قال: وإذا أقرّ الرجل فقال: دفع إليّ فلانٌ هذه الألف، وهي لفلانٍ، وادّعى كلّ واحدٍ منهما الألف، فإنّها للدافع.
فإن قال: هذه الألف (^١) لفلان دفعها إليّ فلانٌ، فهو للمقَرّ [له] الأوّل، ولا يكون للدافع منه شيءٌ.
فإن ادّعاه الدافع وحلف الدافع ما هو لفلانٍ، ضمن المستودَع ألفًا آخر؛ وذلك لأنّه إذا ابتدأ فقال: هذه الألف دفعها إليّ فلانٌ، فقد أقرّ بوجوب الردّ عليه؛ لأنّ التسليم يقتضي وجوب الردّ، فإذا قال: وهي لفلانٍ، فقد أقرّ بها بعد ثبوتها للأوّل، فلا يقبل قوله في حقّ الأوّل.
وإذا قال: هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ فلانٌ، فقد أقرّ بها للأوّل، ثم اعترف للدافع بوجوب الردّ بعد ثبوت الألف لغيره، فلا يقبل قوله في حقّ الأوّل، فإن دفع إلى الأوّل بقضاءٍ، فلا ضمان عليه للثاني عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمن.
لأبي يوسف: أنّ قوله: دفعها إليّ فلانٌ، إقرارٌ بالوديعة، ولم يوجد [فعلٌ] فيها على وجه التعدّي، وإنّما أزال الحاكم يده، (والمُودَع إذا أزيلت يده عن الوديعة بغير فعله، لم يضمن.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٦٠٦ ]
وجه قول محمدٍ: أنّ الحاكم إنّما أزال يده) (^١) بحكم اعترافه، فصار هو الموجب لإزالة اليد، فكأنّه دلّ على الوديعة من أتلفها؛ (ولأنّه ضيّع الحفظ في الوديعة حين أقرّ بها لغير المودِع، فيلزمه ضمانها) (^٢).
وأمّا إذا سلّم إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني في قولهم؛ لأنّه لمّا سلّمها فقد زالت يده عن الوديعة بفعله، والمودَع إذا سلّم الوديعة إلى غير المودِع ضمن.
قال: وإذا قال: هذه الألف لفلانٍ، أقرضنيها فلانٌ الآخر، وادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للذي أقرّ له أوّلًا، وللمقرض عليه ألفٌ؛ وذلك لأنّه أقرّ للأوّل بالألف، وأقرّ للثاني بعقدٍ يتعلّق به وجوب الضمان، فيلزمه المال لكلّ واحدٍ منهما.
[قال]: ولو قال: هذا الألف لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ وديعةً، وادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للأوّل، فإن قال الأوّل: ليس لي ولم أرسل به، وادّعاه الرسول، فهو للرسول؛ و[ذلك] لأنّه بدأ بالإقرار لفلانٍ، ثم أقرّ باليد للرسول، فلا يقبل قوله في حقّ المقَرّ له.
قال: فإن كان المقَرّ له غائبًا، فأراد الرسول أن يأخذه، وادّعاه لنفسه، لم يأخذه، وإن قال: إنّه لفلانٍ [وإني كنت] (^٣) رسولًا فيه، فذلك [له] أبعد؛ لأنّ الرسالة قد انقطعت، وهذا قول أبي يوسف؛ وذلك لأنّه لمّا أقرّ للغائب بالألف استحقّها، ثم أقرّ للرسول باليد، فلا يقبل قوله، فإن ادّعاها الرسول لنفسه، لم
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في أ (وأنه كان)، والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦٠٧ ]
يقبل قوله بعد استحقاق الغائب لها، فإن زعم أنّه رسولٌ، فقد انقطعت الرسالة بالتسليم، فلا يثبت له حقّ المطالبة.
وقال أبو يوسف: لو قال هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ فلان، كان مثل ذلك.
ولو قال: هذه الألف لفلانٍ، أخذتها من فلانٍ، فادّعياه جميعًا، فالألف للمقَرّ له [الأوّل]، ويضمن للذي أقرّ أنّه أخذه منه ألفًا مثلها، ولا يشبه هذا الأوّل.
