قال: وإذا أقرّ المريضُ في مرضه الذي مات فيه بدينٍ لغير وارثٍ (^١)، فهو جائزٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يفصّل؛ ولأنّ المريض غير متهمٍ فيما يقرّ به للأجنبي، فينفذ إقراره.
وقد قال أصحابنا: القياس يقتضي أن لا يجوز إقراره إلا في الثلث؛ لأنّه يملك ثلث ماله، ولا يملك ما زاد عليه؛ بدلالة أنّه لو وهب ما زاد على الثلث لم يجز، فما لا يملكه لا ينفذ فيه إقراره، وإنّما تركوا القياس لما روي عن ابن عمر أنّه قال في المريض إذا أقرّ بدينٍ: (جاز ذلك عليه في جميع التركة) (^٢)، ولا يُعرف له مخالفٌ؛ ولأنّه غير متهمٍ في إقراره كالصحيح.
قال: وإذا أقر في مرضه بدينٍ بعد دينٍ، فذلك جائزٌ، المتقدم فيه والمتأخر سواءٌ [كحال الصحة]، وهو جائزٌ في جميع ماله، يتحاصّون في التركة؛ وذلك لأنّ حال المرض حالٌ واحدةٌ، فالدين المتقدم فيها والمتأخر سواءٌ كحال الصحة.
ولا يقال: إن دين المريض يتعلّق بتركته، فيسبق الدين الأوّل إلى التركة، فيكون أولى من الثاني؛ وذلك لأنّ ديون المريض لا تتعلّق بتركته؛ لجواز (^٣) أن
_________________
(١) (لغير وارث) سقطت من ب.
(٢) ذكره ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٨٠)، وقال: "لم أجده"؛ وذكره الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١١١)، وقال: "غريب".
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٦٢٠ ]
يكون عليه دينٌ في الصحة، فلم يبق إلا أن تتعلّق بذمّته، فيستوي المتقدّم والمتأخّر.
قال: فإن كان على المقِرّ في مرضه دينٌ في صحته، فدين غرماء الصحّة أولى بتركته من غرماء المرض، يبدأ به حتى يستوفوا ديونهم، فإن فضل من التركة شيءٌ بعد قضاء دين الصحة، كان بين غرماء المرض، وإن لم يبق شيءٌ فلا شيء لغرماء المرض على الورثة، ودينهم باقٍ في ذمّة الميت.
وإنّما يقدم دين الصحة على دين المرض - خلاف ما قاله الشافعي أنّهما سواء - (^١)؛ لأنّ دين الصحة ثابتٌ في حال الإطلاق، ودين المرض ثابتٌ في حال الحجر؛ بدلالة أنّ المريض قد لحقه حجرٌ ما، ألا ترى أنّه لا يجوز هبته في أكثر من ثلث ماله [بعد أن كان جائز التصرّف لولا الدين].
قال: ودين الإطلاق مقدّمٌ على دين الحجر، كالعبد إذا أقرّ في حال حجره بدين وفي حال الإذن بدينٍ؛ ولأنّ حق غرماء الصحة يتعلّق بالمال في المرض؛ بدلالة أنّ المريض ممنوعٌ من التبرّع في ثلث ماله بعد أن كان جائز التصرف لولا الدين، فلولا تعلّق حقّهم بالمال لم يمنع، فإذا تعلّق حقّهم بالمال، كان أسبق من دين المرض، فصار كالدين الذي رهنَ به، فيقدم على ما [لا] رهن به؛ لأنّ حقّ المرتهن أسبق إلى الرهن.
فأمّا إذا استوفى غرماء الصحة، فقد سقط، فكأنّه لم يكن للمريض إلا الباقي من التركة، فيستحقه غرماء [المرض] (^٢)، فإن لم يبق شيءٌ، فلا حقّ
_________________
(١) قال الشافعي: "والإقرار في الصحة والمرض سواء، يتحاصون معًا ". مختصر المزني ص ١١٢.
(٢) في أ (الصحة)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٦٢١ ]
للغرماء على الورثة؛ لأنّ الورثة إنّما يلزمهم القضاء (^١) من تركة الميت، ولا تركة للميت.
