قال أبو الحسن: الأصل في هذا الباب: أن يُنظَر فيما أقرّ به المولى أنّه فعله بالعبد، أو أخذه منه: فإن كان لا يجوز أن يكون في حال الرقّ إلا للمولى، وهو مع ذلك مباحٌ له، فالقول قول المولى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وما كان من ذلك يجوز أن يكون لغير المولى في حال الرقّ، أو هو محظورٌ على المولى في حال الرقّ، فالقول قول العبد فيه، وهذا كلّه قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال زفر ومحمدٌ: القول قول المولى في ذلك كلّه، إلا أن يكون شيئًا قائمًا بعينه في يد المولى، فلا يُصدّق المولى، ويؤمر بردّه على العبد.
وما جُعِل فيه القول قول المولى أنّه فعله في حال الرقّ، فلا (^١) ضمان على المولى، وما كان القول فيه قول العبد أن المولى فعله في حال العتق، ضمنه المولى كما يضمن مال الحرّ والجناية عليه.
والذي يحصل في هذا: أنّ المولى إذا قال: أخذتُ من [عبدي] (^٢) في حال
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في أ (عندي)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٦١٣ ]
الرقّ كذا، وذلك الشيء قائمٌ في يده، وقال العبد: أخذته مني بعد العتق، فالقول قول العبد؛ وذلك لأنّ المولى يدّعي تملك العين وانتقالها من العبد إليه، فلا يقبل قوله في ذلك.
وأمّا إذا قال: أتلفتُ عليك مالًا وأنت عبدي، وقال العبد: [بل] أتلفتَه بعد الحريّة، فالقول في ذلك قول المولى في قولهم؛ لأنّ أكساب العبد للمولى لا حقّ لغيره فيها، فإذا زعم أنّه أخذها في حال الرقّ [لم يلزمه ضمانها، كما [إذا] قال: استخدمتك في حال الرقّ].
وأمّا إذا قال: وطئت أمتي في حال الرقّ، [وقالت: وطئتني بعد العتق، فالقول قول المولى؛ لأنّ الوطء لا يملكه منها في حال الرقّ إلا المولى، فصار معترفًا باستيفاء حقٍّ مأذونٍ في استيفائه، فلا يلزم به ضمانٌ، ولأنّ وطءَ الأمة في حال الرقّ] لا يجب به ضمانٌ، ووطئها بعد العتق قد يجب به ضمانٌ، وقد لا يجب (^١)؛ لأنّه إن وطئها على وجه الزنا فلا غرم عليه، وإن وطئها بشبهةٍ ضمن، فيغلّب سقوط الضمان، فلا يضمن، وهذا قولهم.
وأمّا إذا قال: قطعتُ يدكَ قبل العتق، وقال العبد: قطعتَها بعد العتق، فالقول قول العبد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ المولى أقرّ بفعلٍ هو جنايةٌ، ألا ترى أنّه لا يحلّ له قطع يد عبده، ثم ادّعى سقوط الضمان (بإضافة الجناية إلى حال الرقّ، فلا يقبل قوله؛ ولأنّه لا يملك قطع يد عبده، فقد أقرّ بفعلٍ لا يملكه، وادعى سقوط الضمان) (^٢) فيه لكونه مالكًا لحقوق العبد، فهو كما لو اعترف
_________________
(١) (وقد لا يجب) سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٨ / ٦١٤ ]
بجنايةٍ (^١) وادّعى العفو.
وقال زفر ومحمدٌ: القول قول المولى؛ لأنّه أضاف الإقرار إلى حالٍ متقدّمةٍ لا يجب فيها عليه الضمان، فصار كما لو قال: وطئتكِ قبل العتق، أو استهلكت كسبك.
قال: وإذا أقرّ المولى بعد العتق أنّه كان يأخذ من العبد ضريبةً في كلّ شهرٍ عشرة دراهم، وهي ضريبة مثله، أو كانت أمةً فأقرّ أنّه كان يطؤها في حال الرقّ قبل العتق، فالقول قول المولى، ولا ضمان عليه فيما أخذ من الغلّة، ولا عُقْر عليه في الوطء؛ وذلك لأنّ الضريبة لا يملك أخذها من العبد إلا المولى، فقد اعترف بفعلٍ ليس بجنايةٍ، وأضافها إلى حالةٍ معلومةٍ، فالقول قوله فيها.
قال: وإذا أسلم الحربيّ، أو صار ذمّيًّا، أو دخل إلينا بأمانٍ، فقال له رجلٌ مسلمٌ: قطعت يدكَ وأنتَ حربيٌّ في دار الحرب، أو أخذتُ منك ألفًا فاستهلكتُها، أو أخذتُ منك هذه الألف وأنتَ حربيٌّ، أو سبيتُ ابنكَ هذا (^٢)، أو أخذتُه منكَ في دار الحرب، وقال المسلم (^٣) أو الذميّ: بل فعلتَ ذلك بعدما أسلمتُ، أو صرتُ ذمّيًّا (^٤) في دار الإسلام، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك كلّه: القول قول الحربيّ، [ويضمن المستهلَك، ويردّ ما كان في يده.
وقال محمدٌ وزفر]: ولا يضمن شيئًا.
_________________
(١) في ب (بجنايته).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (المستأمن).
(٤) في ب (في ذمة).
[ ٨ / ٦١٥ ]
وجه قولهما: أنّ المقِرّ اعترف بالأخذ، وادّعى التمليك في حالةٍ لا يملك التمليك فيها، فلا يقبل قوله إلا ببيّنةٍ.
وجه قول زفر ومحمد: أنّه أضاف الإقرار إلى حالةٍ متيقّنةٍ لا يلزمه فيها الضمان، فصار كمن قال: أقررتُ [لك] وأنا صبيٌّ، أنّه لا يلزمه شيءٌ من الضمان.
[ ٨ / ٦١٦ ]