قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا، أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهم: الأنفال (^١) قبل إحراز الغنيمة، فإذا أُحرزَت الغنيمة وحصلت (^٢) في أيدي الغانمين فلا نَفَل.
قال محمدٌ في السِّيَر: وهذا إجماع أهل العراق، وأهل الحجاز، وقال غيرهم: يجوز النفل بغير إحراز الغنيمة، وإنّما يعني بهذا أهل الشام (^٣).
والأصل في جواز النفل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، والتحريض قد يكون بالنفل.
وروي أن النبي ﵊ نفل يوم بدر، وقال: "من قتل قتيلًا فله سلبه (^٤)، ومن أخذ أسيرًا فهو له" (^٥)؛ ولأنّ في ذلك مصلحةً للمسلمين؛ لأنّ الشجعان يرغبون
_________________
(١) الأنفال جمع النفل: وهو الزيادة، يقال: لهذا على هذا نفل، أي: زيادة، ومنه النافلة في الصلاة: ما شُرع زيادة على الفريضة والواجب، من "النَفَل: ما ينفله الغَازي، أي: يُعطاه زائدًا على سهمه، وهو أن يقول الإمام أو الأمير: مَن قتل قتيلًا فله سلبه". المغرب (غنم). والأنفال: الغنائم، كما قال محمد: "الأنفال: الغنائم في أصل الوضع". انظر: المغرب (نفل)؛ شرح السير الكبير ٢/ ٥٩٣.
(٢) في ب (وصارت).
(٣) انظر شرح السير الكبير ٢/ ٦٣٠.
(٤) "والسَّلَب: كل ما على الإنسان من اللباس فهو سَلَب". المغرب (سلب).
(٥) حديث: (من قتل قتيلًا فله سلبه) رواه البخاري (٢٩٧٣)؛ ومسلم (١٧٥١)، من حديث =
[ ٩ / ٥٧ ]
في النفل، فيخاطرون بأنفسهم، ويقدموا على القتال؛ فلذلك جاز.
ولهذا قلنا: إنه يجوز قبل الإحراز، ولا يجوز بعد الإحراز؛ لأنها ما لم تحرز ففي النفل حثٌّ على القتال، فإذا أحرزت زال هذا المعنى، فلم يجز النفل، ولأنّ الغانمين ما لم يحرزوا الغنيمة لم يستقر حقّهم فيها، فجاز للإمام أن ينفل منها، فإذا أحرزوها (تعلّق حقّ جماعتهم بها، فلم يجز أن يسقط حقّ بعضهم عنها.
قال محمدٌ: والذي روي أنّ النبي ﷺ) (^١) نَفَل بعد إحراز الغنيمة، فإنّما (كان ذلك من الخُمُس أو من الصَّفيّ أو ما أفاء الله به عليه، فغلط قوم، فظنّوا أنّ النفل يجوز بعد إحراز الغنيمة من جملتها.
وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ، إلا من الخمس (^٢).
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ بعد إحراز الغنيمة لا يجوز تصرّف الإمام إلا في الخمس، فيجوز أن ينفل المحتاج منه؛ لأنّه حقٌّ للمتحاجين، فأما النبي ﷺ فكان له بعد إحراز الغنيمة الصَّفِيّ (^٣)، وكان ينفل منه.
_________________
(١) = أبي قتادة ﵁، وأنّ ذلك في حنين وليس في بدر، وقد ذكر حديث بدر الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٤٣٠)، وقال: (قال الشيخ أبو الفتح اليعمري في سيرته عيون الأثر في باب قصة بدر: والمشهور في قوله ﵊: "من قتل قتيلا فله سلبه" إنما كان يوم حنين، وأما يوم بدر فوقع من رواية من لا يحتج به، ثم ساقه بسنده إلى محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح به سندًا ومتنًا، قال: والكلبي ضعيفٌ، وروايته عن أبي صالح عن ابن عباس مخصوصةٌ بمزيد ضعف).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) رواه عبد الرزاق (٥/ ١٩١)؛ وابن أبي شيبة (٧/ ٣٩١).
