قال أصحابنا: إذا أذن لعبده في التجارة، فما لحقه من دينٍ من شراءٍ أو بيعٍ، أو استئجارٍ أو أجرةٍ، أو من غَصْبٍ، أو من وَدِيْعَةٍ، أو [من] مُضَارَبةٍ، أو [من] بِضَاعةٍ، أو [من] عَاريةٍ، فجحوده لشيء (^١) من ذلك، أو دابّةٍ عقرها، أو ثوبٍ خرقه، أو مهر جاريةٍ اشتراها فوطئها، فاستُحِقّت [عليه]، فهذا كلّه لازمٌ له يباع فيه، إلا أن يفديه مولاه (^٢).
قال ﵀: [وجملة هذا] أنّ كلّ تصرّفٍ يتضمّن الإذن، فما يلحقه فيه من الدين يتعلق برقبة المأذون، فيبيعه الحاكم فيه، إلا أن يفديه المولى؛ وذلك لأنّه حقٌّ يمكن استيفاؤه من الرقبة، فإذا لزم العبد بسببٍ ثابتٍ في حقّ مولاه استوفى من رقبته كالجناية؛ ولأنّ تصرّف العبد موقوفٌ على إذن المولى، فلا يخلو: إمّا أن يكون وقوف (^٣) الإذن ليثبت الدين في رقبته، أو ليثبت في ذمّته، ولا يجوز أن يقف التصرّف على إذن المولى ليثبت الدين في الذمّة؛ لأنّ المحجور لو تصرّف بغير إذن مولاه يثبت الدين في ذمته، فلم يبق إلا أن يكون التصرّف وقف ليثبت الدين في رقبته.
وقد قال أصحابنا: إنّ ديونه تُستَوفى من اكتسابه ورقبته، ولا شبهة في
_________________
(١) في ب (لسائر).
(٢) انظر: الأصل ٨/ ٥٣٦.
(٣) في ب (وقف).
[ ٨ / ٥١١ ]
استيفائها من الكسب؛ لأنّ الديون سببٌ (^١) في حصول الاكتساب فيستوفى منها كديون الحرّ.
وإذا ثبت أنّ الدَّيْنَ يتعلّق بالرقبة وهى مالٌ، بيعت فيه كالرهن.
وأمّا إن أدّى المولى الديون لم يجز البيع؛ لأنّه لا حقّ للغرماء إلا في ذممهم، فإذا استوفوا، لم يبق لهم حقٌّ في المطالبة بالبيع.
وقد ذكر أبو الحسن جهات الديون المتعلّقة بالإذن: فذكر الشراء والبيع، وهذا مضمون الإذن، وذكر الاستئجار والإجارة من التجارة، وذكر الغصب، وهو ضمان مالٍ متعلّقٌ بالقبض، كالمقبوض على وجه بيعٍ فاسدٍ، والوديعة والمضاربة والبضاعة والعارية إذا جحدها: [فهي] (^٢) غصبٌ، والمأذون يملك من التصرّف ما جرت به عادة التجار، وقد جرت عادتهم بقبول الودائع، وأخذ المضاربة والبضاعة، فما يلحق بذلك من الضمان يتعلّق بسبب إذن المولى فيه، فيصير (^٣) كالبيع والشراء.
وأمّا المهر، إذا اشترى جاريةً فوطئها ثم استُحِقّت، فهذا الضمان متعلّقٌ بعقد البيع، ألا ترى أنّه لولا البيع لوجب عليه الحدّ، والضمان المستند إلى البيع يلزم المأذون في الحال، وهذا لا خلاف فيه.
وإنّما اختلف أصحابنا في المأذون إذا أقرّ أنّه افتضّ جاريةً [بِكرًا] بإصبعه، فقال أبو حنيفة ومحمدٌ: لا يلزمه في الحال؛ لأنّه غير متعلّقٍ بالتجارة، وقال أبو
_________________
(١) في ب (تثبت).
(٢) في أ (يبقى) والمثبت من ب.
(٣) في ب (فهو).
[ ٨ / ٥١٢ ]
يوسف: يلزمه في الحال؛ لأنّه مالٌ يتعلّق ضمانه بالفعل كالغصب.
و[قد] قال أبو حنيفة ومحمدٌ: فيمن غصب جاريةً بِكْرًا وذهب بعُذْرتها (^١)، فإن ضمّنه المولى نقصان البكارة بالغصب ضمنه في الحال، وإن ضمّنه بالوطء لم يلزمه حتى يعتق؛ لأنّ الغصب ضمانه ضمان التجارة، والوطء ليس هو من ضمان التجارة (^٢).