قال محمدٌ: إذا كانت دارٌ بين رجلين نصفين، فاقتسماها، فأخذ أحدهما الثلث من مقدّمتها وقيمته ستمائة، وأخذ الآخر الثلثين من مؤخّرها، وقيمتها ستمائة، ثم استحقّ نصف ما في يد صاحب المقدّم، فإنّ أبا حنيفة قال في هذا: يرجع صاحب المقدّم على صاحب المؤخّر بربع ما في يده، وقيمة ذلك مائة وخمسون دينارًا (^١)، وإن شاء نقض القسمة، وهو قول محمدٍ.
وقال أبو يوسف: يردّ ما بقي في يديه، ويبطل القسمة، ويكون ما بقي في أيديهما بينهما نصفين.
وقد نقل الحاكم في هذه المسألة قول محمدٍ مع قول أبي يوسف، والصحيح ما ذكره أبو الحسن؛ لأنّ ابن سَمَاعة كتب إلى محمدٍ فقال له: قولك في هذا مثل قول أبي حنيفة؟ فقال: نعم.
وجه قولهما: أنّ القسمة فيها معنى البيع، ومعلومٌ أنّ المتبايعين إذا استُحِقّ بعض نصيب أحدهما، كان بالخيار: إن شاء أمسك الباقي ويرجع بحصّته، وإن شاء فسخ البيع، وكذلك القسمة؛ لأن الاستحقاق إذا حصل في نصف ثلث المقدّم، بقي للمستحقّ عليه نصف الثلث، وبقي حقٌّ له فيما في يد الآخر.
ولو كانت الدار ابتداءً بينهم: الثلث المقدّم منها للمستحِقّ نصفه، وللشريكين
_________________
(١) في ب (درهمًا).
[ ٨ / ٤٨٥ ]
نصفه، والثلثان بينهما، جاز أن يبتدأ بالقسمة، فيأخذ أحدهما نصف الثلث المقدم، ويُبقي لنفسه ربع الثلثين مع شريكه، فإذا جاز ابتداء القسمة على هذا الوجه، جاز البقاء.
لأبي يوسف: أنّ الاستحقاق تبيّن به أنّه كان لهما شريكٌ ثالثٌ في الدار، ومعلومٌ أنّ الدار إذا كانت بين ثلاثةٍ واقتسمها اثنان منهم، فالقسمة باطلةٌ، كذلك هذا، ولأنّ هذا الاستحقاق يؤدي إلى إثبات الشيوع (^١) في النصيبين، ألا ترى أنّ المستحَقّ عليه يصيرُ شريكًا للمستحِقّ، ثم رجع على شريكه فيشركه فيما في يده، وإذا أدّى إلى الإشاعة في النصيبين صار كالشريك الثالث.
والجواب: أنّ الشريك الثالث يثبت حقّه في جميع الدار، فلا يجوز أن تصحّ القسمة من دونه، وليس كذلك الاستحقاق من مكانٍ بعينه؛ لأنّه لا يؤدي إلى الإشاعة [في] كلّ الدار، فكما يصحّ أن يبتدأ القسمة على هذا الوجه، فكذلك البقاء، وإنّما (^٢) رجع صاحب الثلث المقدّم [بربع] (^٣) ما في يد صاحب الثلثين؛ لأنّه لو استحق جميع الثلث رجع بنصف الثلثين، فإذا استحقّ نصفه، رجع بالربع؛ ولأنّ الدار كان قيمتها ألفًا (^٤) ومائتين، فلما استحقّ نصف المقدّم تبيّنا أنّ المشترك بينهما [تسعمائة] (^٥)، لكلّ واحدٍ منهما أربعمائة
_________________
(١) في ب (الإشاعة).
(٢) في ب (وإن).
(٣) في أ (برفع) والمثبت من ب.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٥) في أ (سبعمائة)، والمثبت من ب، وهو المناسب في السياق، وفيه (لكل واحدٍ منهما أربعمائة وخمسون).
[ ٨ / ٤٨٦ ]
وخمسون، (وفي يد صاحب المؤخّر ستمائة، فقد فضل معه مائةٌ وخمسون) (^١)، وذلك ربع ما في يده.