(٤) "الصَّفِيُّ: ما يصطفيه الرئيس من المغنم قبل القسمة، والصَّفِيَّة أيضًا، والجمع صفايا"، كما في =
[ ٩ / ٥٨ ]
وقد روي عن الزُّهريّ قال: كانت بنو النضير خاص النبي ﵊، فقسم ما بين المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا منها إلا سهل بن حنيف وسماك بن حرب أبو دجانة، فإنّهما كانا محتاجين فأعطاهما (^١)، وروي أنّ النبي أعطى يومئذٍ سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، نفله إياه (^٢).
وذكر هشام بن عروة عن أبيه: "أنّ النبي ﷺ أقطع الزبير عامرًا أو مَوَاتًا من أموال بني النضير" (^٣).
وقال الزهريّ: "أقطع النبي ﵇ أبا بكر وعمر وعبد الرحمن أموال بني النضير عامرةً (^٤)، وقد كانت بنو النضير للنبي ﷺ خاصة فيئًا ينفل منها، وليس ذلك لغيره؛ لأنّه حقٌّ له.
وقد قال أصحابنا: إنّ النفل يجوز في سائر الأموال، وقال مكحولٌ وأهل الشام: لا يجوز النفل في ذهبٍ ولا فضّةٍ.
وهذا غلطٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ولم يفصّل.
وروي: "أنّ البراء بن مالك بارز مرزبان، فقتله وأخذ سلبه، وكانت عليه
_________________
(١) = مختار الصحاح؛ وفي التعريفات: "الصَّفِي: هو شيء نفسي كان يصطفيه النبي ﷺ لنفسه، كسيف، أو فَرَس، أو أمة"، ومن حديث عائشة: "كانت صفية ﵂ من الصَّفي، كانت ممن اصطفاه النبي ﷺ من غنيمة خيبر". كما في النهاية (صفا).
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٤٧٢).
(٣) ذكره في شرح السير الكبير (٢/ ٩٥).
(٤) رواه البخاري (٢٩٨٢).
(٥) ذكره في شرح السير الكبير (٢/ ٩٥).
[ ٩ / ٥٩ ]
منطقة ذهب فيها جوهر، فقوِّم سلبه فبلغ ثلاثين ألفًا، فقال عمر بن الخطاب: إنّا كنّا لا نخمّس الأسلاب، وإن هذا بلغ مالًا عظيمًا، وإنّا آخذوا خمسه" (^١)، فدلّ على أنّ النفل يجوز في الذهب والفضة.
وروي: "أنّ النبي ﵊ نفل ابن مسعود يوم بدر سيف أبي جهل، وكان عليه فضة" (^٢)؛ ولأنّ الذهب والفضّة من جملة الغنيمة، فجاز النفل، كما يجوز في سائرها.
قال أبو الحسن: والنفل: أن يقول الإمام أو أمير الجيش: من قتل قتيلًا فله سَلَبه، أو: من أصاب شيئًا أو غلب عليه فهو له، أو يبعث بالسريّة فيقول لهم: ما أصبتم فلكم منه الربع، أو الخمس، أو الثلث، أو النصف، ويكون ذلك جائزًا، أو ما أصابت من شيءٍ فلها ما سمّي لها، ولا خمس عليهم فيما سمّي لهم، وما بقي ممّا لم يسمّ لهم فيه الخمس، وأربعة أخماسه لسائر أهل العسكر، ويشترك المنفلون فيه أيضًا، وهذا على ما قدّمنا أنّ النفل يجوز للتحريض، فإذا فعل قبل الإحراز وقع موقعه، فجاز.
فقد ذكر أقسام النفل، فمنها: استحقاق القاتل السَّلَب، ومنها: انفراد السريّة بجزءٍ مما يُصيبونه من جملة الخمس.
ومعنى قوله: لكم الربع بعد الخمس، أي: أنتم منفردون بالربع من جملة العسكر، يؤخذ منهم خمس ذلك.
وإذا قال: لهم الربع، ولم يقل بعد الخمس، لم يخمّس الربع، وصار النفل
_________________
(١) رواه أبو عوانة في المسند (٤/ ٢٤٣)؛ والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣١١).
(٢) رواه أبو داود (٢٧٢٢).
[ ٩ / ٦٠ ]
لهم بخمسه.
وعلى هذا قال أصحابنا في المسلمين إن قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سَلَبه، [لم يخمّس الأسلاب، وإن قال: من قتل قتيلًا فله سلبه] بعد الخمس، خمّس الأسلاب.
