولٌ في استيفاء الثمن إذا لم يكن عليه دينٌ في الصحّة.
وإذا ثبت الاستيفاء استحقّ المشتري العبد ولا شيء عليه.
قال: ولو أنّ رجلًا استهلك للمريض ثوبًا في مرضه، فقال المريض: قد قبضتُ منه قيمته، لم يُصدّق على ذلك، فإن كان استهلك الثوب في صحة ربّ الثوب، ثم أقرّ ربّ (^١) الثوب أنّه قبض منه، جاز، بمنزلة إقراره بقبض دين الصحّة، وهذا محمولٌ على أنّ إقرار المريض باستيفاء دين الصحّة مقبولٌ، وإن حصل الدين في حال المرض، لم يقبل إقراره.
قال: ولو أنّ مريضًا قال في مرضه: قد كنت أبرأت فلانًا من الدَّيْن الذي عليه في صحتي، لم يجز؛ وذلك لأنّه لا يملك البراءة في الحال، فإذا أسندها إلى زمانٍ متقدّمٍ ولا يُعلَم ذلك إلا بقوله، حكمنا بوجودها في الحال، فكانت من الثلث.
وهذا كما قالوا في الزوج إذا أقرّ بطلاقٍ متقدّمٍ، فإنّا نحكم بوقوعه في الحال، فلا يُصدّق في تقدّم الطلاق، وليس كإقراره بالقبض؛ لأّن البراءة تبرّعٌ، فإذا حكمنا بوقوعها في ذلك المرض، كانت من الثلث.
وأمّا الإقرار بالقبض، فإقرارٌ بحقٍّ واجبٍ، فهو كالإقرار بالدين (^٢).
_________________
(١) في ب (صاحب).
(٢) انظر: الأصل، ٨/ ٢٧٣ وما بعدها.
[ ٨ / ٦٣١ ]