وقوله: إنّ دينهم باقٍ في ذمّة الميت، يعني: في أحكام الآخرة، فأمّا في حكم الدنيا إذا لم يكن تركة، فقد سقط الدين.
قال: فإن تطوع الورثة بقضائه من أموالهم التي هي لهم، فهو جائزٌ، ويبرأ الميت من الدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأنّ الدين باقٍ في حكم الآخرة، فإذا قضى الورثة فكأنّهم تبرعوا بالقضاء في حال الحياة، فيسقط الدين؛ ولأنّ أبا قتادة لمّا قضى عن الميت دينارين، قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "الآن بردت عليه مضجعه" (^٢)، فدلّ على أن من تبرّع بقضاء دين الميت، سقط عنه الدين.
قال: فإن أقرّ المريض في مرضه الذي مات فيه بعبدٍ في يده، أو بألفٍ في يده، أنّ ذلك لرجلٍ وعليه دينٌ في الصحّة، لم يجز ذلك على غرماء الصحة، وكانوا أحقّ به من المقَرّ له، يُبَاع في دينهم، فيشتركون في ثمنه، ولا يجوز على غرماء الصحة إقرار المريض بدين ولا غيره، أمانة أقرّ بها في المرض أو مضمونة، حتى يستوفي الغرماء دينهم؛ وذلك لما قدّمنا أنّ دين الصحة يتعلّق [بالتركة] (^٣)، فإذا أقرّ المريض بعينٍ قد تعلّق بها حقّ الغير، لم يقبل إقراره، كما لو أقر بالعبد المرهون، فإذا قضيت ديون الصحة، فلم يبق إلا حق الورثة، وإقرار المريض مقدمٌ على حقّ ورثته.
_________________
(١) في ب (القصاص).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٧٤)، وقال الذهبي: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
(٣) في أ (بالشركة) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٢٢ ]
قال: وكلّ دينٍ وجب على المريض بدلًا عن مالٍ مَلَكه أو استهلكه، وعُلِم وجوبه بغير إقراره، فهو بمنزلة دين الصحة يشتركون جميعًا في تركة الميت، فيكون بينهم على قدر ديونهم؛ وذلك لأنّ هذا الدين لما علم سببه لم تلحقه فيه التهمة، فصار كدين الصحة الذي (^١) لا تهمة فيه؛ ولأنّ المريض يحتاج إلى الابتياع، فلو لم يُجعَل أثمان ما يبتاع كدين الصحة، امتنع الناس من معاملته وأضرّ به ذلك، وهذا لا يجوز.
قال: ولا يجوز للمريض (^٢) في مرضه أن يقضي غريمًا دون غريمٍ، كان الدين عليه في الصحة أو في المرض، لا يقضي غرماء الصحة بعضهم دون بعضٍ في مرضه، ولا غرماء المرض بعضهم دون بعضٍ، إلا أن يكون استقرض في مرضه ألفًا وقبضها، أو اشترى عبدًا بألفٍ وقيمته ألفٌ، فقضى القرض ونقد ثمن العبد في مرضه، فإن ذلك يجوز على غرماء الصحّة وغرماء المرض إذا عُلِم ذلك ببيّنةٍ (^٣).
وإنّما لم يجز أن يقدّم بعض غرمائه بالقضاء؛ لأنّ ديونهم متعلّقةٌ بالتركة على وجهٍ واحدٍ، فإذا قضى بعضهم، فقد دفع إليه ما تعلّق به حقّ غيره، فلا يجوز، كما لو قضى (^٤) الوصي من تركة الميت بعض غرمائه.
وكذلك إن كانت الديون في المرض، لا يجوز أن يقضي أحدهم دون الباقين؛ لأنّ ديون المرض لا تخلو: إمّا أن يكون معها دينٌ في الصحّة،
_________________
(١) في ب (فلا).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في ب (منه).
(٤) في ب (دفع).
[ ٨ / ٦٢٣ ]
أو لا يكون، فإن كان هناك دينٌ في الصحّة، لم يجز قضاء دين المرض، وإن لم يكن دينٌ في الصحّة، فحقّ الغرماء في المرض تعلّق بالمال، فإذا قضى بعضهم ما تعلّق به حق الباقين، لم يجز، كما لو قضاهم من عين الرهن.
