[قال]: وإذا جاء الرجل بالعبدِ إلى السوق، فقال: هذا عبدي فبايعوه، وقد أذنت له في التجارة، فبايعه أهل السوق ولحقه دينٌ، ثم عُلِم بعد ذلك أنّ العبد كان حرًا، أو مُدبّرًا، أو مُكاتَبًا، أو كانت أمةً فكانت أمّ ولدٍ، أو اسْتُحِقّ العبد، فإنّ على الذي أمرهم بالمبايعة الأقلّ من قيمة العبد ومن الدين، وإن شاؤوا رجعوا بدينهم على الذي ولي مبايعتهم إن كان حرًا، فإن كان عبدًا، أو مُدبّرًا، أو مُكاتَبًا، أو كانت أمّ ولد، لم يرجعوا عليه بشيءٍ حتى يعتق، فإذا أعتق اتّبعوه ببقيّة دينهم؛ وذلك لأنّه [لمّا] أضاف العبد إلى نفسه، وأمرهم بالمبايعة، فصار [غارًّا] (^٢) لهم في البيع؛ لأنّ ذلك يقتضي أن يستوفوا ديونهم من ثمنه، فإذا كان حرًا أو مكاتبًا أو عبدًا لغيره تعذّر الاستيفاء، وثبت [به] الغرور، والغرور يتعلق به الضمان [كمن زوّج رجلًا أمةً على أنّها حرّةٌ، ولا بدّ في إثبات الضمان] من شرطين: أحدهما إضافة العبد إلى نفسه، والثاني أمرهم بالبيع.
وإن أضاف العبد إلى نفسه وأخبرهم أنّه أذن له، ولم يأمرهم بالبيع، لم يرجعوا عليه؛ لأنّه أخبرهم [بحاله] (^٣)، ولم يأذن لهم في مبايعته، وأمّا إن أمرهم
_________________
(١) "الغُرُورُ: هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع"، كما في التعريفات (غرر)؛ منه بيع الغَرَر - الخطر: وهو ما كان مستور العاقبة، أو ما عرفه البعض أنه: "بيع ما له ظاهر تؤثره، وباطن تكرهه"، أو هو: "ما خيفت عاقبته، أو تردد بين الحصول والفوات". انظر: التعريف؛ المصباح؛ معجم المصطلحات الاقتصادية (غرر).
(٢) في أ (إجازة)، والمثبت من ب.
(٣) في أ (بماله) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٥٤٨ ]
بمبايعته ولم يقل [لهم]: إنّه عبدي، فلا ضمان عليه؛ لأنّ الأمر بالبيع ليس فيه استيفاء الدين من الثمن، ولم يثبت الغرور، وإنما قال: إن العبد إذا كان حرًا فلهم الرجوع عليه في الحال؛ لأنّ الدين لزمه بالعقد، ولزم الغار بالغرور، فصار كالكفيل عنه، فلهم أن يرجعوا على أحدهما.
وأمّا إذا كان مستَحَقًا أو مكاتبًا أو مدبرًا، فالرجوع عليه في الحال لا يمكن، فلم يبق إلا الرجوع على الغار.
وأمّا إذا أعتقوا، رجع عليهم بالباقي من الدين؛ لأنّ الذمّة صحّت بالعتق.
فإن كان الغار لم يدر شيئًا، رجع الغرماء عليهم بالجميع؛ لأنّ الغار في الحكم كالكفيل بالدين، فإذا طولب وتوى (^١) ما عليه، لم يمنع ذلك من مطالبة المكفول عنه.
قال: فإن كان جاء به إلى السوق، فقال: إن هذا عبدي فبايعوه، فقد أذنت له في التجارة، أو لم يقل: قد أذنت له، فهو سواءٌ، وهو غارٌّ؛ لأنّه لمّا أمرهم بالبيع أمرًا عامًا فقد ثبت الإذن سواءٌ صرّح به أو سكت عنه.
قال: وسواءٌ أمر بمبايعته بتجارةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ، فمن بايعه بتلك الخاصّة أو غيرها فهو مغرورٌ، وليس للمولى أن يقول: إنّما أذنت لكم في مبايعته التمر (^٢)، فمن بايعه غير التمر فلا ضمان له عليّ، ولا يُلتَفت إلى قوله؛ وذلك لأنّ إذن المولى في نوعٍ (^٣)، إذنٌ في كلّ الأنواع، والتخصيص لا يتعلّق به فائدةٌ.
_________________
(١) توى: هلك. انظر: القاموس المحيط (توي).
(٢) في ب (البز)، وكذا في الموضع التالي.
(٣) في أ (كل نوعٍ)، بزيادة (كل)، وقد سقطت من ب، والسياق لا يقتضيها.
[ ٨ / ٥٤٩ ]
وليس هذا كمن قال لرجلٍ: ما بايعت فلانًا من البَزِّ فهو عليّ، لم يضمن ما سوى البرّ؛ لأنّ الضمان يثبت هناك بصريح الكفالة، فوجب اعتبار ما نص عليه، وهاهنا ليس بصريح (^١) الكفالة، وإنّما يثبت من طريق الحكم الضمان لأجل الغرور، والغرور عامٌّ وإن اختصّ الإذن، ألا ترى أن شراء المأذون يجوز فيما خصّ له وفيما لم يخصّ.
قال: ولو كان (^٢) قال لهم: هذا عبدي فبايعوه، فقد أذنت له في التجارة، ثم إنّ المولى دبّره بعد ذلك، ثم لحق الدينُ العبدَ بعد التدبير، لم يضمن المولى من ذلك الدين قليلًا ولا كثيرًا؛ وذلك لأنّه لم يغرّهم في شيءٍ، ألا ترى أن العبد كان على ملكه، فإذا لم يكن غرورٌ، فقد دبره ولا حقّ لهم في رقبته، فلم يتلف عليهم شيئًا (^٣)، فلا يضمن.
وكذلك لو أعتقه ثم بايعوه؛ لأنّهم اغتروا حين ظنوا أنّه يبقى على الرّقّ، ولم يغرّهم المولى، فلا يضمن.
قال: ولو كان القائل لهم عبدًا محجورًا، فلا ضمان عليه حتى يعتق؛ لأنّ ضمان الغرور يجري مجرى ضمان الكفالة، وكفالة العبد [المأذون] لا تلزمه إلا بعد الحريّة.
قال: ولو كان الآذن (^٤) له حرًا، والذي أمرهم بمبايعته عبدًا مأذونًا له في
_________________
(١) في ب (لم يصرح).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٤) في ب (المأذون).
[ ٨ / ٥٥٠ ]
التجارة، أو مُكاتَبًا، أو صبيًّا حرًّا قد أذن له أبوه في التجارة، فلا ضمان على الآمر في ذلك إن كان الذين بايعوه علموا أو لم يعلموا؛ وذلك لأنّ ضمان الغرور قد بيّنا أنه يجري مجرى ضمان الكفالة، فلا يلزم المأذون ولا المُكاتَب ولا الصبي.
فأمّا المأذون والمكاتب، فيلزمهما [ضمان] بعد الحريّة؛ لأن قولهما صحيحٌ، وإنّما لم يضمنا لحقّ المولى، وقد سقط حقّ المولى بالعتق.
وأمّا الصبي، فليس له قولٌ صحيحٌ، فلا يلزمه الضمان بالغرور في الحال ولا بعد البلوغ (^١).
_________________
(١) انظر: الأصل ٨/ ٥٦٠ وما بعدها.
[ ٨ / ٥٥١ ]