وإذا أقرّ الرجل أن لفلانٍ عليّ ألف [درهمٍ]، وذكر عددًا أقل من ذلك أو أكثر، فإنّه على ما يتعارفه أهل البلد من الأوزان.
فإن ادّعى المقِرّ أقلّ من ذلك الوزن، لم يُصدّق، فإن أقر بذلك بالكوفة فعليه وزن سبعة، ولا يُصدّق على النقصان إذا لم يبيّن وزنها مع كلامٍ موصولٍ، وذلك لأنّ الدراهم اسمٌ للوزن، ألا ترى أنّ الدرهم موزون، وجملة الموزون موزونٌ (^١)، والوزن يرجع فيه إلى غالب وزن البلد؛ لأنّه هو المعتاد الذي ينصرف إليه الإطلاق، كما يعتبر الغالب من نقد البلد في إطلاق العقود.
فأمّا بالكوفة فوزنهم وزن سبعةٍ، ولا يُصدّق المقِرّ في أقل من ذلك، ومعنى قوله وزن سبعةٍ أي: كلّ عشرةٍ منها وزن سبعة مثاقيل، وكلّ درهمٍ وزن أربعة عشر قيراطًا، وهذا هو الوزن الشرعي الذي يتعلّق به نصاب الزكاة ونصاب السرقة؛ وذلك لأنّ الدراهم كانت مختلفةً، منها ما وزنه مثقال عشرون قيراطًا، ومنها ما وزنه اثنا عشر قيراطًا، ومنها ما وزنه عشرة قراريط، وكان الناس إذا تبايعوا اختلفوا، فاستشار عمر ﵁ الصحابة ﵃ في ذلك، فأشاروا عليه أن يجعل الدرهم الوسط من ذلك، فجمع (^٢) ثلاثةً منها من كل نوع درهمٍ، فكان اثنين
_________________
(١) في ب (مثله).
(٢) في ب (فجعل).
[ ٨ / ٥٧٢ ]
وأربعين قيراطًا، فجعلها بثلاثة دراهم متساوية (^١)، واستقرّت أحكام الشريعة على ذلك.
فالوزن إذا أطلق حمل عليها، إلا أن يكون في بلدٍ غالب وزنهم أقل من سبعةٍ، فيحمل عليه.
قال: فإن كان في بلادٍ يتبايعون فيها على دراهم معروفة الوزن فيما [بينهم] ينقص من وزن سبعةٍ، فالقول قول المقِرّ، فإن أراد أن ينقص من قدر وزن ذلك البلد لم يُصدَّق؛ وذلك لما بيّنا أنّ الوزن ينصرف إلى المعتاد في المصر الذي وجد (^٢) فيه الإقرار، وإذا اعتادوا وزنًا ناقصًا حُمِل الإقرار عليه، فإن كان في بلدٍ أوزانهم مختلفةٌ، فهو على أقلّها؛ وذلك لأنّ العادة في الوزن إذا اختلفت ولم يغلب بعض الأوزان على بعضٍ تساوت، والأقلّ متيقّنٌ دخوله تحت الإقرار، وما زاد عليه مشكوكٌ فيه، فلا يُسْتَحقّ.
قال: ولو أقرّ بضربٍ من الدراهم، فقال له علي مائة درهمٍ أصبهبدية (^٣) عددًا، ثم قال بعد ذلك: إنما عنيت (هذه الصغار) (^٤)، فإنما عليه وزن سبعةٍ؛ لما بينا أنّ الدراهم اسمٌ للوزن، فكأنه ذكر الوزن وضم العدد إليه، فلا يتعلّق بذكر العدد [حكمٌ].
_________________
(١) ذكر حادثة الدرهم العربي هذه: ابن الأثير الجزري في الكامل في التاريخ (٤/ ١٦٧)، والبلاذري في فتوح البلدان (٤٥١)، لكن الرواية عندهما ليس فيها أنّ عمر من أمر بذلك، وعند ابن الأثير في الكامل أن ذلك كان في عهد عبد الملك بن مروان.
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في المبسوط (١٨/ ٥): (أسبهبدية)، قال السرخسي: (الأسبهبدية فارسيةٌ معربةٌ، معناه أسبه سالادية، والصغار هو الذي تسميه الناس مهرًا، تكون ستة منه بوزن درهم).
(٤) في ب (المعتاد).
[ ٨ / ٥٧٣ ]
والأصبهبدية: بيان نوعٍ، كقوله: سودٌ (^١)، فلا [يتغير] (^٢) حكم الوزن بها.
وقال أبو حنيفة: لو أقرّ [أنّ] عليه مائة درهم سوداء [كبار] (^٣)، ثم قال بعد ذلك: هي عليّ وزن سبعةٍ، وقال الطالب: هي مائةُ مثاقيل، فالقول قول المقرِّ مع يمينه.
