قال: وإذا أذن الإمام لرجلٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ أو أكثر من ذلك ممّن له منعةٌ أو لا منعة [له] في الغزو والدخول إلى أرض (^١) الحرب، فسبيلهم وسبيل الجيش العظيم الذي يؤمِّر عليهم الإمام ويغزيهم أرض الحرب واحدٌ، فما أصابوا من غنيمةٍ ففيها الخمس، والباقي لمن أصاب ذلك، إن كان واحدًا أو أكثر، إلا أنّهم إذا كانوا جماعةً، أسهم للفارس سهم فارسٍ، وللراجل سهم راجلٍ، والقسم فيهم والقسم (^٢) في الجيش العظيم واحدٌ في جميع أحوالهم، يشتركون فيما أصاب بعضهم أو جماعتهم.
والأصل في هذا الباب أنّ الجيش العظيم والجماعة الذين لهم منعةٌ إذا دخلوا [معًا]، خمس ما أخذوه وقسم قسمة الغنائم، سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ وذلك لأنّ ما أخذوه يسمّى غنيمةٌ، فيدخل تحت قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
ولأنّ الإمام يلزمه نصرتهم وإن دخلوا بغير إذنه؛ لأنّ الاستظهار عليهم يؤدي إلى وهن المسلمين [وطمع] (^٣) الكفار [فيهم]، فإذا التزم نصرتهم، صار المأخوذ بظهر المسلمين ومعونتهم، فيثبت لهم فيه حقّ الخمس.
_________________
(١) في ب (دار).
(٢) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٣) في أ (وجمع) والمثبت من ب.
[ ٩ / ١١٢ ]
وأمّا إذا دخل من لا منعه له بإذن الإمام، (فالرواية المشهورة أنّه يخمّس ما أخذوا) (^١)؛ لأنّ الإمام إذا أنفذهم، فقد التزم نصرتهم، وأن يمدهم بمن يستنقذهم إن ظهر عليهم الكفار، فما يأخذونه [مأخوذٌ] بظهر الجماعة، فصار كما لو أخذه الجيش العظيم.
وقد روي عنهم: أنّه لا خمس فيما أخذوه؛ لأنّهم لا يقدرون على مغالبة الكفار، فالمأخوذ ليس بغنيمةٍ، (وإنّما هو مأخوذٌ على وجه التلصُّص، فلا يجب فيه الخمس.
وأمّا إذا دخل العرب الذين لا منعة لهم، يعني بإذن الإمام، لم يخمّس ما أخذوا عندنا، وقال الشافعي يخمّس (^٢).
لنا: أنّ المأخوذ ليس بغنيمةٍ) (^٣)؛ بدليل أنّ الغنيمة ما أخذت بالقهر والغلبة، (والواحد والاثنان لا غلبة لهم في أرض العدو) (^٤)، وإنّما يستسرّون بما يأخذونه، فصاروا كاللصوص إذا دخلوا دار الحرب؛ ولأنّ الإمام لا يلزمه نصرتهم؛ لأنّه لم يأمرهم بالدخول، وليس في التخلية بين العدو وبينهم وهنٌ على المسلمين تلزمه النصرة لأجله، وإذا كان المأخوذ لا صنع للمسلمين في أخذه، لم يستحقّوا خمسه، كما لا يستحقوا خمس ما يخرجه التاجر واللص.
وإذا ثبت أن ما يأخذونه ليس بغنيمة، فما يأخذه كلّ واحدٍ منهم فهو له لا
_________________
(١) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٢) انظر: الأم ص ١٦٢٦؛ رحمة الأمة ص ٢٤٩.
(٣) ما بين القوسين سقطت من ب.
(٤) ما بين القوسين سقطت من ب.
[ ٩ / ١١٣ ]
يشركه صاحبه فيه؛ لأنّه مأخوذٌ على أصل الإباحة، فصار (^١) كالصيد والحشيش إذا اجتمع جماعةٌ على أخذه، فلكلّ واحدٍ منهم ما أخذ، لا يشركه صاحبه، إلا أن يجتمعا على أخذ شيءٍ، فيكون بينهما كما لو اشتركا في أخذ صيدٍ، ومن لم (^٢) يأخذ منهم شيئًا لم يشرك الباقين، كما لا يشركهم في الصيد.
