قال: وإذا خوصم العبد في دينٍ ادُّعي عليه وهو ممّا بيّنت لك أنّه يلزمه في رقبته وكسبه، وجحد ذلك، وشهد عليه شهودٌ بإقراره بذلك، أو شهدوا عليه ببيعٍ أو شراءٍ أو إجارةٍ، فأنكر ذلك العبد، ومولاه غائبٌ، فالشهادة عليه جائزةٌ في جميع ذلك، ويقضي عليه القاضي بذلك كلّه، ولا يلتفت إلى غيبة المولى.
وكذلك الصبي والمعتوه المأذون لهما في التجارة، يجوز عليهما الشهادة، ولا يلتفت إلى غيبة الآذن لهما؛ وذلك لأنّ المأذون فيما يتصرّف فيه كالحرّ، بدلالة أنّه لا يرجع بالضمان على غيره، فإذا قامت عليه البيّنة، لم يعتبر حضور غيره، كما لا يعتبر في الحرّ.
قال: وإذا كان العبد محجورًا عليه، فشهد عليه شاهدان بغصبٍ غصبه، أو بوديعةٍ استهلكها، أو مضاربةٍ استهلكها، أو بضاعةٍ، وجحد ذلك كلّه، وشهد عليه شاهدان بمعاينة ذلك، ولم يشهدوا على الإقرار، فإن كان المولى غائبًا، فإن القاضي لا يقضي على العبد بشيءٍ من ذلك حتى يحضر المولى، فإذا حضر قضى على العبد بالغصب.
وأما المضاربة والبضاعة والوديعة، فإنّ القاضي لا يقضي عليه بشيءٍ من ذلك وإن حضر مولاه حتى يعتق؛ وذلك لأنّ المحجور لا يملك الخصومة، ولا يجوز سماع البيّنة عليه، وهو لا يقدر على دفعها بالمخاصمة، فإذا حضر المولى
[ ٨ / ٥٥٢ ]
قضي عليه بالغصب؛ لأنّه ليس بمحجورٍ في أفعاله.
فأمّا الوديعة والمضاربة، فعند أبي حنيفة ومحمدٍ: لا يقضى بها؛ لأنّ من أصلهما أنّ العبد المحجور لا يضمنها إلا بعد العتق، فلا معني للقضاء بها.
وأمّا على قول أبي يوسف: فإنّ العبد يضمنها كما يضمن الغصب، فيُقضَى بها عليه.
قال: وإن كان الشاهدان شهدا عليه بإقراره في بعض ما وصفت، ولم يشهدوا بمعاينة شيءٍ من ذلك، لم يُقضَ على العبد بشيءٍ من ذلك حتى يعتق وإن كان مولاه حاضرًا؛ لأن المحجور لا يتعلّق بإقراره حكمٌ، فلم يجز القضاء عليه بالإقرار.
قال أبو حنيفة ومحمدٌ: إذا شهد على المأذون بقتلِ عمدٍ، أو قذفٍ، أو زنًا، أو شرب خمر، فإن كان المولى حاضرًا قضى القاضي (^١) عليه بذلك، وإن كان المولى غائبًا والعبد يجحد ذلك لم يقض عليه بشيءٍ من ذلك حتى يحضر مولاه.
وقال أبو يوسف: يقضى عليه [بذلك].
وجه قولهما: أنّ هذه البينة يتعلّق (^٢) بها استحقاق رقبة العبد، أو استحقاق (^٣) جزءٍ منها، أو استحقاق إزالة يد المولى عنه [ليحدّ]، ولا يجوز القضاء باستحقاق الرقبة، ولا باستحقاق جزءٍ منها، ولا بإزالة اليد إلا بعد حضور المولى.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في ب (يقع).
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٥٣ ]
وجه قول أبي يوسف: أنّ العبد في هذه الأحكام كالحرّ، بدلالة أنّه لو أقرّ بها نفذ إقراره، فتُسمَع عليه البيّنة كما تُسمع على الحرّ.
قال: فإن كانوا شهدوا عليه بإقراره، وهو يجحد، لزمه القَوَدُ والقذف، ولم يلزمه ما سواهما؛ لأنّ الرجوع عن الإقرار بالقصاص والقذف لا يُقبَل، والرجوع عن الإقرار ببقية الحدود مقبولٌ، فجحوده كرجوعه.