قال محمدٌ: الدراهم عندنا في بلادنا [كلّها] على وزن سبعةٍ، لا ينقص ولا يزيد، إلا أن يبيّن زيادةً تُعرَف أو نقصانًا يُعرف في الوزن موصولًا؛ وذلك لأنّ السود بيانٌ للجنس، والدراهم [اسمٌ للوزن، فلا يتغيّر حكم الوزن بذكر الجنس]، فأمّا إذا ذكر المقِرّ زيادةً على ذلك، فقد فسّر أكثر ممّا يقتضيه الظاهر، فيقبل قوله، وإن فسّر أقلّ من ذلك موصولًا صُدّق، وصار بذلك كالاستثناء من الجملة.
فإن قال: لفلانٍ عليّ مائة درهمٍ مثاقيل، كان عليه ما قال؛ لأنّه بيّن قدرًا (^٤) زائدًا، فإن قال: [له] عليّ مائةٌ وزن خمسةٍ، فهو كما قال؛ لأنّه بيّن النقصان ووصله بكلامه، فصار كالاستثناء المتّصل، فإن قال له عليّ درهمٌ وزنه نصف درهمٍ، فهو مُصدّقٌ إذا وصل، وإذا لم يصل وسمّى درهمًا فهو وزن سبعةٍ؛ وذلك لأنّه إذا وصل فقد عدل عن إطلاق الكلام بلفظٍ متصلٍ، فصار كالاستثناء، وإذا قطع استقرّ الوزن عليه، فلا يُصدّق في النقصان فيه.
فإن قال: عليّ دريهمٌ أو دنينيرٌ، فعليه درهمٌ تامٌّ، ودينارٌ تامٌّ (^٥)، وذلك لأنّ
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في أ (يعتد) والمثبت من ب.
(٣) في أ (جاز)، والمثبت من ب.
(٤) في ب (وزنًا).
(٥) (ودينار تام) سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٧٤ ]
التصغير قد يذكر لحجم (^١) الدينار، وقد يذكر عن طريق الاستقلال له، فلم يجز أن ينقص من الوزن الذي اقتضاه الظاهر (^٢) بالاحتمال.
وقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجل قال: لفلانٍ عليّ شيءٌ من دراهم أو شيءٌ من الدراهم، قال عليه ثلاثة دراهم؛ وذلك لأنّ قوله: "شيءٌ" إقرارٌ مبهمٌ، وقوله: "من الدراهم" تمييزٌ لما أقرّ به، وأقلّ اسم الدراهم يتناول (^٣) ثلاثةً، فيحمل عليها.
قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: وإذا قال: لفلانٍ علي دراهم [كثيرةٌ، أجعل عليه عشرة دراهم]؛ وذلك لأنّ الدراهم اسمٌ يتناول [الجمع]، أقلّه ثلاثةٌ، وأكثره عشرةٌ، وما زاد على ذلك من العدد لا يفسر بدراهم، فصار أكثر ما يتناوله الاسم عشرة، فحمل اللفظ عليها.
ولم يذكر قولهما: وقيل (^٤) قالا في هذه المسألة: إنّه يلزم المقِرّ مائتا درهمٍ، أدنى ما يجب فيه الزكاة من النوع الذي أقرّ به؛ لأنّ النصاب في حكم الكثير، ألا ترى أنّ الإنسان يخرج به من حيّز الفقر إلى حيّز الغنى (^٥).
وقال أبو يوسف: إذا قال: له عليّ مالٌ كثيرٌ أو عظيمٌ، فعليه مائتا درهمٍ، وإن قال: أموالٌ عظامٌ، فإنّي أجعلها ستمائة؛ لأنّ النصاب مستعظمٌ في الشرع حين خرج به الإنسان من الفقر إلى الغنى، فحُمِل الإقرار عليه، ولم يُصدّق في
_________________
(١) في ب (جملة).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) في ب (وقد).
(٥) في ب (من حيز الفقراء إلى حيز الأغنياء).
[ ٨ / ٥٧٥ ]
النقصان عنه.
فإذا قال: أموالٌ عظامٌ، فهو جمع للمال، فيحمل على ثلاثة أموال، ولم يذكر في الأصل قول أبي حنيفة في هذا [الفصل] (^١)، فمن أصحابنا من قال: [إنّ] قوله مثل قولهما، ومنهم من حمله على العشرة وجعله كدراهم كثيرةٍ، ومنهم من قال: أعتبر فيه حال المقِرّ وما يستعظمه مثله في العادة.
وقد قال الشافعي: إنّ المرجع في ذلك إلى بيانه، [وألغى] (^٢) الصفة (^٣). وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ المفهوم من قولنا: "مالٌ عظيمٌ"، أكثر ممّا يفهم من قولنا: "مالٌ"، ولا يجوز إلغاء اللفظ مع إمكان حمله على وجهٍ صحيح.
