وإذا أقرّ الرّجل بدينٍ في صحته لرجلٍ أو (^١) لرجالٍ، إقرارًا متفرّقًا في مواطن، أو موطنٍ واحدٍ، فذلك كلّه [له] لازمٌ، وارثًا كان المقَرّ له أو غير وارثٍ، فمن قضاه (^٢) منهم دينه الذي أقرّ به فهو جائزٌ، لا يشركه فيه باقي الغرماء، إلا أن يكون إقرارًا لرجلين بدينٍ هما فيه شريكان فيشرك كلُّ واحدٍ من الشريكين صاحبه فيما قبض من دينهما.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة، ١٤]، يعني شاهدًا؛ ولأنّ المقِرّ غير متهمٍ على نفسه فيما يقرّ به، فيلزمه ذلك كما تلزمه الشهادة.
ولا فرق بين أن يقرّ لوارثٍ أو لأجنبيٍّ؛ لأنّ الصحيح غير محجورٍ عليه، ألا ترى أنّه لو وهب لوارثه جاز، فإذا أقرّ له جاز.
وإنّما قال: إذا قضى أحدهم لم يشركه الباقون؛ لأنّ حقّ كلّ واحدٍ منهم في الذمّة غير متعلّقٍ بالمال، فإذا قضاه ما لم يتعلق به حقّ غيره، لم يشركه فيه.
قال: وما يثبت من دينٍ في الصحة، فهو في جميع المال قبل الوصايا والميراث، يتضاربون (^٣) بالدين في التركة، فيكون لكلّ واحدٍ منهم
_________________
(١) (لرجلٍ أو) سقطت من ب.
(٢) في ب (قضى).
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٦١٧ ]
بقسط (^١) دينه من التركة، لا يُقدَّم بعضه على بعضٍ، ولا يكون بعضهم أولى به من بعضٍ.
وإنّما قُدّم الدين على الوصايا والميراث؛ [لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فأثبت الميراث حقّ الدين، وحقّ الموصى له كحقّ الوارث؛ لأنّه شريكه] فيقدّم الدين عليه؛ ولأنّ الوصية تبرعٌ بعد الدين (^٢)، والدين مستَحَقٌّ، فيقدم الواجب على التبرع.
وإنّما تضاربوا في التركة بديونهم؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم يستحقّ بسببٍ مثل السبب الذي يستحقّ به الآخر، فصاروا كالورثة.
وإنّما لم يقدّم بعضهم على بعضٍ وإن تقدّموا في المداينة؛ لأنّ ديون الصحيح ثابتةٌ في ذمّته، وإنّما ينتقل إلى التركة بالمرض، وإذا تساوت الديون في الانتقال، صار المتقدّم منها والمتأخر سواءً.
قال: فإن تَوِي (^٣) من التركة شيءٌ قبل أن يقسم الدين، اقتسموا ما [بقي] (^٤) من التركة على قدر ديونهم، ولا يبطل من دينهم بهلاك ما هلك من التركة شيءٌ؛ وذلك لأنّ الدين متعلّقٌ بالتركة، وبكل جزءٍ منها لاستحالة أن يثبت الميراث قبل قضاء الدين، فالهالك يكون من حقّ الورثة، ويبقى الدين بحاله.
قال: وما كان من ديَةٍ وجبت للميت في نفسه، أو أَرْشٍ وجب له عن شيءٍ
_________________
(١) في ب (يسقط).
(٢) (بعد الدين) سقطت من ب.
(٣) تَوِي: هلك. انظر القاموس المحيط (توي).
(٤) في أ (يقر به)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٦١٨ ]
من جوارحه بجناية خطأ أو عمد، فحقّ الغرماء فيه [قائمٌ] يقتسمونه بدينهم؛ وذلك لأنّ [الدية] (^١) حقٌّ للمقتول، [أو مالٌ] (^٢) له فهو كسائر أكسابه (^٣)؛ ولأنّه لو عفا عنه ولا دين عليه صحّ عفوه، فلو لم يكن على ملكه، لم يسقط بإسقاطه، وما كان على ملك الميت من الأموال، فديونه متعلّقةٌ به.
قال: وإن كان القتل عمدًا فيه قصاصٌ أو قصاصٌ فيما دون النفس، فلا حقّ للغرماء في ذلك ولا قصاص؛ لأنّ القصاص حقٌّ ليس بمالٍ، فلا تتعلّق به حقوق الغرماء كالمنافع، وليس لهم أن يعفوا؛ لأنّه [لا] حقّ لهم في القصاص، فلا يصح عفوهم فيما لا يملكونه؛ ولأنّ الديون التي يتعلّق حقّهم بها إن أبرؤوا منها لم يصحّ، فالقصاص الذي لا حقّ لهم فيه أولى أن لا يصحّ إبراؤهم (^٤) فيه.
قال: وإن عفا بعض الورثة عن الدم، تحوّل حقّ الباقين من الورثة مالًا، فكان ذلك بين الغرماء على قدر دينهم؛ وذلك لأنّ بعضهم إذا عفا تعذّر القصاص في حقّ الباقين، ودم العمد إذا تعذّر فيه القصاص وجب الأَرْش، وقد بيّنا أنّ الأَرْش حقٌّ للميت، فتتعلّق به ديونهم.
قال: وإن كان الميت امرأةً، فمهرها بمنزلة (^٥) تركتها، يُقسم بين غرمائها؛ وذلك لأنّ المهر مالٌ لها، وإن كان عوضًا عمّا ليس بمالٍ كالأجرة في الإجارة (^٦).
_________________
(١) في أ (الدين)، والمثبت من ب.
(٢) في أ (فصار)، والمثبت من ب.
(٣) في ب (أمواله).
(٤) في ب (عفوهم).
(٥) في ب (لمن له).
(٦) انظر: الأصل، ٨/ ٢٣٥ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي ٣/ ٣٠٩.
[ ٨ / ٦١٩ ]