فأمّا قوله: إذا قال: لكم نصف ما أصبتموه أو جميعه، جاز.
وقد قال أصحابنا: إنّ الإمام لا ينبغي له أن ينفل جميع المأخوذ؛ لأنّ الغنيمة حقٌّ لقويّ العسكر وضعيفهم، فإذا نفل الجميع قطع حقّ الضعفاء منها (وأبطل السُّهمان التي جعلها الله في الغنيمة) (^١)، فلا ينبغي أن يفعل ذلك، وهذا على طريق الأَوْلى، فإن جعله مع السريّة، جاز وإن كان غيره أولى منه.
قال أبو حنيفة: وإن لم يقل الإمام شيئًا من ذلك، فقتل رجلٌ قتيلًا، أو أصاب شيئًا، فهو غنيمةٌ لجماعة الجيش، وقال الشافعي: السَّلَب للقاتل إذا قتل كافرًا مقبلًا غير مدبرٍ (^٢).
والدليل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فأضاف الأربعة الأخماس إلى الغانمين، والسَّلَب من جملتها؛ ولأنّه مالٌ للمقتول، فلا يستحقّه القاتل بغير إذن الإمام، كغير السَّلَب.
فأمّا ما روي أنّ النبي ﵊ قال: من قتل قتيلًا فله سلبه" (^٣)، فإنّما ذلك
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) انظر: الأم ص ١٦٢٧؛ المنهاج ص ٥٢٢.
(٣) البخاري (٢٩٧٣)؛ ومسلم (١٧٥١)، من حديث أبي قتادة ﵁.
[ ٩ / ٦١ ]
على وجه التحريض والحثّ على القتال، ألا ترى أنّ مخالفنا يضمن (^١) فيه إذا قتله مقبلًا، وذلك غير الظاهر، ونحن نحمله على حالٍ دون حالٍ، وذلك غير الظاهر.
قال مالكٌ: إنّ النبيّ ﵊ لم يقل: " [من قتل] قتيلًا فله سلبه" إلا يوم حنين، وقد ذكر محمدٌ أنّ النبي ﷺ قال ذلك يوم بدر.
فأمّا اشتراط الشافعي أن يقتل مقبلًا. فليس بصحيحٍ؛ لأنّ قول الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه، عامٌّ في الوجهين؛ ولأنّ الغرض بدفع السلب التحريض على القتال، والمقصود قتل المشرك (^٢) المقبل والمدبر.
وقد قال أصحابنا: إنّ السَّلَب إذا شُرط فهو دابّة المقتول وسَرْجها وما عليها من الآلة، وثياب المقتول وسِلاحه وما معه على الدابّة من مالٍ في خفيه أو على وسطه، فأمّا غير ذلك من ماله فليس بسَلَبٍ، وما كان مع غلامه على دابّةٍ أخرى فليس بسَلَبٍ.
وقالوا في المشتركين في القتل: إنّهما يشتركان في السَّلَب، فإن بدأ أحدهما فضرب، ثم أجهز الآخر، فهو على وجهين: إن كان الضرب الأوّل جعل المضروب بحيث لا يمكنه أن يقاتل ولا يعين بقولٍ، فالسَّلَب للأوّل؛ لأنّه في حكم المقتول له، وإن كان الضرب الأول لم يصيّره إلى هذه الحالة، فالسَّلَب للثاني.
وقد روي: "أنّ محمد بن مسلمة ضرب مَرْحبًا اليهودي، فقطع رجليه، وضرب عليٌّ عنقه، فقال محمد بن مسلمة: والله يا رسول الله لو أردت قتله قتلته،
_________________
(١) في ب (يضمر).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٦٢ ]
ولكنّي أردت أن أعذّبه كما عذّب أخي [ابن مسلمة] (^١)، فأعطى النبيّ ﵊ [سلبه] محمد بن مسلمة" (^٢)، قال محمدٌ: وهو عندنا محمولٌ على أنّ الضرب الأوّل جعله بحيث لا يقاتل ولا يعين على القتال.
قال محمدٌ: وقد روي أنّ النبي ﵇ أعطى سلب أبي جهل بن هشام عبد الله بن مسعودٍ (^٣)، وقد كان غيره ضربه ثم أجهز عليه ابن مسعود، وقد روي أنّ النبي ﷺ أعطى سلبه للضارب (^٤)، ولكلّ واحدٍ من هذه الروايتين إن صحّت وجهٌ.