وقال محمدٌ: أرسل به، ودفعه إليّ، وأخذته، كلّه سواءٌ إذا ادّعياه جميعًا، دفع الألف إلى الأوّل، وضمن للثاني، وهذه ثلاث مسائل:
أوّلها: إذا قال: هذه الألف لفلانٍ بل لفلانٍ، فإن دفع إلى الأوّل بقضاءٍ لا يضمن للثاني؛ لأنّ الأوّل استحقّ الألف، فلما أقرّ بها للثاني لم يقبل إقراره في حقّ الأول، ولم يلزمه الضمان للثاني؛ لأنّه إنّما أقرّ في ملكه، والحاكم ألزمه التسليم، ومجرّد الإقرار في ملك الغير لا يتعلّق به الضمان.
فأمّا إذا دفع إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني؛ لأنّه أقرّ بها للثاني، وقد أتلفها بالتسليم إلى الأوّل، فيضمن بالتسليم لا بالإقرار.
والمسألة الثانية: إذا قال: أودعني فلانٌ لا بل فلانٌ، أو هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ [فلانٌ]، فهو مثل الأوّل عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمن للثاني سواء سلّم إلى الأول بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ، وقد بيّناه.
والمسألة الثالثة: إذا قال: غصبت هذا العبد من فلانٍ لا بل من فلانٍ،
[ ٨ / ٦٠٨ ]
وادّعى كلّ واحدٍ منهما العبد، سلّمه إلى الأوّل، وضمن للثاني، سواءٌ سلّم بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ؛ لأنّ الغصب يجب ضمانه على الغاصب وإن زالت يده عنه بغير فعله.
وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا قال: هذه الألف لفلانٍ، أخذته من فلانٍ، ضمن للثاني؛ لأنّ الأخذ فعلٌ مضمونٌ، فيجب عليه الردّ، سواءٌ سلّم إلى الأوّل بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ كالغصب.
قال: وإذا أقرّ الخياط أنّ هذا الثوب الذي في يده لفلانٍ، سَلَّمه إليه فلانٌ، وكلّ واحدٍ منهما يدّعيه، فإنّه للذي أقرّ له أوّل مرّةٍ، وكذلك القصّار والصبّاغ والصائغ، وكلّ عاملٍ من العمال، فلا يضمن للثاني شيئًا في قياس قول أبي حنيفة، ويضمن قيمة الثوب للثاني في قول أبي يوسف ومحمدٍ، وهذا إذا كان سَلَّمه إلى الأوّل بقضاءٍ؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ الأجير المشترك مؤتمنٌ لا يتعلّق بقبضه الضمان، فهو كالمودَع، وإذا أقر للأوّل استحقّ الثوب، فلمّا أقرّ للثاني ودفع إلى الأوّل بقضاءٍ، فقد زالت يده عن العين بغير فعله، فكأنّها هلكت.
فأما على قولهما، فقَبْض الأجير مضمونٌ كقبض الغاصب، وإذا استحقّ الأوّل العين بالإقرار، صار كالهلاك، فيضمن قيمتها للثاني.
قال: وإن أقرّ أنّ هذا الثوب أسلمه إليه فلانٌ ليقطعه قميصًا، وهو لفلانٍ، فادعّاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للذي سلّمه [إليه]، وليس للثاني شيءٌ؛ لأنّ قوله: أسلمه إليّ، اعترافٌ له بالثوب، وقوله: وهو لفلان، إقرارٌ في ملك المقَرّ [له]، فلا يقبل قوله.
[ ٨ / ٦٠٩ ]
قال: وإذا أقرّ أنّ هذا الثوب استعاره من فلانٍ، فبعث به إليه مع فلانٍ، فهو للذي أعاره إيّاه في قول أبي يوسف.
[قال]: فإن قال: إنّ فلانًا أتاه بهذا الثوب عاريةً من قِبَل فلانٍ (^١)، فادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فهو للرسول؛ لأنّ الذي ابتدأ بذكره قد استحقّ الثوب، فإقراره بعد ذلك لغيره لا يُقبَل.
قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجلٍ قال: لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فإنّه يغرم لكلّ واحدٍ منهما [ألفًا]؛ لأنّه أقرّ للأوّل بحقٍّ في الذمّة، وأقرّ للثاني بالتسليم، وما في الذمّة لا يتضايق، فلم يكن مقرًّا للثاني بنفس ما أقرّ به للأوّل، فيلزمه المالان.
