قال في الأصل: إذا قال: له عليّ ألفٌ، ولم يبيّن، فالقول [قوله] يقرّ بما شاء؛ لأنّ الألف عددٌ مبهمٌ يصحّ أن يُفسّر بكلّ معدودٍ، فوجب أن يرجع في بيان ذلك إلى قول المقِرّ.
ولو قال: له عليّ مائة وثوبٌ، فالقول قوله في المائة، يقرّ بما شاء، وكذلك كلّ شيءٍ لا يكال ولا يوزن ولا يعدّ (^١)؛ وذلك لأنّ قوله: علي مائةٌ، يقتضي ثبوتها في الذمّة، وقوله: ثوبٌ، والثوب ممّا لا يثبت في الذمّة بنفسه، فيقتضي تغاير الأمرين، فلم يجز أن يُجعَل أحدهما من جنس الآخر بظاهر اللفظ؛ فلذلك رجع إلى البيان، وكذلك لو قال: وثوبان، كان القول في المائة [قوله]؛ لما بيّنا.
ولو قال: مائةٌ وثلاثة أثواب، [كان ذلك كلّه ثيابًا، لأنّ قوله: مائةٌ وثلاثةٌ، إقرارٌ بعددين مبهمين، وقوله: أثواب، تفسيرٌ] وكلّ واحدٍ منهما يحتاج إلى التفسير، فكان ذلك تفسيرًا لهما.
وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف في نوادره: إذا قال: لفلانٍ عليّ ألفٌ وعبدٌ، فعليه عبدٌ وألفٌ (مما شاء) (^٢)، وكذلك لو قال: له عليّ عشرةٌ وعبدٌ؛ وذلك لأنّ العبيد لا يقسم بعضها في بعضٍ، فهي كالأجناس المختلفة، ولا يكونُ عطفُ أحد العددين على الآخر يقتضي مساواتهما، فوجب الرجوع في
_________________
(١) (ولا يعد) سقطت من ب.
(٢) في ب (لما بينا).
[ ٨ / ٥٩١ ]
العدد المبهم إلى التفسير.
ولو قال: له عليّ ألفٌ وشاةٌ، فعليه ألف شاةٍ وشاةٌ، وكذلك ألفٌ وبعيرٌ، [وكذلك عشرةٌ وثَورٌ، وعشرةٌ وفَرَسٌ، لأنّ هذا كلّه يقسم بعضه في بعضٍ]، فصار جنسًا واحدًا، وحكم المعطوف (^١) حكم المعطوف عليه، فيثبت الجميع من جنسٍ واحدٍ.
وقال في الأصل: إذا قال: له عليّ عشرة آلافٍ ووصيفٌ، جعلت عليه الوصيف، وجعلت عليه عشرة آلافٍ من أيّ نوعٍ شاء، وهذا كما قدّمنا.
ولو قال: [له عليّ] ألف وشاةٌ، جعلتها من الشياه كلّها، أستحسن ذلك، وأصرفه على (^٢) معاني كلام الناس.
وجه القياس: أنّ قوله: [له عليّ] (^٣) ألفٌ، عددٌ مبهم، وذكر الشاة ليس بتفسيرٍ له، فبقي العدد الأوّل على إبهامه.
وجه الاستحسان: أنّ الشاة لمّا كانت ممّا يقسم بعضها في بعضٍ، صارت كالشيء الواحد، وحكم العطف حكم المعطوف عليه، ولأنّهم [يستثقلون] (^٤) التكرار في البيان، ولا يقولون: مائة درهمٍ ودرهمٌ، ومائة شاةٍ وشاةٌ، وإنّما يقولون: مائةٌ ودرهمٌ، والمراد بالجمع جنسٌ واحدٌ، فحمل ذلك على العادة.
قال: وإذا أقرّ فقال: لفلانٍ عليّ عشرة دراهم ونيفٌ، فالقول في النيف ما
_________________
(١) في ب (العطف).
(٢) في ب (عن).
(٣) في النسخ (أن)، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٤) في أ (يستعملون)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
[ ٨ / ٥٩٢ ]
قال من شيءٍ، درهمٌ أو أكثر منه، وله أن يجعله أقلّ من درهم؛ وذلك لأنّ النيف: ما زاد وأناف؛ ولهذا سُمّي الأنف أنفًا، ويقال: جبلٌ منيفٌ، وإذا كان الاسم عبارةً عن الزيادة، حمل عليها قلَّت أم كثرت.
وإذا قال: عليّ بضعةٌ وخمسون درهمًا، فإنّ البضعة ثلاثة دراهم فصاعدًا، وليس له أن ينقص من ثلاثةٍ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، فخاطر أبو بكرٍ قريشًا على أن الروم تغلب فارس [إلى ثلاث سنين]، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: ("ما البِضع في لغتكم؟ " فقال) (^١): من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "زد في الخطر وأبعد في الأجل" (^٢)، وهذا يدلّ على أنّ أقلّ ما يتناوله اسم البضع ثلاثةً، فلم يُصدّق في النقصان منها.
قال: وإذا قال: لفلانٍ عليَّ عشرة [دراهم] ودانقٌ، أو قيراطٌ، فالدانق والقيراط فضةٌ؛ لأنّ الدائق عبارةٌ عن جزءٍ من درهمٍ، فكأنّه قال: عشرةٌ وسُدُسٌ؛ ولأنّ الظاهر أنّ حكم العطف حكم المعطوف عليه، فإن قال: مائةٌ ودينارٌ، فالمائة كلّها دنانير، [وإن قال: مائةٌ وقفيز حنطةٍ، فالمائة حنطةٌ]، وإن قال: مائةٌ ودرهمٌ، فالمائة دراهم على ما قدّمنا في القياس وفي الاستحسان.
وكان القياس: أن يرجع في المائة إلى بيانه؛ لأنّها عددٌ مبهمٌ، والاستحسان: أنهم يذكرون [ذلك] على طريق الاختصار، ويجعل من جنسٍ واحدٍ في العادة (^٣).
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) رواه الترمذي (٣١٩٤)، وقال: (صحيحٌ حسنٌ غريبٌ من حديث نيار بن مكرم، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد).
(٣) انظر: الأصل ٨/ ٢٩٣؛ مختصر القدوري ص ٢١٣، ٢١٤.
[ ٨ / ٥٩٣ ]