إن كان أعطاه للضارب، فيجوز أن يكون الضرب أخرجه من حيّز المقاتلين، (وجعله كالميت) (^٥)، وإن كان أعطى سلبه ابن مسعود؛ فلأنّ الضرب الأوّل لم يخرجه من حيّز المقاتلين.
وأمّا قوله في النفل إذا شرط للسرية الربع (^٦): إنّ لها ذلك، وما بقي بينهم وبين الغانمين؛ فلأنّ المأخوذ غنيمةٌ، ومن حكم [الغنيمة] (^٧) أن يشترك فيها السريّة والعسكر، فإذا خصّ الإمام السرية بالنفل، استُثنِي ذلك، وبقي الباقي على حكم الأصل يشترك فيه الجميع.
_________________
(١) في أ (محمد بن مسلمة)، و(محمد) ليست في ب، والصواب أنّه ليس محمد بن مسلمة إذ أن محمدًا هو نفسه الضارب في هذه الرواية، وفي سنن البيهقي الكبرى (محمود بن مسلمة).
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (٦/ ٣٠٩)، بإسناد فيه الواقدي.
(٣) رواه أبو داود (٢٧٢٢).
(٤) رواه البخاري (٢٩٧٢)؛ ومسلم (١٧٥٢).
(٥) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٦) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٧) في أ (الغانمين)، والمثبت من ب.
[ ٩ / ٦٣ ]
قال: ولو خرجت سريّةٌ بغير إذن الإمام، أو خرجوا في طلب العلف بإذنه أو بغير إذنه، غير أنّ الإمام لم ينفلهم شيئًا ممّا أصابوا، فهو أسوةٌ (^١) بين الناس، يخمّسه الإمام ويقسم أربعة الأخماس بين الجند على ما يقسم عليه الغنيمة؛ وذلك لأنّ المأخوذ بظهر العسكر يشترك فيه الآخذ والعسكر، كما يأخذه من يسرع إلى دار الحرب.
قال: وإذا بعث الإمام سريّةً إلى دار الحرب، فقال: ما أصبتم من شيءٍ فلكم الربع بعد الخمس، أو قبل الخمس، فجاؤوا بغنيمةٍ فيها رجالٌ ونساءٌ وصبيانٌ وغير ذلك من الأموال، فقد ثبت حقّ السريّة فيما نفلوا من ذلك قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام، ولم يملكوا شيئًا منه - وسبيل ما ثبت لهم بالنفل (سبيل الغانمين فيما يثبت لهم) (^٢) - إذا خرجوا بالغنيمة إلى دار الإسلام.
وللإمام أن يفعل فيما أصاب السريّة ما له أن يفعل في الغنيمة (^٣) إذا خرجت إلى دار الإسلام، فيكون له أن يقتل الرجال ويسبي النساء والصبيان، وله أن يبيع الغنيمة كلّها ويعطي السريّة حقّها (^٤) الذي صار لها بالنفل من الثمن، وليس يمنع حقّ المنفلين من شيءٍ من ذلك، كما لا يمنع حقّ الغانمين [من شيءٍ من ذلك عند خروج الغنيمة إلى دار الإسلام.
وجملة هذا: أنّ حقّ الغانمين] يثبت في الغنيمة بالأخذ، ويستقّر بالحيازة إلى دار الإسلام، ويملك بالقسمة.
_________________
(١) في ب (سواء).
(٢) ما بين القوسين في ب (سبيل ما يثبت للغانمين).
(٣) (في الغنيمة) سقطت من ب.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٦٤ ]
وإنّما لم يستقرّ قبل الحيازة؛ لأنّ المَدَدَ لو لَحِقَهم شاركهم، وهذا يمنع من استقرار حقّهم، فإذا أخرجوا إلى دار الإسلام انقطع حقّ المَدَد، واستقرّ حقّهم، ولم يملكوا؛ وذلك لأنّ الإمام له تدبيرٌ في الغنيمة، يجوز أن يقتل المقاتلة، ويجوز أن يقرّهم على الكفر بالجزية، وأن يسترقّهم بحسب ما يرى من المصلحة [فيه]، وجواز التصرف يمنع من ملكهم.