فأمّا إذا استقرض شيئًا بمعاينة الشهود، أو ابتاع شيئًا من غير محاباةٍ بمعاينة الشهود، فقضى ذلك جاز؛ لأنّ المريض إنّما يمنع من قضاء بعض الغرماء لما فيه من إسقاط حقّ الباقين، فإذا حصل للباقين مثل ما قضى فلم يسقط حقّهم عن شيءٍ، (فجاز القضاء؛ ولأنّ حقوق الغرماء في معنى التركة لا في عينها، ولهذا يجوز تصرف المريض فيها، فإذا اشترى عبدا يساوي ألفا، وأعطى من التركة ألفا فمعنى التركة حاصلٌ لهم، لم يسقط شيءٌ منه) (^١)، فجاز تصرّفه فيه.
قال: وإن تزوج امرأةً في مرضه بألفٍ، ومهر مثلها ألفٌ، فذلك جائزٌ على غرماء الصحّة، تشركهم في التركة، فتكون كأحدهم؛ وذلك لأنّ التزويج يحتاج إليه المريض لمنفعة يختص بها لطعامه [وشرابه] وكسوته، فإذا عقد، لم يُتّهم في سبب المال، فصار كدين الصحّة الذي لا تهمة فيه؛ ولأنّ دخول البُضْع في ملك الزوج مقوّمٌ، فصار كالأعيان.
قال: فإن نقدها المهر لم يسلم لها، وكان لغرماء الصحة أن يتبعوها في ذلك، فيأخذوا حصصهم؛ وذلك لأنّ المهر ليس ببدلٍ تعلّق به حقّ الغرماء، فلا يجوز له أن يفردها بالقضاء، كما لا يجوز له أن يفرد من [أقرّ له] (^٢).
قال: ولو أقرّ في مرضه - ولا دين عليه في الصحّة - لرجلٍ بدين ألف درهمٍ (^٣)،
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في أ (إقراره)، والمثبت من ب
(٣) في ب (دينار).
[ ٨ / ٦٢٤ ]
ثم أقرّ بعد ذلك لآخر بألفٍ في يديه أنّها وديعةٌ، فهما دينان جميعًا، ولا يجوز إقراره بالوديعة بعد الدين في أن يستحقّها المقَرّ له، ولكنّها دينٌ في تركته؛ وذلك لأنّه لمّا بدأ بالإقرار بالدين، تعلّق حقّ الغريم بالألف الذي في يديه، فإذا أقرّ أنّها وديعةٌ فيريد أن يسقط حقّ الغريم عنها، فلا يُصدّق، إلا أنّه قد أقرّ بوديعةٍ تعذّر تسليمها بفعله، فصارت (^١) كالمستهلَكة، فيكون دينًا عليه، ويتساوى الغريمان في العين.
قال: وإن أقرّ بوديعةٍ ثم بدينٍ، فصاحب الوديعة أولى بها؛ لأنّه لمّا بدأ بالوديعة ملكها المقَرّ له بعينها، فإذا أقرّ بدينٍ لم يجز أن يتعلّق بمال الغير.
قال: وكذلك إقرار المريض بألفٍ في يديه أنّها بضاعةٌ أو مضاربةٌ، كما بيّنا في حكم الوديعة والبضاعة والمضاربة، أمانةٌ، فهي كالوديعة.
قال: وإذا أقرّ المريض لرجلٍ بوديعةٍ ألف درهم، ثم مات ولم يعرّف بعينها، فهي في تركته [مضمونةٌ] كدين المريض؛ وذلك لأنّه ضيّع الحفظ فيها حين لم يبيّن عنها، والمودَع إذا ضيع الحفظ ضمن؛ ولأنّ الظاهر أنّها باقيةٌ في يده إلى أن مات، وقد جعلنا ما في يده لورثته، فلا يجوز أن يقضى لهم بملك الوديعة إلا ويقضى عليهم بعوضها (^٢).
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) انظر: الأصل ٨/ ٢٣٠؛ شرح مختصر الطحاوي ٣/ ٣٠٩.
[ ٨ / ٦٢٥ ]