قال: ولو شهد الشهود على صبيٍّ مأذونٍ له، أو معتوهٍ مأذونٍ له بقتلِ عمدٍ أو بقذفٍ أو بشرب خمرٍ أو بزنًا، ومن أذن لهما حاضرٌ، لم يلزمه من ذلك شيءٌ إلا بالقتل، فإنّ على عاقلته الدية؛ لأنّ الصبي والمعتوه لا يجب عليهما الحدود، فلا معنى للشهادة عليهما بأسبابهما، وأما القتل فعمده عندنا في حكم الخطأ، فيلزم العاقلة.
قال: وإن كان الشهود شهدوا بإقرارٍ لبعض ما ذكرنا، لم يجز؛ لأنّ قول الصبيّ لا يتعلّق به حكمٌ، فوجوده وعدمه سواءٌ.
قال: ولو شهد على المأذون شاهدان بسرقة عشرة دراهم، وهو يجحد، فإن كان مولاه حاضرًا قطع ولم يضمن السرقة، إلا أن تكون قائمةً بعينها، فترد، وإن كان المولى غائبًا ضمن العبد السرقة ولم يقطع؛ وذلك لأنّ المولى إذا حضر فالشهادة بالسرقة شهادةٌ باستحقاق [يده]، فتُسمَع البيّنة على المولى كما تُسمَع باستحقاق نصفه أو ثلثه.
وأمّا الضمان؛ فلأنه لا يجتمع عندنا مع القطع، فإن كانت العين قائمةً رُدّت، وإن كانت هالكةً فلا ضمان.
[ ٨ / ٥٥٤ ]
وأمّا إذا غاب المولى، فالشهادة بالمال مقبولةٌ؛ لأنّ المأذون يملك الخصومة في المال، ولا يجوز القضاء بالقطع مع غيبة المولى لما قدّمنا، فيقضى بالمال دون القطع.
ولو شهدا على سرقة أقل من عشرة دراهم ضمّنه القاضي السرقة (^١) ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة المولى ولا إلى حضوره؛ لأنّ القطع لا يتعلّق بسرقة ما دون العشرة، فالخصومة إنّما هي في الضمان، والمأذون يملك الخصومة في المال، فتسمع البيّنة.
قال: ولو كان المشهود عليه صبيًا أو معتوهًا شهد عليه بسرقة عشرة دراهم، (ضمنه القاضي ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة الذي أذن له؛ لأنّ الصبيّ والمعتوه لا يلزمهما حدٌّ، والخصومة إنّما هي في الضمان، والصبيّ المأذون يملك المخاصمة في ذلك، فسمعت البيّنة عليه.
قال: ولو شهدوا على إقرار المأذون بسرقة عشرة دراهم) (^٢)، وهو يجحد، فإنّ القاضي يلزمه ضمان السرقة وإن كان المولى (^٣) غائبًا؛ لأنّ إقرار المأذون بالمال جائزٌ، وهو خصمٌ فيه، والقطع لا يثبت مع جحوده كما لا يثبت بعد (^٤) رجوعه، فلم يبق إلا المال، وهو خصمٌ فيه.
قال: ولو كان العبد محجورًا عليه، فشهد عليه بسرقة عشرة دراهم، وهو
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٣) في ب (المالك).
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
يجحد، فإن كان المولى غائبًا لم يقض عليه القاضي بشيءٍ من ذلك حتى يحضر مولاه، فإن حضر وشهد عليه شاهدان، قضى القاضي بقطع الغلام وردّ السرقة إن كانت [قائمةً] بعينها؛ لأنّ المحجور لا يملك الخصومة في المال، فلا تسمع عليه البيّنة مع غيبة المولى في القطع، ولا في الردّ.
وإذا حضر (^١) المولى سمعت عليه البيّنة في القطع، ووجوب القطع يُسقِط [الضمان].
قال: ولو كانت الشهادة على إقرار العبد، وهو يجحد ذلك، فالشهادة باطلةٌ، ولا يُقضَى عليه بشيءٍ من قطعٍ ولا ضمانٍ، كان المولى غائبًا أو حاضرًا؛ لأنّ الشهادة لا تسمع في إقرار السارق مع جحود السارق لمعنًى يعود إلى إثبات القطع؛ لأنّه يسقط بالرجوع، وإذا لم يثبت القطع لهذه البيّنة، لم يثبت المال بإقرار المحجور؛ لأنّا نثبته تبعًا للقطع، وقد سقط القطع، فسقط المال بالتابع له (^٢).
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) (بالتابع له) سقطت من ب.
[ ٨ / ٥٥٦ ]