قال أبو حنيفة: إذا كانتِ الدارُ بينَ رجلينِ فأرادَا قِسْمتها وفيها طريقٌ لغيرها، فأراد صاحب الطريق أن يمنعهما من القسمة، فليس له ذلك، ويُتْرَك الطريق عَرْضُه عَرْضَ [باب] (^١) الدار [الأعظم] (^٢) وطوله من باب الدار [إلى باب] الذي له الطريق، ويُقْسَم بقية الدار [بين الرجلين] على حقوقهما، ويُتْرَك هذا الطريق بينهما نصفين، ولصاحب الطريق ممرّه في ذلك، وليس له قسمة هذا الطريق إذا أسخط ذلك بعضهم إلا أن يتراضوا جميعًا، وإنّما لم يكن لصاحب الطريق منع القسمة؛ لأنّه لا حقّ له إلا في مقدار ما يجتاز فيه، وما سوى ذلك لهما (^٣) لا حقّ له [فيه]، فيجوز قسمته (^٤).
و[قد] قالوا في الساحة: إذا كان فيها طريقٌ لغير أهلها، فأرادوا أن يبنوا فيها، فليس لصاحب الطريق منعهم من البناء، ولكن يُترَك مقدار ما يجتاز فيه، ويقال لهم: ابنوا الباقي، وكذلك هذا (^٥).
[وكان ما] (^٦) بقي [من] الطريق بين الشريكين نصفين؛ لأنّ ملك البقعة
_________________
(١) في أ (ثلث)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٢) في أ (إلا عرضه)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٣) في ب (ملكهما).
(٤) انظر: الأصل ٣/ ٣٣٢.
(٥) في ب (هاهنا).
(٦) في أ (وإنما)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
[ ٨ / ٤٧١ ]
كان نصفين، ولصاحب الطريق حقّ الاجتياز، فإذا بقي ذلك لم يقسم، وبقي على ما كان عليه.
وإنّما جعل عَرْضُ الطريق على عَرْضِ باب الدار؛ لأنّه يحتاج إليه للاجتياز من الباب، فما زاد على عرض الباب لا تدعو الحاجة إليه (^١).
والذي روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "اذرعوا سبعة أذرع للطريق، فابنوا ما سوى ذلك" (^٢)، فإنّما قاله في الأرض [المحياة] (^٣) ترفع [فيها] الطريق للمارة، فيرفع لهم ما يحتاجون إليه حتى لا يضرّ بمحيي الأرض، وأمّا في مسألتنا، فالحاجة تدعو إلى الاجتياز، وذلك مقدار الباب.
وأما قوله: إنّ هذا الطريق لا يقسم [إلا] بالتراضي؛ فلأنّ في قسمته ضررًا، وهو إسقاط حقّ [الاستطراق] (^٤)، ولا يجوز إلا برضا صاحب الطريق.
قال: فإن باعوا هذه الدار وهذه الطريق برضاهم جميعًا، اقتسموا الثمن، فيضرب فيه صاحب الأصل (^٥) بثلثي الثمن (^٦)، ويضرب فيه صاحب الممر بالثلث، وكذلك إن كان في الدار مسيل ماء (^٧)، وهذا محمول على أنّ صاحب
_________________
(١) انظر: الأصل ٣/ ٣٣٣.
(٢) رواه البخاري (٢٣٤١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في أ (المجتازة)، والمثبت من ب، وهو المناسب لما في آخر العبارة (بمحي الأرض).
(٤) في أ (الطريق) والمثبت من ب.
(٥) في الأصل: (يضرب فيها أصحاب الأصل بثلثي الطريق)، ٣/ ٣٣٢.
(٦) في ب (الطريق).
(٧) أي: مسيل ماء "لرجل، فأراد أصحاب الدار قسمتها، ومنعهم صاحب المسيل القسمة، فليس له ذلك، وتيرك له مسيله، ويقسمون ما بقي من الدار بينهم على حقوقهم". كما في الأصل ٣/ ٣٣٢.
[ ٨ / ٤٧٢ ]
الاجتياز له [ملكٌ] (^١) في نفس البقعة، فيساوي الشريكين فيها، فكانت بينهم أثلاثًا، فيقسم الثمن على ذلك.