قال: فإن التقى الفريقان في دار الحرب، فريقٌ دخل بإذن الإمام، وفريق دخل بغير إذنه، ولا منعة لهم مجتمعين، فما أصاب الذين دخلوا بإذن الإمام أو أحدهم، فهو بينهم يشتركون فيه، وفيه الخمس، ولا شيء للآخرين فيه، وما أصاب الذين دخلوا بغير إذن الإمام، فلكلّ واحدٍ منهم ما أصاب لا يشركه أصحابه ولا غيرهم، وهذا محمولٌ [عندنا] على أنّ كلّ فريق تفرّد بما أخذ، فحكمه مع الاجتماع كحكمه عند الانفراد.
قال: فإن اشترك المأذون لهم وغير المأذون لهم في أخذ شيءٍ واحدٍ، فهو بينهم على عدد الآخذين، فما أصاب المأذون لهم، خُمّس، وكان الباقي بينهم على سهام الغنيمة يشتركون جميعًا فيه، الآخذ وغير الآخذ، وما أصاب الذين لم يؤذن لهم، فهو لهم على عدد الآخذين له، ولا شيء لبقيّتهم فيه ممّن لم يأخذه، ولا خمس عليهم فيه؛ لأنّهم باجتماعهم لم يبلغوا عدد المنعة، وإنّما يخمّس ما أخذه الذين أذن لهم الإمام؛ لأنّ ما أخذوه مأخوذٌ بظهره ومعونته، فأمّا من دخل بغير إذنه، فما أخذه لم يحصل بظهر الإمام، فلا يلزم أخذ الخمس كلّه (^٣) منه.
قال: فإن التقى الفريقان جميعًا، المأذونُ لهم وغير المأذون، وكانوا
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ب.
(٢) (ومن لم) سقطت من ب.
(٣) سقطت هذه الكلمة من ب.
[ ٩ / ١١٤ ]
باجتماعهم لهم منعةٌ، فما أصابَ واحدٌ من الجماعة فهو بينهم على سهام الغنيمة بعد الخمس، وكذلك ما أصاب إحدى الطائفتين قبل الاجتماع أو بعده، فذلك سواءٌ فيه الخمس، والباقي على سهام الغنيمة؛ وذلك لأنّهم لمّا صاروا باجتماعهم عددًا لهم منعةٌ، فدخولهم بإذن الإمام وغير إذنه سواءٌ؛ ولأنّه لو لم يأذن لبعضهم كان ما أخذوه غنيمةً، فإذا أذن لبعضهم أولى.
قال: ولو كان الذين دخلوا [دار الحرب] بإذن الإمام [كانت لهم منعةٌ، فأصابوا غنائم، ثم لحقهم لصٌّ أو لصان لا منعة لهم بغير إذن الإمام] بعد ما أصاب أهل العسكر الغنائم، وأصابوا بعد ذلك غنائم، ولقوا قتالًا أولم يلقوا، وقد أصاب اللصّ غنيمةً قبل أن يلحقهم وبعد ذلك، فإنّهم جميعًا شركاء فيما أصابوا، يخمّس ذلك، وما بقي فبينهم على سهام الغنيمة، إلا ما أصاب العسكر قبل أن يلحق بهم اللصّ واللصّان، ثم لو (^١) لم يلقوا قتالًا بعد ذلك، فإنّ هذا اللصّ لا يشارك أهل العسكر فيما أصابوا قبل أن يلقاهم، ولكنّ أهل العسكر يشركونهم فيما أصابوا؛ وذلك لأنّ الواحد والاثنين إذا لحقوا العسكر، فلم يحصل إحراز الغنيمة بمعونتهم؛ لأنّ العسكر لا يتقوون بهم،، فلا يجوز أن يشركوهم.
وليس كذلك المدد الكثير؛ لأنّ العسكر يتقوّى بهم، فيحصل إحراز الغنيمة بظهرهم ومعونتهم، وأمّا إذا قاتلوا بعد الأخذ، فقد حصل لهم صنعٌ في الغنيمة، ألا ترى أنّها تُستَحقّ بالقتال الثاني، ولولاه لغلب الكفار عليها، فكأنّ اللصّ شهد الوقعة الأولى، وإنّما قال: إنّ أهل العسكر يشاركون اللصّ فيما أخذه قبل الاجتماع؛ لأنّه أحازه إلى دار الإسلام بظهر العسكر، فصاروا كالمدد له، فيشاركونه فيما أخذ. [والله أعلم] (^٢).
_________________
(١) (ثم لو) سقطت من ب.
(٢) انظر: التجريد ٨/ ٤١٥٢ وما بعدها.
[ ٩ / ١١٥ ]