قال: وإذا أقرّ أنّه غصبَ رجلًا شيئًا، ولم يبيّن ما هو، فإنه يلزمه من ذلك ما شاء، والقول قوله مع يمينه، ولا بد أن يقِرَّ بشيءٍ يتمانعه الناس، ويحلف على دعوى المغصوب منه.
أما جواز الإقرار، فقد بيّناه، وأما الإقرار بالمجهول، فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، ولم يُفَصّل؛ ولأنّ المقِرّ إنّما يقر بما لزمه الإقرار به ويثبت في ذمته، وقد يلزم الإنسان الحقوق المجهولة، فإذا أقرّ بها جاز.
وليس كذلك الشهادة؛ لأنّ الشهادة لا بد أن يعلم ما يشهد به، والمجهول لا يعلمه؛ ولأنّ الشهادة لا يتعلّق بها حكمٌ، إلا أن ينضمّ إليها حكم الحاكم، والحاكم لا يحكم بتسليم المجهول.
فإذا ثبت لزوم الإقرار والبيان إلى المقرّ، فإن بيّن وإلا أجبره القاضي على البيان؛ لأنه أقرّ بلزوم حقٍّ في ذمّته، ومن لزمه حقٌّ مجهولٌ فبيانه عليه، كمن أعتق أحد عبيده، وكمن باع قفيزًا من صُبرةٍ لزمه تمييزه، [ولا بدّ أن يقرّ] (^١) بشيءٍ يتمانعه الناس ويقصدونه بالغصب؛ لأنّه أقر بالغصب، وما لا يُتمَانع لا يُغصَب.
ولهذا قالوا: لو بيّن ما يغصبه الناس مما لا قيمة له أو لا يُضمَن، صُدِّق،
_________________
(١) في أ (ولأنه إن أقرّ)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
[ ٨ / ٥٦٩ ]
مثل أن يقرّ بغصب العقار، أو بغصب خمرٍ على مسلمٍ، أو بغصب صبيٍّ حرٍّ، أو بغصب جلد ميتة، فإنه يُقبل ذلك كلّه، وإن لم يضمن؛ لأنّ الناس يقصدون ذلك بالغصب.
وأمّا اليمين، فإن ادَّعَى المقَرّ له أكثر مما قاله المقِرّ استُحلِف على الزيادة؛ لأنّ الأصل براءة الذمة، فما بيّنه تيقّنّا لزومه، وما لم يبين به لا يُعلَم لزومه، فيُستحلَف عليه.
قال: فإن أقرّ أنّه اغتصب من رجلٍ عبدًا، أو ثوبًا، أو شاةً، أو بقرةً، أو بعيرًا، أو شيئًا من العروض، فإنّه يلزمه واحدٌ من ذلك، والقول قوله أنّه هذا، صحيحًا كان أو معيبًا، وما كانت قيمته إذا كان قائمًا في يده؛ لأنّ الغصب إيقاع فعلٍ في عين، ولا يقتضي صحة العين، فإذا بيّن ما يتناوله الاسم، فالقول قوله فيه؛ لأنّا لم نتيقّن وجوب ما زاد عليه، فإن كان مُستهلَكًا فعليه قيمته.
والقول قول المقرّ فيها مع يمينه؛ لأنّ الغصب يقتضي ردّ العين ما أمكن ردّها، أو ردّ قيمتها إذا تعذّر ردّ العين، ومن لزمه ضمان شيءٍ، فالقول قوله في مقداره مع يمينه (^١)، وكذلك الدار والأرضُ، يعني: إذا أقرّ بغصبها.
قال: ولو أقرّ أنّه غصب دارًا، وقال: هي بالبصرة، فالقول قوله؛ لأنّ الإقرار يقتضي غصب دارٍ، فلا يختصّ بمكانٍ.
فإن قال: هي هذه التي في يد زيدٍ، وزيدٌ ينكر، فالقول قوله في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، ولا ضمان عليه في قولهما، ويضمن قيمتها في قول
_________________
(١) (مع يمينه) سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٧٠ ]
محمدٍ؛ وذلك لأنّ من أصلهما أنّ العقار لا يُضمَن بالغصب، وقد بيّنا ذلك، فإذا بيّن ما غصبه على وجهٍ لا يلزمه ضمانه، صُدّق فيه.
وأمّا على قول محمدٍ: فالعقار يُضمن بالغصب، فإذا أقرّ بغصبه وتعذّر ردّه لزمه ضمانه.
قال: وإذا أقرّ (^١): أنّ لفلانٍ عليّ حقًّا، أو [قال]: لفلانٍ علي شيءٌ، فالقول في ذلك ما قال المقرّ يقرّ بما شاء، لما بيّنا أنّ من لزمه حقٌّ مجهولٌ، فالقول قوله في بيانه، ولا بدّ أن يبيّن هاهنا ماله قيمة؛ لأنّ "علي" تقتضي ثبوت الحق في الذمة، ولا يجوز أن يثبت في ذمّته إلا ما يتقوّم.
وإذا قال: له عليّ قفيز حنطةٍ، فهو بقفيز البلد، وكذلك الرطل والأَمْنَاء (^٢) والصنَجَات، فذلك كلّه على وزن البلد؛ لأنّ إطلاق الكيل والوزن انصرف إلى المعتاد في المصر بدلالة البياعات (^٣).
_________________
(١) في ب (قال).
(٢) (المَنا والمَنَاة: كيلٌ أو ميزانٌ، جمعه أمْناء وأمنٍ ومُنِيٌّ ومنِيٌّ). القاموس المحيط؛ وفي المعجم الوجيز: "معيار قديم كان يُكال به أو يوزن"، "والمَنُّ = ٢٥٧.١٤ درهما = ٢٤ أوقية = رطلان = ٨١٥.٣٩ غرامًا". معجم لغة الفقهاء (المقادير). (منو).
(٣) انظر: الأصل ٨/ ٢٥٢.
[ ٨ / ٥٧١ ]