وأمّا إذا كان ملك البقعة للشريكين، وللآخر حق الاجتياز، فباعاها بإذنه، فكان أبو الحسن يقول: الثمن لهما، وقد سقط حقّ صاحب الاجتياز؛ لأنّه حقٌّ لا يجوز أخذ العوض عليه، ألا ترى أنّ بيع الطريق لا يصحّ، فلما أذن لهما في البيع أسقط الحقّ الثابت له، ولا عوض، فسقط حقّه بغير شيءٍ.
وقد روي عن محمدٍ أنّه قال: يضرب كلّ واحدٍ منهما بحقّه من البقعة، ويضربُ صاحب الطريق بحقّ الاستطراق؛ لأنّ الحقّ متعلّقٌ بالبقعة على وجه التأبيد، فصار [كملك] (^٢) جزءٍ منها، ومعنى هذا أنّ الأرض التي لا طريق فيها لها قيمةٌ، فإذا كان فيها طريقٌ لغير أهلها نقصت قيمتها، فيضرب صاحبُ الطريق بفضل القيمة [بين] (^٣) الأرض إذا لم يكن فيها طريقٌ، وبينها إذا كان فيها طريقٌ، ويضرب كلّ واحدٍ من الشريكين بنصف قيمة البقعة إذا كان فيها طريقٌ، ويقتسمون على ذلك.
قال: وإذا كانت الدار فيها طريقٌ لرجلٍ، وفيها طريقٌ لآخر من [ناحيةٍ] (^٤) أخرى، فليسَ لهما [أيضًا] أن يمنعا القسمة، ويعزل لهما طريقٌ واحدٌ عرضه عرض باب الدار إلى باب كلّ واحدٍ منهما، ويقسم باقي الدار بين أهلها؛ وذلك لأنّ صاحب الطريق لا يتعلّق حقّهُ بكلّ البقعة، وإنّما يتعلق بقدر ما يستطرق فيه،
_________________
(١) في أ (ذلك)، والمثبت من ب، السياق يقتضيه.
(٢) في أ (كل)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
(٣) في أ (من)، والمثبت من ب.
(٤) في أ (ساحة) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٧٣ ]
ويمكن أن يستطرقا بقعةً واحدةً إلى حيث يختلف أبوابها، ثم ينفرد كلّ واحدٍ منهما بطريقٍ، فلم يجز أن يجعَل لكلّ واحدٍ منهما طريقًا مفردًا؛ لِمَا في ذلك من الضرر بصاحب الدار، فيجعل لهما طريقًا واحدًا، ويقسم باقي الدار.
قال: ولو كان لرجل صُفّةٌ (^١) في دارٍ، وطريقٌ إلى باب الدار، وما بقي بين الورثة، فأرادوا قسمتها، كان لهم ذلك، ورفع الطريق قدر عرض باب الدار إلى باب الصُّفَّة، وتكون ما بقي من الدار بعد الصفة والطريق يقسم بين أهل الدار على المواريث.
فإن كان باب الصفة أعرض من باب الدار، فأراد صاحب الطريق أن يكون عرض الطريق عرض باب الصفة، فليس له ذلك، ولكن الطريق عرضه عرض باب الدار؛ لأن الطريق إذا كان أعرض من باب الدار، لم يمكن أن يجتاز فيه ما يزيد عرضه على عرض الباب، فلا فائدة في الزيادة.
فإن أراد صاحب هذا المنزل أن يفتح في هذا الطريق بابًا آخر (^٢)، كان له ذلك، وليس يستحق ببابين وثلاثة من الطريق إلا ما يستحق بواحدٍ؛ وذلك لأنّ فتحه الباب في حائطه إلى الطريق ليس بأكثر من رفع حائطه، ولو رفع حائطه جاز، فكذلك إذا فتح فيه بابًا.
قال: ولو كان هذا المنزل بين رجلين قسماه بينهما، وجعل كلّ واحدٍ منهما طريقًا على حدةٍ في هذا الطريق، كان جائزًا، وكان ذلك لهما، ولا يمنعهما [من] ذلك أهل الطريق؛ لما بيّنا أنّ فتح الباب تصرّفٌ في حائطه على ملكه، واستطراقهما
_________________
(١) "الصُّفَّة من البيت، جمعها صُفَفٌ"، والمقصود بها هنا: المكان المظَلَّل. انظر: المصباح (صفف).
(٢) هنا في أ فقط زيادة (ثلاثًا)، والسياق يدل أنها زائدة.
[ ٨ / ٤٧٤ ]
من بابين كاستطراقهما من بابٍ واحدٍ.