ولو قال: جاءني فلانٌ بألفٍ وهو لفلانٍ، فإنّه يضمنه للذي دفعه إليه، ولا يضمن للآخر شيئًا؛ لأنّه أقرّ للثاني بنفس ما أقرّ به للأوّل، وقد استحقّ الأوّل الألف، فلا يقبل إقراره للثاني.
وقال في رجلٍ قال: هذه الألف لفلانٍ دفعه إليّ فلانٌ، فجاء المقَرّ له يريد أخذها، وجاء الدافع يريد أخذها، وينكر أن يكون لفلانٍ الذي أقرّ له هذا، قال: فعلى المقِرّ أن يدفعه إلى الذي أقرّ له.
هذا إذا أنكر المقَرّ له أن [يكون فلانٌ] دفعه إلى هذا المقِرّ، فلو أقرّ بذلك لم يكن له أن يضمنه هذا المقرّ، ويغرم هذا المقِرّ ألفًا للذي زعم أنّه دفعها إليه؛ وذلك لأنّه أقرّ بالألف للأوّل، وزعم أنّه قبضها من الثاني، فإذا أنكر الأول أن
_________________
(١) هنا في ب زيادة (فبعث به إليه مع فلانٍ)، والسياق لا يقتضيها.
[ ٨ / ٦١٠ ]
يكون الثاني سَلَّم إليه، وجب عليه تسليمها إلى الأوّل؛ لأنّه استحقّها بالإقرار، ويضمن الدافع للثاني إن كان سلّم إلى الأول بغير قضاءٍ.
فأمّا إذا كان الأوّل صدّقه أنّ الثاني دفعها إليه، فإنّه يردها على الثاني، ولا ضمان عليه للأول؛ لأنه قد برئ منها حين سلّمها [إلى من دفعها إليه، فلم يجز للأوّل تضمينه مع تصديقه أنّ الثاني سلّمها].
قال: ولو بدأ المقِرّ الذي في يده الدراهم، فقال: هذه الألف دفعها إليّ فلانٌ، وهي لفلانٍ، فإنّه يدفعها إلى الذي دفعها إليه، (ولا يضمن للمقَرّ له شيئًا من قِبَلِ أنه بدأ فأقرّ به للذي دفعه إليه) (^١)؛ وذلك لأنّه لما أقر بالدفع استحقّ [الألف الدافع، فلمّا أقرّ للثاني بها، فإن كان صادقًا، فقد برئ] حين سلّمها إلى الدافع، وإن كان كاذبًا فأحرى أن لا يجب عليه الضمان.
قال: ولو قال: أعرت فلانًا دابتي هذه فركبها ثم ردّها عليّ، أو قال: أعرته عبدي هذا يومًا ثم ردّه عليّ، أو أجرته داري هذه شهرًا ثم ردّها عليّ، فإنّ أبا حنيفة قال: هو مُصدّقٌ، وقال أبو يوسف [ومحمدٌ] في هذا كلّه: آخذه بقوله، [بأن يردّ] (^٢) هذا الشيء على الذي أقرّ أنّه كان في يده، وقد بيَّنَّا الخلاف في هذه المسألة.
قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف: إذا قال الرجل: كان لي على فلانٍ ألفٌ فقضانيها، أو قال: أقرضت فلانًا ألفًا، فدفعها إليّ، فإنّي لا أصدّقه، وأقول له: ردّ الألف، وهات البيّنة على أنّه كان لك عليه هذا [الألف]، إذا أنكر فلانٌ أن
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) في أ (فإن ردّ) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٦١١ ]
يكون استقرض من فلانٍ هذا المقِرّ شيئًا، [وجاء يدعى] (^١) الألف على المقِرّ، وكذلك قال أبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى: أقبل (^٢) قوله، ولا ضمان عليه.
وجه قولهما: أنّه أقرّ بالاقتضاء، وهو قبضٌ مضمونٌ، ثم ادّعى سقوط الضمان بادعائه القرض، فلا يقبل قوله.
وجه قول ابن أبي ليلى: أنّه أثبت الحقّ لنفسه، ثم أقرّ أنّه قبض ما هو حقّه، فلا يلزمه ردّه (^٣).
_________________
(١) في أ (وجاء به عن)، والمثبت من ب.
(٢) في ب (القول).
(٣) انظر: الأصل، ٨/ ٣٠٤ وما بعدها.
[ ٨ / ٦١٢ ]