ولهذا قال أصحابنا: إنّ من مات قبل الحيازة لم ينقل حقّه من الغنيمة إلى ورثته؛ لأنّه حقٌّ لم يستقرّ فلم يورث، فإذا خرجوا إلى دارنا استقرّ الحقّ وإن لم يملك، فمن مات منهم انتقل حقّه إلى ورثته.
فإذا حصلت القسمة زال تدبير الإمام، ولم يجز له التصرّف في شيءٍ من المقسوم، فملك كلّ واحدٍ منهم ما صار له (^١).
فأمّا النفل، فحكمه في دار الحرب حكم الغنيمة في دار الإسلام، وقد استقرّ حقّ المنفلين فيه؛ بدلالة أنّ المَدَدَ لو لحق لم يشتركوا في النفل، فصار حكم النفل في دار الحرب حكم الغنيمة في دار الإسلام، فمن مات من المنفلين في دار الحرب انتقل حقّه إلى ورثته، وليس يمنع أن لا يملك الغنيمة ويورث؛ لأنّ الحقوق الثابتة تنتقل إلى الورثة وإن لم يكن ملكًا، كالجناية المتعلّقة برقبة العبد الجاني، ينتقل إلى ورثة المجنيّ عليه وإن لم يملك رقبة العبد.
وإذا ثبت هذا، قلنا: إنّ انفراد المنفلين بمقدار النفل من الغنيمة كاستحقاق العسكر للغنيمة بعد الحيازة، فإذا جاز (^٢) للإمام في أحد الموضعين أن يقتل
_________________
(١) في ب (ما أصاب).
(٢) في ب (وإذا كان).
[ ٩ / ٦٥ ]
الأسرى، وجاز أن يسترقّهم، وجاز أن يقرّهم على كفرهم بالجزية، فكذلك له أن يفعل في النفل، وكما يجوز أن يبيع الغنيمة [في دار الإسلام ويقسم ثمنها وإن استقرّ حقّ الغانمين فيها، فكذلك له أن يبيع النفل] ويقسم الثمن بين المنفلين.
قال: ومن أعتق من السريّة عبدًا ممّا جاء به، لم يعتق بعتقه، وكذلك إذا كان له فيمن جاؤوا به ذو رَحِمٍ مَحْرمٍ، لم يعتق، وكذلك من أعتق من الغانمين بعد خروج الغنيمة إلى دار الإسلام، لم يعتق، وكذلك إن كان له ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ فيهم، لم يعتق عليه.
وذلك لما بيّنا أنّ الحقّ مستقرٌّ في النفل في دار الحرب، وفي الغنيمة بعد الإحراز، إلا أنّها لا تملك، والعتق يقع في الملك، فأمّا في الحقوق [فلا يقع] (^١) بدلالة أنّ حقّ المجنيّ عليه ثابتٌ في رقبة العبد الجاني، ولو أعتقه لم ينفذ عتقه؛ ولأنّ الإمام لمّا ملك أن يسقط حقّهم عن هذه الرقاب بالقتل أو بالإقرار على الجزية، على أنّهم لم يملكوها، فلا ينفذ عتقهم ولا يعتق عليهم ذوو أرحامهم.
ولهذا قال أصحابنا: إنّ من وطئ منهم جاريةٌ وادّعى ولدها لم يثبت نسبه؛ لأنّه لم يملكها، ولا له حقٌّ خاصٌّ فيها، فيسقط الحدّ عنه بالشبهة، ولم يثبت النسب.
قال: ولو أنّ العدو استنقذ من أيدي السريّة ما أخذوا، وعادوا به إلى مأمنهم، ثم ظهر المسلمون عليه، فأهل السرية أحقّ بما كانوا يستحقّونه بالنفل، يردّ عليهم، والباقي فَيْءٌ لجماعة الناس (^٢).
_________________
(١) في أ (يعتق)، والمثبت من ب.
(٢) في ب (المسلمين).
[ ٩ / ٦٦ ]
وكذلك العدو لو استنقذ الغنيمة بعد خروجها إلى دار الإسلام، ثم استنقذها قومٌ آخرون من المسلمين، كان الغانمون الأولون أحقّ بها من الغانمين.