قال: ولو كان صاحب المنزل واحدًا، واشترى دارًا من وراء هذا المنزل، وفتحها إلى هذا المنزل وهذا الطريق، فإن أبا حنيفة قال: إن كان ساكن الدار والمنزل واحدًا، فله أن يمر في الدار وفي المنزل وفي الطريق الموضوعة (^١) بينهما، وإن كان للدار ساكنٌ وللمنزل ساكنٌ، فليس [لصاحب] الدار أن يمرّ في الطريق؛ وذلك لأنّ الساكن إذا كان واحدًا فهو يستطرق من الدار إلى المنزل، وليس لأهل الطريق منع ذلك، ثم يستطرق من المنزل إلى الطريق كما كان يستطرق قبل فتح الدار.
وإذا كان [الساكن] في الدار آخر، فليس له الاستطراق إلى المنزل، وإنّما هو يستطرق من الدار إلى الطريق، ولا حق لتلك الدار في هذا الطريق.
قال: ولو اختصم أهل الطريق في الطريق، وادّعى كلّ واحدٍ منهم أنّه له، فإنّ أبا حنيفة قال: هو بينهم (^٢) بالسوية، ولا يُجعَل [بينهم] على قدر ما في أيديهم من ذرع الدار والمنزل؛ لأنّهم تساووا في التصرف فيه بالاستطراق، فتساووا في استحقاقهِ؛ ولأنّ الاستطراق من الذرع الكثير كالاستطراق من الذرع اليسير؛ فلهذا جوّزنا لصاحب المنزل أن يفتح إليه [بابًا] (^٣) ويستطرق منه؛ لأنّه لا يزيد حقّه في الطريق، وإن استطرق من ذرعٍ كثير.
وقالوا: إذا اختلف الساكنان في الدار [والمنزل]، لم يجز؛ لأنّهما إذا
_________________
(١) في ب (المرفوع).
(٢) هنا في أ فقط زيادة (ثلاثًا) والسياق يدل على أنها زائدة.
(٣) في أ (دارًا) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٧٥ ]
استطرقا استحقّ كلّ واحدٍ منهما حقًا من الطريق بتصرفه، فأضرّ ذلك بأهل الطريق.
قال: ولو عُرِف أصل (^١) الطريق كيف كان بينهم، جعلته على ذلك؛ لأنّ الحكم بالتساوي في التصرف بالظاهر، فإذا عرف باطن الملك بخلاف الظاهر، وجب أن يُحكَم به.
قال: فإن كانت الدار لرجلٍ واحدٍ فيها طريقٌ لآخر، فمات صاحب الدار، فورثها ورثته فاقتسموا [الدار] بينهم، ورفعوا الطريق لصاحب الطريق ولهم، ثم باعوه وأرادوا قسمة ثمنه، فلصاحب الطريق نصفه، وللورثة نصفه.
وإن لم يُعرَف أنّ الدار كانت بينهم ميراثًا، وجحدوا ذلك، فإنّ الطريق بينهم على قدر أرباب الأنصباء، وإن كانوا أربعة وصاحب الطريق واحدًا، فهو بينهم أخماسًا؛ وذلك لأنّهم إذا (^٢) ورثوا الدار من واحد، فالورثة تقوم مقامه في الاستحقاق، فكأنّه حضر وخاصم صاحب الطريق، فيضرب له بسهمٍ (ولصاحب الطريق بسهمٍ) (^٣)، وتستحقّ الورثة ما كان للميت من ذلك.
وأما إذا لم يُعلم أنّها ميراث، فلكلّ واحدٍ منهم قد ثبت له حقّ الاستطراق كما يثبت للآخر، والتساوي في التصرف يوجب التساوي في الاستحقاق.
قال: فإذا قسم القوم دارًا فيها كنيف شارع على الطريق العظمى أو ظُلَّةٌ على الطريق العظمى، فليس يحتسب ذرع (^٤) الظُلّة ولا الكنيف من ذرع الدار، ولو كان ذلك على طريق غير نافذٍ كان ذرعه يحتسب من ذرع الدار؛ وذلك لأنّ
_________________
(١) في ب (أهل).
(٢) في ب (لما).