قال: ولو قال: غصبت إبلًا كثيرةً، جعلت عليه خمسًا وعشرين إبلًا (^٤)؛ وذلك لأنّ الكثير عنده هو النصاب، ونصاب الإبل المستكثرة هو ما يجب فيه الزكاة من جنسها، فأمّا الخمسة وإن كان نصابًا فلم تُجعَل في حدّ الكثير؛ فلذلك يوجب [الغنم] (^٥).
قال: فإن قال: له علي حنطةٌ كثيرةٌ، فإنّي أجعل عليه خمسة أوسق، والوَسْقُ ستون صاعًا، وهذا على أصلهما: أنّ النصاب في الخارج من الأرض يتقدّر بالأوسق، فيُحمل العليه، كما يحمل على النصاب في بقية الأموال.
_________________
(١) في أ (الأصل)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٢) في أ (فالغني) والمثبت من ب.
(٣) وقال الشافعي: " … فالقول قوله مع يمينه". الأم ص ٦١٢.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٥) في أ (النعم) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٧٦ ]
فأما على قول أبي حنيفة: فلا نصاب للحنطة، فيرجع في ذلك إلى بيان المقِرّ، إلا أنّه لا بدّ من أن يبيّن زيادةً على ما يقبل بيانه فيه لو قال: عليّ حنطةٌ، حتى لا يلغي الصفة.
فقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره فيمن قال: لفلانٍ علي ألف درهمٍ طبرية، أو درهمٍ طبريٍّ: فإن قال هذه المقالة ببغداد، فعليه ألف درهم وزن سبعةٍ من الطبريّة، ولو قال عليه ألف درهم مروزيّةٌ، فقال هذا ببغداد، كان عليه دراهم بوزن بغداد مروزيَّةٌ؛ [وذلك] لأنّ الدراهم اسمٌ للوزن، وذِكْر الطبرية والمروزيّة بيانٌ للصفة، فلا يغيّر حكم الوزن.
ولو قال ببغداد: له عليّ كُرّ حنطةٍ (^١) موصليٌّ، كان عليه موصليّةٌ (^٢) بكُرّ بغداد.
ولو قال بالموصل: له عليّ كُرّ حنطةٍ سواديٌّ، فعليه كُرّ حنطةٍ سواديٌّ بكيل الموصل؛ لأنّ الكُرّ اسمٌ للكيل، فإذا ضم إليه الموصل والسوادي، فهو بيانٌ للصفة، فلا يغيّر حكم الكيل عن ظاهره.
وقال ابن سَمَاعة في موضعٍ آخر في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال: لفلانٍ عليّ درهمٌ طبريٌّ، فعليه درهمٌ وزنٌ من الطبرية، فكذلك لو قال: عليه أو [سنديّةٌ، أو نَجيَّةٌ) (^٣)، إنما هذه أجناسٌ، فهو على ما سمّى من الجنس وزن سبعةٍ، وهذا على ما قدّمنا.
_________________
(١) الكُرُّ بالصاع = ٧٢٠ = ٢٣٤٨.٢٨٠ غرامًا لدى الحنفية = ١٥٦٣.٨٤٠ غرامًا عند الجمهور. والتقدير فيه خلاف لدى أهل التقدير. معجم لغة الفقهاء (المقادير).
(٢) في ب (حنطة الموصل).
(٣) في أ (سيبية أو نحسية) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٧٧ ]
ولو قال: لفلانٍ عليّ دينارٌ شاميٌّ، أو كوفيٌّ، أو دينار مثقال (^١)، والدينار مخالفٌ للدرهم في هذا، إنّما ينسب الدينار إلى الوزن، وليس إلى الجنس، ألا تري أنّ نقصان الدينار وضيعةٌ فيه ليس على النقصان، ولكنّه لا يجوز كما يجوز الدينار الوازن، إنّما يجوز كما يجوز التبر، وله وضيعةٌ لنقصانه، ليس نقصان الوزن، ولكنّه نقصانٌ، لأنه لا يجوز مكانه دينارٌ وازنٌ، ألا ترى أنّ رجلًا لو كان له على رجل دينارٌ فأعطاه دينارين صغيرين (يكونان دينارا، فإنّا لم نجبر على قبض ذلك، فأمّا الدراهم فإنّي أجيز درهمين صغيرين) (^٢) وزنهما درهمٌ بدرهمٍ، فكأنه أشار إلى [أنّ] الدينار الشاميّ والمثقال ينصرف الإقرار فيه إلى الوزن والعدد، فلا يجوز أن يعطي دينارين صغيرين، وهذا على عادةٍ عرفها: أن الدينار النّاقص الوزن ينقص ثمنه، لا لنقصان وزنه خاصّةً (^٣)؛ ولكن لأنّ نقصان الوزن معه نقصان الصفة، فيعتبر الوزن والعدد.
فأمّا الدراهم فلم يكن نقصان الوزن فيها وضيعةً، فاعتبر الوزن خاصّةً دون العدد (^٤).
_________________
(١) في ب (فقال).
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) انظر: الأصل، ٨/ ٢٠٤ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٧٨ ]