قال في الأصل: قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل بألف درهم وزن سبعةٍ قرضًا، أو [من] ثمن بيعٍ، ثم قال بعد ذلك: هي زيوفٌ، أو بَهْرَجةٌ، فإنّه لا يُصدّق، وهي جيادٌ على ما يتبايع الناس [ويتقارضون] (^١)، وكذلك لو وصل بنطقه لم يُصدّق على ذلك في قول أبي حنيفة، (وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن وصل صُدّق، وإن قطع لم يُصدّق.
أما البيع، فوجه قول أبي حنيفة) (^٢): أنّ العقد يقتضي صحّة المعقود عليه، فلا يقبل قوله في استحقاق المبيع (^٣)، كما لو قال: بعتك هذا العبد على أنّه معيبٌ، لم يُصدّق على ذلك وإن وصل.
وجه قولهما: أنّه لما وَصَلَ ذلك بإقراره فقد التزم ثمنًا (^٤) بصفةٍ، فهو كما لو قال: ألفٌ سود مِن ثمن مبيعٍ.
فأمّا القرض فعنه روايتان: جعله في هذه الرواية كالبيع؛ لأنّه معاوضةٌ وتمليك الشيء بمثله، فهو كالبيع، وقال في الرواية الأخرى: يُقبَل قوله إذا وصل؛ لأنّ
_________________
(١) في أ (يتعارفون)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة إذ الكلام عن البيع والقرض، وهكذا في الأصل، ٨/ ٢١٤.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في ب (العيب).
(٤) في ب (مالًا).
[ ٨ / ٥٧٩ ]
القرض يتمّ بالقبض، فهو كالغصب، ولو قال: غصبته ألفًا زيوفًا، كان القول قوله، كذلك القرض.
قال: ولو أقرّ أنّه غصبه ألف درهمٍ، ثم قال بعد ذلك: هي بهرجةٌ أو زيوفٌ، كان كما قال، وَصَلَ أو قَطَعَ (^١)، وكذلك لو قال: له ألف عندي درهمٍ وديعةً، ثم قال بعد ذلك، هي بهرجةٌ أو زيوفٌ، كان كما قال، وصل أو قطع؛ لأنّ الوديعة والغصب إيقاع فعلٍ في عينٍ لا يقتضي صحّة العين، فالقول قوله فيما وقع عليه الغصب، ألا ترى أنّه لو قال: غصبته عبدًا، أو أودعته (^٢) عبدًا، ثم جاء بعبدٍ معيبٍ صُدّق، كذلك العيب في الدراهم.
[قال]: فإن قال: له عليّ ألف درهمٍ، ولم ينسب ذلك إلى بيعٍ ولا قرضٍ، ثم قال: هي زيوفٌ، لم يُصدّق إن قطع الكلام، وإن وصل صُدّق في قول أبي يوسف ومحمدٍ.
وهذا الأصل (^٣) لا خلاف فيه؛ لأنّه لم ينسب ذلك إلى عقدٍ يقتضي صحّة المعقود عليه، فإن وصل بكلامه الزيوف (لزمه على ما أقرّ به، فإن قطع فقد ثبت الحقّ في ذمّته، وإطلاق الدراهم يقتضي الجياد) (^٤)، فإذا فسّر بالزيوف منقطعًا (^٥) فقد عدل عن ظاهر كلامه، فلا يُصدّق.
وأمّا إذا قال: أودعني ألف درهمٍ، قال: هي رصاصٌ، أو سَتُّوقةٌ (^٦)، فإن
_________________
(١) (وصل أو قطع) سقطت من ب.
(٢) في ب (أودعتني).
(٣) في ب (الفصل).
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٥) في ب (بكلام منقطع).
(٦) أي زيفٌ بهرجٌ. انظر مختار الصحاح (ستق).
[ ٨ / ٥٨٠ ]
وصل الكلام صُدّق، وإن قطع لم يُصدّق؛ لأن الستُّوقَة ليست من جنس الدراهم، فإذا قطع لزمته الدراهم، فلا يُصدّق في بيان ما ليس من جنسها، وأمّا إذا وصل فقد عدل عن ظاهر كلامه بلفظٍ متصلٍ، فيصير كعدوله عن العدد بالاستثناء.
قال بشرٌ عن أبي يوسف: في رجلٍ (^١) قال: غصبتك ألف درهم زيوفًا، فإنّ أبا حنيفة قال: أصدّقه، وقال أبو يوسف: إن قطع ما بين الزيوف والألف بكلامٍ، لم أصدقه، وهذا خلاف الرواية الأولى.
والظاهر: أنه يُصدّق في الوجهين؛ لأنّ الغصب لا يقتضي صحّة المغصوب، فالقول قوله قطع أو وصل.
ووجه هذه الرواية (^٢): أنّ إطلاق الدراهم يقتضي الجياد، والغصب يثبت في الذمّة، فإذا استقرّ الإقرار بالسكوت لم يُصدَّق في بيان ما لا يقتضيه الظاهر.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أودَعَني ألف درهمٍ، أو أعطاني ألف درهمٍ، ثم جاء بها زيوفًا أو بهرجةً، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يصل ذلك بالكلام الأوّل، وكذلك قال أبو يوسف.
أمّا أبو حنيفة فمضى على الظاهر: أنّ الوديعة قبضٌ لا يقتضي صحة المقبوض، فالقول قول المودَع في البيان.