قال: ولو كان صاحبُ المقدّم باع نصف ما في يده، واستحقّ النصف الباقي، فله أن يرجع [على صاحبه] في قول أبي حنيفة ومحمد، بربع ما في يده.
وفي قول أبي يوسف: يغرم نصف قيمة ما باع، [ويضمّ] (^٢) ما بقي إلى الثلثين، فيقتسمانه نصفين.
أمّا على أصلهما: فالقسمة لا تنفسخ بالاستحقاق، وإنّما يثبت للمستحَقّ عليه الخيار، فإذا باع بعض (^٣) نصيبه سقط خياره، فلم يبق إلا الرجوع.
فأمّا على قول أبي يوسف: فالقسمة فاسدةٌ، فإذا باع أحدهما ما حصل في يده بعقدٍ فاسدٍ [نفذ] (^٤) بيعه، كما يحصل في يده ببيعٍ [فاسدٍ]، ويجب عليه نصف قيمته؛ لأنّ الذي باعه حصل له بعضه بحقّ الملك وبعضه على طريق العوض، فيردّ نصف قيمته ويقتسمان ما بقي نصفين.
قال: فإن كانت مائة شاة بين رجلين نصفين، فاقتسما وأخذ أحدهما أربعين شاةً تساوي خمسمائة، وأخذ الآخر ستين شاة تساوي خمسمائة، فاستُحِقّت شاةٌ من الأربعين تساوي عشرة دراهم، فإنّه يرجع بخمسة دراهم في الستين شاةً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ؛ وذلك لأنّ استحقاق الشاة [لا] يتبيّن به
_________________
(١) ما بين القوسين في ب (في يده منها ثلاثمائة، يبقى له مائةٌ وخمسون، يرجع بها على صاحب الثلثين).
(٢) في أ (يضمن) والمثبت من ب.
(٣) في ب (بعين).
(٤) في أ (بعد) والمثبت من ب.
[ ٨ / ٤٨٧ ]
أنّه كان للمتقاسمين شريكٌ ثالثٌ، فلم يوجب ذلك نقض القسمة على قول أبي يوسف، إلا أنّا تبيّنا أنّ بينهما ألفًا إلا عشرة [دراهم]، حقّ كلّ واحدٍ منهما أربعمائة وخمسة وتسعين، وقد أخذ صاحب الأربعين أربعمائة وتسعين، وأخذ الآخر خمسمائة، فبقي لهذا الشريك [خمسةٌ]، فوجب أن يضرب في الستين شاة بخمسة دراهم، ويضرب فيها شريكه بأربعمائة وخمسة وتسعين، فيقتسمانها على ذلك.
قال: فإن كان كُرُّ حنطةٍ بين رجلين نصفين، يكون أربعين قفيزًا، منها عشرة أقفزةٍ طعامٌ جيدٌ، وثلاثون قفيزًا رديءٌ على حدةٍ، فأراد أحدهما أن يأخذ عشرة أقفزةٍ طعامًا (^١) [بحقّه]، ويأخذ الآخر ثلاثين قفيزًا، فإن هذا لا يجوز؛ لأنّ القسمة فيها معنى التمليك، وتمليك الحنطة بأكثر من كيلها لا يجوز.
قال: فإن زاده صاحب الثلاثين قفيزًا ثوبًا، فاقتسما على ذلك فهو جائزٌ؛ وذلك لأنّ العشرة الجيدة لا يجوز أن تكون في مقابلتها أكثر من عشرة، ويبقى بينهما عشرون قفيزًا أخذها [أحدهما] وأعطى ثوبًا بدلًا عن عشرةٍ منها، وهو حقّ صاحبه، فيجوز ذلك، وهذا على أصلنا في قسمة [الاعتبار] (^٢)، وقد بيّنا ذلك في البيوع.
قال: فإن استَحقّ [عليه] في الثلاثين عشرة مخاتيم (^٣)، فإنّه يرجع عليه بنصف الثوب؛ لأنّ عشرةً من الثلثين بالعشرة الخيار، والثوب بحصّة صاحب
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) في أ (الأعيان)، والمثبت من ب، وهو المناسب؛ لأنّ المسألة من صور قسمة الاعتبار المعروفة عند الحنفية.