(٣) فيما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٤٧٦ ]
الكنيف والظّلة إذا كانت على الطريق، فوضعها ليس بحقٍّ ثابتٍ، ألا ترى أنّ عند أبي حنيفة: لكلّ واحدٍ من المسلمين الخصومة في إزالتها، وعند أبي يوسف ومحمدٍ: وإن لم يكن لهم الخصومة إذا لم يضر فلا ملك لصاحبها في البقعة، فلم يكن لصاحب الدار فيها حقٌّ إلا بالقبض (^١)، فوجب أن يحتسب بقيمة ذلك في القسمة دون الذرع.
وأمّا إذا كانت على طريقٍ غير نافذٍ، فهي موضوعة لحقٍّ واجبٍ؛ بدلالة أنّه ليس لأحد قلعها، فصارت كعلو الدار، فتحسب بذرعها.
وقد قال أبو حنيفة: إنّه يحسب في القسمة كلّ ذراعٍ من السفل الذي لا علو له [بذراعين] (^٢) من العلو الذي لا سفل له.
وقال أبو يوسف: كلّ ذراعٍ من السفل بذراعٍ من العلو (^٣).
وقال محمدٌ: يقسم على القيمة دون الذرع.
وأصحابنا يقولون: إنّما أوجب (^٤) أبو حنيفة على العادة التي عرفها بالكوفة من اختيارهم السفل على العلو، وأجاب محمدٌ على حكم سائر البلاد.
لأبي حنيفة: أنّ السفل له منفعتان: منفعة السكنى و[منفعة] البناء، والعلو له منفعةٌ واحدةٌ، وهو السكنى دون البناء؛ لأنّ من أصله أنّ صاحب العلو لا يبنى
_________________
(١) في ب (النقض).
(٢) في أ (بذراع)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق؛ إذ لو كانت العبارة (بذراع)، لكان موافقًا لقول أبي يوسف بعد، ولما فصل عنه. انظر: الأصل، ٣/ ٢٧٨.
(٣) ذكر في الأصل بطريقة أخرى: "وقال أبو يوسف: يحسب العلو بالنصف، والسفل بالنصف، يُنظر كم جملة ذراع كل واحد منهما، فيطرح النصف النصف من ذلك". ٣/ ٢٧٨.
(٤) في ب (أجاب).
[ ٨ / ٤٧٧ ]
إلا برضا صاحبِ السفل؛ ولذلك جعل الذراع من السفل بذراعين من العلو، حتى يكون منفعتان بإزاء منفعتين.
وأمّا أبو يوسف فيقول: إنّ صاحب العلو يسكن ويبني، وصاحب السفل يسكن ويبني، فتساويا في الانتفاع، وكذلك في ذرع القسمة.
فأمّا محمد فقال: إنّ من البلاد ما يفضل العلو على السفل، كمكة وما والاها، ومنها ما يفضل السفل على العلو كبغداد والكوفة، فوجب أن يعتبر في كلّ واحدٍ منهما بالعادة فيه.
والعمل في هذه المسألة على قول محمدٍ؛ لاختلاف حال البلاد في ذلك، فعلى هذا قال أبو حنيفة: إذا ذرعت مائة ذراعٍ من السفل [الذي] له العلو، ومائة ذراع من السفل الذي لا علو له، حسبتها بستةٍ وستين ذراعًا وثلثين؛ لأنّ العلو عنده بنصف السفل، فسقط من ذرع السفل المنفرد الثلث، ثم يذرع العلو الذي لا سفل له، فإذا كان مائة ذراعٍ حسبته بثلاثةٍ وثلاثين وثلث؛ لأنّ العلو المنفرد له منفعةٌ واحدةٌ، والسفل مع علوه ثلاث منافع، فجعل هذا على الثلث من ذلك.
وقال أبو يوسف: إذا ذرعت مائة ذراع من السفل الذي لا علو له، جعلتها خمسين ذراعًا من السفل والعلو، فكذلك العلو المنفرد.
قال ابن الوليد: وكنت أنظر إلى المواضع التي [يتفاضل فيها السفل والعلو] (^١)، فأقوّمه على قدر ذلك، وقد رأيت أصحابنا يستحسنون ذلك، وهذا على قول محمدٍ (^٢).
_________________
(١) في أ (التي تتفاضل فيها السفل وتتفاضل فيها العلو)، والمثبت من ب، وهو الصحيح في العبارة، لأنّ المسألة في التفاضل بين السفل والعلو، لا في تفاضل السفل بعضه على بعض.
(٢) انظر: الأصل، ٣/ ٣٣١ وما بعدها.
[ ٨ / ٤٧٨ ]