وأمّا أبو يوسف: ففرّق في إحدى الروايتين بين الغصب والوديعة؛ لأنّ الغصب ثبت في الذمّة، فإذا استقرّ الإقرار بالسكوت لم يُصدِّق في نقصان
_________________
(١) (في رجل) سقطت من ب.
(٢) في ب (وجه الرواية الأخرى).
[ ٨ / ٥٨١ ]
الصفة، وأمّا الوديعة فلا تثبت في الذمّة، فالقول قوله في بيانها.
قال أبو يوسف: إذا قال: سَتُّوقة، صدّقته في الغصب والوديعة إذا وصل، وكذلك قال أبو حنيفة (إذا وصل.
قال أبو حنيفة) (^١): ولا أصدّقه إذا قطع؛ لأنّ الستُّوقَة ليست بدراهم، فإذا بيّن ذلك بكلامٍ منقطعٍ، فهو رجوعٌ عمّا أقرّ به من الوديعة، فلا يُصدّق.
قال: وإذا قال: ابتعتها بألفٍ سَتُّوقة، لم يُصدَّق في قول أبي حنيفة، وهي جيادٌ، وقال أبو يوسف: يُصدَّق، والبيع فاسدٌ.
أمّا أبو حنيفة: فمضى على أصله: أنّ العقد يقتضي صحة المعقود عليه، وكما لا يُصدّق في الزيوف، فكذلك في السَّتُّوقة.
وأمّا أبو يوسف فقال: أقرّ بالبيع بثمنٍ موصوفٍ فيُصدَّق فيه، كالسود والبيض، إلا أنّ البيع فاسدٌ؛ لأنّ الستُّوق لا فاسد؛ لأنّ الستُّوق لا يصح إطلاقها في العقد، كما لا يصح إطلاق العروض، فيفسد البيع لذلك.
قال ابن سَمَاعة: سمعت أبا يوسف قال: في رجلٍ أقرّ فقال: لفلانٍ عليّ ألفٌ بيضٌ زيوفٌ، أو سودٌ زيوفٌ، أو مكسرةٌ زيوفٌ، أو وضحٌ (^٢) زيوفٌ، فهو مُصدِّقٌ إذا وصل؛ لأنّ الزيوف قد تكون بيضاء، وقد تكون سوداء، فالقول قول المقِرّ في ذلك.
ولو قال: له عليّ ألف درهمٍ جيادٍ زيوفٍ، فهي جيادٌ، وكذلك لو قال: نقد
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) الوَضَح: الدرهم الصحيح. انظر: القاموس المحيط، (وضح).
[ ٨ / ٥٨٢ ]
بيت المال زيوفٌ، فإنّه لا يُصدّق؛ وذلك لأنّ الجياد لا تكون زيوفًا، فلمّا أقرّ بالجياد ثم ذكر الزيوف فقد رجع عن إقراره، فلا يقبل (^١)، وكذلك نقد بيت المال عبارةٌ عن الجياد، فلا يقبل قوله في الزيوف.
ولو قال: له عندي ألف درهمٍ وديعةً، ثم جاء بألف زيوفٍ، صُدّق، وهذا على ما قدّمنا.
فلو جاء بسَتُّوقة وقال: هي هذه، لم يُصدّق؛ لأنّ الستُّوقة ليست بدراهم، وقوله يقبل (^٢) في بيان صفة ما أقرّ به، فأمّا إذا بيّن جنسًا غير الجنس (^٣) المقَرّ به، لم يقبل قوله فيه.
قال أبو عبد الله: ولو قال: له عليّ عشرة دراهم إلا درهمًا زائفًا، ففي قول أبي يوسف: له عليه عشرة [دراهم] جياد، [وعلى المقَرّ له درهمٌ زائفٌ، فيدفع المُقِرّ عشرة دراهم جياد]، ويأخذ درهمًا زائفًا، وفي قول أبي حنيفة: عشرة [دراهم] جياد.
أما أبو حنيفة فقال: إنّ الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا، لا قيمة لها؛ ولهذا قال: إن من اقتضى دينه زيوفًا وهو لا يعلم به، فأنفقه، لم يرجع بشيء، فإذا قال: له علي عشرةٌ إلا درهمًا زائفًا؛ لو صحّحنا الاستثناء لزم المقَرّ له درهمٌ زائفٌ، والمقِرّ عشرةٌ جيادٌ، والزائف عنده يصير قصاصًا بالجيد، وكان يلزمه تسعةٌ جيادٌ، ويصير الاستثناء في درهمٍ جيدٍ، وهو لم يستثن هذا، فبطل الاستثناء.
_________________
(١) في ب (يصدق).
(٢) في أ (لم يقبل)، بزيادة (لم)، وسقطت من ب، والسياق لا يقتضيها.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٨٣ ]
وأمّا أبو يوسف: فعنده أنّ الجودة لا يسقط حكمها، ويلزم المقِرّ عشرةٌ جيادٌ، والمقَرّ له درهمٌ زائفٌ، وهما مختلفان، فلا يثبت بينهما القصاص، فدفع كلّ واحدٍ منهما ما وجب عليه.
قال: ولو قال: عشرة دراهم إلا درهمًا سَتُّوقًا، فعليه عشرة دراهم إلا قيمة درهم سَتُّوق، وكذلك قياس قول أبي حنيفة؛ [لأنّ] الاستثناء من غير الجنس يجزئ عندهما، والستوق يجري مجرى العروض، ألا ترى أنّها لا تصير قصاصًا بالجياد، فيسقط من العشرة قيمة الدرهم السَّتُّوق (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل، ٨/ ٢١٣ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٣/ ٥٠٣.
[ ٨ / ٥٨٤ ]