(٣) (جمع مختوم، وهو مكيالٌ معروفٌ عندهم). طلبة الطلبة للنسفي (٢١٨)
[ ٨ / ٤٨٨ ]
العشرة من العشرين الباقية، فلمّا استحق نصفها رجع عليه بنصف الثوب.
قال: وهذا الجواب في كتاب القسمة، وقال في زيادة الزيادات: إذا استحق عشرة أقفزةٍ من الطعام الرديء، رجع [عليه] بثلث (^١) الثوب وثلث الطعام الجيد، فمن أصحابنا من قال: بأنّ ما في الزيادات هو القياس، وما في الكتاب هو (^٢) الاستحسان.
وجه القياس: أنّ العشرة مستحقةٌ من جملة الثُلُثين مُشاعًا، فقد استحقّ من كلّ عشرةٍ ثلثها، ومعلومٌ أن عشرةً منها بإزاء الثوب، فرجع بثلثه، وعشرةً منها بإزاء العشرة [الجياد] (^٣)، فيرجع بثلثها، وعشرة مال المستحَقّ عليه، فلا يرجع بما اسْتُحِقّ منه.
وجه الاستحسان: أنّ الاستحقاق إذا حصل من الجملة مشاعًا، وجب أن يُجعَل من جميعها إذا كان لها حكمٌ واحدٌ، فإذا اختلف حكمها، جاز أن يُجعَل من بعضها دون بعضٍ؛ بدلالة ما قالوا فيمن باع إبريقًا وزنه عشرة دراهم وثوبًا بعشرين درهمًا، وتقابضا وافترقا، ثم استُحِقّ من العشرين عشرةٌ: جُعلَت من ثمن الثوب، ولم تُجعَل من جملة (^٤) ثمن الثوب وثمن (^٥) الإبريق؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى بطلان جواز (^٦) الصرف، فلمّا صار لأحد الأمرين مَزيّةٌ على الآخر، جعل
_________________
(١) في ب (بنصف).
(٢) في ب (جواب).
(٣) في أ (الخيار) والمثبت من ب.
(٤) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٥) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٦) في ب (عقد).
[ ٨ / ٤٨٩ ]
الاستحقاق من أحدهما، كذلك في مسألتنا: العشرة الجيدة بالعشرة الرديئة قسمةٌ، والعشرة بالثوب بيعٌ، فإذا جعلها الاستحقاق من حصة البيع، لم يحتج إلى إعادته، وإذا جعلناها من حصة القسمة، وجب إعادة القسمة، فوجب أن يُجعَل من حصة الثوب دون حصة القسمة.
وإذا كان الاستحقاق مما يسوّي (^١) القسمة، صار من العشرين الباقية، فخمسة أقفزةٍ مستحقّةٌ من بدل الثوب، وهي نصف ثمنه؛ فلذلك رجع بنصفه.
قال: وإذا اقتسم رجلان دارًا واحدةً، وأرضًا واحدةً، فبنى أحدهما فيما صار له، أو غرس ثم استُحِقّ كلّه أو بعضه فيما فيه [من] البناء، فإنه [يقلع] (^٢) المستحِقّ البناء والغرس، ولا يكون المستَحَقِّ عليه مغرورًا، ولا يكون له أن يسلم ما نقض إلى شريكه، ويضمّنه قيمة ذلك مَبْنِيًّا أو مغروسًا.
قال: وجملة هذا: أنّ القسمة إذا وقعت بإجبار الحاكم، [أو] (^٣) وقعت بتراضيهما فيما يجبر الحاكم عليه، ثم استحقّ أحد النصيبين، لم يرجع الذي أخذه بقيمة البناء والغرس؛ لأنّ الرجوع بذلك إنّما هو لأجل الغرور، ألا ترى أن البائع قد غرّ المشتري [حين] (^٤) أوجب له البيع في أرضٍ ضَمِن (^٥) أنّها ملكه، فأنفق فيها مغترًا بالضمان، وهذا لا يوجد في القسمة؛ لأنّ المقاسم [إنّما] أُخِذ منه نصف العقار بغير اختياره حين أجبره القاضي.
