قال أصحابنا: في جيشٍ دخلوا دار الحرب، فغنموا غنائم ولم يخرجوها إلى دار الإسلام حتى لحقهم جيشٌ آخر، فخرجوا معهم بالغنائم إلى دار الإسلام، فإنّهم جميعًا يشتركون في الغنيمة، وقال الشافعي: إذا أدركوهم بعد انقضاء القتال لم يشتركوا (^١).
لنا: ما روي أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص: (إذا أدركك جيشٌ قبل أن ينقضي القتال فهم شركاء في الغنيمة)؛ ولأنّ حقّ الغانمين لم يستقرّ فيها قبل الإحراز، بدلالة جواز الانتفاع بالطعام والعلف منها، فصار كحال القتال؛ ولأنّ كلّ حالٍ جاز للعسكر الانتفاع بالعلف والطعام، شاركهم المدد كحال القتال.
وإذا ثبت أنّهم يشاركونهم، لم ينقطع حقّ الشركة إلا بأحد معانٍ ثلاثة: أحدها: أن يُخرِج المسلمون الغنيمة إلى دار الإسلام، فمن أدركهم بعد ذلك لم يشركهم؛ لأنّ حقّهم استقر فيها بالحيازة؛ ولهذا من مات منهم انتقل إلى ورثته، ولا يجوز لأحدٍ أن ينتفع بطعام ولا بعلفٍ، وإذا استقرّ الحقّ بطلت المشاركة.
والفصل الثاني: أن يقسم الإمام الغنائم في دار الحرب، فيلحقهم المدد، فلا يشاركونهم؛ لأنّ الإمام إذا قسم فقد ملّكهم الغنيمة بالقسمة، فاستقرّ الحقّ
_________________
(١) انظر: الأم ص ١٦٢٤.
[ ٩ / ٩٦ ]
فيها، وصار ملكًا، فهو آكد من الإحراز.
والفصل الثالث: أن يبيع الإمام الغنيمة في دار الحرب، فلا يشركهم المدد في الثمن؛ لأنّه لمّا باع فقد قرّر ملك الغانمين، ألا ترى أنه لا يجوز البيع إلا في ملكٍ مستقرٍّ، وإذا استقرّ ملكهم لم يشركهم من لحق بهم.
قال: ولو أنّ جيشًا من أهل الحرب أغار في دار الإسلام، فلقيهم المسلمون، فظهروا عليهم، وأخذوا ما كان معهم من دوابّهم وسلاحهم وسلبهم، ثم لحقهم قومٌ آخرون من المسلمين، لم يشركوا الأولين؛ وذلك لأنّ هذه الغنيمة تصير محرزةً بالدار بنفس الأخذ، فتصير كغنيمة دار الحرب إذا حُمِلت إلى دار الإسلام، [فتصير الغنيمة محرزةً فيه، فلا يشركوهم].
وقد قال أصحابنا: إنّ المسلمين إذا دخلوا دار الحرب ففتحوا بلدًا منها، وقهروا أهلها واستظهروا عليهم، ثم لحقهم مددٌ، لم يشاركهم؛ لأنّ هذه البلد صارت بالقهر والغلبة من جملة دار الإسلام، فتصير الغنيمة محرزةً فيها، فلا يشاركهم من يلحقهم، كما لا يشاركهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام (^١).
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الطحاوي ٧/ ١٣٥.
[ ٩ / ٩٧ ]