قال: وجملة هذا: أنّ المسلمين إذا أخذوا غنيمةً فلم يحرزوها (حتى غلبهم العدو عليها، ثم جاء عسكرٌ آخر فأخذها من العدو، فهي للآخرين؛ لأنّ الأولين لم يملكوها) (^١) ولا استقَرّ حقّهم فيها، فإذا عادت إلى أيدي العدو ثم أخذها غيرهم كان أولى بها، ألا ترى أنّ الردّ إنّما (^٢) يجب على المالك الأوّل، أو على من ثبت له حقٌّ، فإذا لم يكن حقٌّ ولا ملكٌ، لم يجب الردّ.
فأمّا إذا أحرزت الغنائم فقد بيّنا أنّ حقّ الغانمين استقرّ فيها، فإذا غلبهم العدو عليها ثم استنقذها طائفةٌ من المسلمين وجب عليهم ردّها إلى الأولين، كما لو غلب العدو على عبدٍ مرهونٍ، ثم غلب المسلمون عليه، وجب ردّه إلى يد المرتهن.
وأمّا النفل إذا أُخِذ من المسلمين (^٣) في دار الحرب ثم غلب المسلمون عليه، فالواجب ردّه إلى السريّة؛ لما بيّنا أنّ حقهم مستقرٌّ فيه، فصاروا أولى به [من الغانمين] (^٤) بعد الإحراز، وهذا كلّه إذا وجد قبل القسمة.
فأمّا إذا وجد بعد القسمة فقد اختلفت الرواية (^٥) فيه: فقال في السير الكبير: الطائفة الأولى أولى به؛ وذلك لأنّ لهم حقًّا ثابتًا، والطائفة الثانية ملكت
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (السرية).
(٤) في أ (كالغانمين) والمثبت من ب.
(٥) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ٦٧ ]
بالقسمة، والملك يفسخ بالحقّ الثابت السابق، كما يستحقّ ملك المشتري بحقّ الشفيع؛ ولأنّ الطائفة الثانية لها تملّك، والطائفة الأولى لها يدٌ وتصرّف، واليد السابقة أحقّ بالملك، فكانت أولى.
وقال في الزيادات: إن وجدوا ذلك قبل القسمة كانوا أولى به، وإن وجدوه بعد القسمة، فلا حقّ لهم.
ووجه ذلك: أن الأوّلين كان لهم حقٌّ عام، والآخرين ملكٌ خاصٌ، فلم يجز أن يفسخ أقوى الأمرين بأضعفهما، وليس كذلك إذا وجد قبل القسمة؛ لأنّ الأوّلين كان لهم حقٌّ عامٌّ فتساوى الأمران، فكان الأوّل أقوى.
وقال في الأصل: لو كان الإمام نفل أصحابه، فقال: من أصاب شيئًا فهو له، فأصاب رجلٌ من المسلمين جاريةً، فاستبرأها بحيضةٍ، وهي في دار الحرب، لم يكن له أن يطأها في قول أبي حنيفة حتى يخرجها إلى دار الإسلام، وكذلك لا يبيعها.
وقال محمدٌ: له أن يطأها ويبيعها إذا أحبّ.
وجه قول أبي حنيفة: أنّها مملوكةٌ على وجه الغنيمة، فلم يجز وطؤها في دار الحرب، كجواري الغنيمة؛ ولأنّ دار الحرب يدٌ لهم، فوجود الاستبراء في حكم يدهم، كوجوده في المبيعة في يد البائع، فلا يعتدّ به.
وجه قول محمدٍ: ما قدّمنا أنّ النفل يختصّ به من هو له؛ بدلالة أنّ غيره لا يشركه فيه، فحلّ له الوطء، كما يحلّ في [الموهوبة] (^١).
_________________
(١) في أ (المرهونة) والمثبت من ب.
[ ٩ / ٦٨ ]
وقوله: يحلّ وطؤها، يعني: بعد الاستبراء، وليس هذا عنده كالسارق إذا دخل دار الحرب فأخذ جاريةً، لم يحلّ له وطؤها حتى يخرجها إلى دار الإسلام؛ لأنّ حقّه غير مستقرٍّ فيها، ألا ترى أنّ غيره لو لحقه شاركه فيها، وذكر بعد هذا صفة السَّلَب، وقد قدّمناه (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل، ٧/ ٤٦٠ وما بعدها؛ شرح السير الكبير ٢/ ٥٩٣ - ٦٠٦.
[ ٩ / ٦٩ ]