_________________
(١) في ب (سوى).
(٢) في أ (يبلغ)، والمثبت من ب، والسياق يقتضيه.
(٣) في أ (إن)، والمثبت من ب.
(٤) في أ (حتى) والمثبت من ب.
(٥) في ب (ظن).
[ ٨ / ٤٩٠ ]
وإن كان لم يجبره فقد كان معرّضًا للإجبار لو لم يقسم، فلم يكن غارًّا فلم يضمن قيمة البناء والغرس.
ولهذا قالوا: إنّ الشفيع إذا أخذ العقار بالشُّفعة فبنى فيه، ثم استُحِقّ، فقلع البناء، لم يرجع بقيمته على المشتري؛ لأنَّه لم يغرّه فيه، وإنّما أخذه بغير اختياره.
وكذلك قال محمدٌ في الجارية المأسورة إذا اشتراها رجلٌ من أهل الحرب، فأخذها المولى الأول بالثمن، واستولدها، ثم استحِقّت: [لم] (^١) يرجع بقيمة الولد؛ لأنّه أخذها بغير اختيار المشتري، فلم يكن المشتري غارًّا.
فكذلك قال في جاريةٍ بين شريكين استولدها أحدهما، ثم استُحِقّت وضمن قيمة الولد، لم يرجع به على الشريك؛ لأنّ الشريك لم يوجب الملك فيها، وإنّما أُخِذت بغير اختياره.
وكذلك قال في الأب إذا وطئ جارية الابن، فعلقت واستُحِقّت فضمن قيمة الولد، لم يرجع به على ابنه؛ لأنّه أُخِذ من المالك بغير اختياره.
وقد قال أبو يوسف في غاصب الجارية: إذا لم يقدر على ردّها فضمّنه المولى القيمة، ثم رجعت، فاستولدها الغاصب، ثمّ استُحِقّت، رجع الغاصب على مولاها بالقيمة التي ضمن له، وبقيمة الولد، ولم يحك خلافًا، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الملك يحصل باختيار المولى للتضمين، فقد أوجب الملك فيها بالضمان، فصار كالبائع.
قال: ولو كانت بينهما، داران، أو أرضان، فأخذ كلّ واحدٍ منهما واحدةً،
_________________
(١) في أ (أن)، والمثبت من ب، وهو المناسب في العبارة.
[ ٨ / ٤٩١ ]
فبنى فيها، ثم استُحِقّت، ونقض البناء، رجع بقيمة البناء؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة أنّ الدارين لا يُجبر على قسمة إحداهما في الأخرى، فلمّا وقعت القسمة بغير اختيارٍ، صار كلّ واحدٍ منهما كالبائع لنصيبه من شريكه، فيصير غارًّا.
ومن أصحابنا من قال: إن على قول أبي يوسف ومحمدٍ لا يرجع؛ لأنّ من أصلهما أنّ الدارين تقسم إحداهما في الأخرى، فهما كالدار الواحدة.
والصحيح: أنّه لا خلاف في هذا؛ لأنّ عندهما إنّما تقسم إحدى الدارين في الأخرى إن رأى القاضي ذلك صلاحًا، وإن لم ير فيه صلاحًا لم تقسم، فإذا اقتسماها بغير حكمٍ لم تقع القسمة على ما يجبر القاضي عليه، فصارت في معنى البيع.
وقد قالوا في الجاريتين المشتركتين: إذا اقتسماهما وأخذ كلّ واحدٍ من الشريكين (^١) [جاريةً] فاستولدها، ثم استُحِقّت، رجع على شريكه في قول أبي حنيفة؛ لأنّ الرقيق عنده لا يقسم بعضه في بعض، فصارت القسمة كالبيع.
و[يجيء] على قول أبي يوسف ومحمدٍ: أن لا يرجع؛ لأنّ القسمة في الرقيق يجبر القاضي عليها، فصارت كالدار الواحدة (^٢).
_________________
(١) في ب (منهما).
(٢) انظر: الأصل، ٣/ ٣١٧ وما بعدها؛ شرح مختصر الطحاوي، ٨/ ٤٧٧.
[ ٨ / ٤٩٢ ]